مرّ عام كامل على ما سُمّي باتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، الذي كان ينبغي أن ينهي الحرب الإسرائيلية الدموية على البلد، فإذا به يحوّلها إلى حربٍ أحاديّة من طرف واحد، بعدما توقف "حزب الله" عن إطلاق الرشقات الصاروخية، فيما واصلت تل أبيب اعتداءاتها واستهدافاتها على كامل الأراضي اللبنانية، وإن بوتيرة أخفّ، لتبقي أيضًا على احتلال نقاط لبنانية استراتيجية، من دون أن يردعها رادع، بل من دون أن يسائلها أحد على ذلك.
وتزامنًا مع ذكرى مرور عام على توقيع الاتفاق، الذي لم تلتزم به ولو ليوم واحد، اختارت إسرائيل أن ترفع من وتيرة تصعيدها، بدءًا من الاغتيال "النوعيّ" الذي نفّذته في قلب الضاحية الجنوبية لمن وصفته بـ"رئيس أركان حزب الله" هيثم الطبطائي، وصولاً على الغارات المتلاحقة على العديد من القرى والبلدات، والتي وُصِفت بالأعنف على الإطلاق، لتؤكد من خلال هذه الهجمات أنّ الميدان لا يزال ملعبها، وأنها قادرة على فرض رغبتها على الجميع.
وبالفعل، تبدو الصورة في الجنوب اللبناني اليوم أكثر غموضًا والتباسًا مما كانت عليه على امتداد الأشهر الـ12 الماضية، فالهدنة كما يعلم الجميع "هشّة" منذ اليوم الأول، فكيف بالحريّ اليوم، و"حزب الله" في موقف لا يُحسَد عليه، وهو الذي لم يلوّح حتى بالردّ على اغتيال قائده العسكري هيثم الطبطبائي، فيما الإعلام الإسرائيلي لا يتحدّث سوى عن "حتميّة الحرب"، إذا لم تتحقق أهدافها بالسبل الدبلوماسية، أي إذا لم يتمّ نزع السلاح اليوم قبل الغد.
في موازاة ذلك، تتكثّف الضغوط السياسية والدبلوماسية على لبنان من أكثر من جهة، وفي جديدها الحديث عن "مهلة" أعطتها واشنطن إلى بيروت من أجل إنجاز استحقاق نزع سلاح "حزب الله"، تحت طائلة التلويح بمواجهة عسكرية "لا مفرّ منها" إذا لم يتحقق ذلك، وهو ما تشير المعطيات إلى أنّ القاهرة نقلته أيضًا إلى المسؤولين اللبنانيين على شكل "رسالة تحذير" حملها وزير الخارجية المصري معه، فكيف يتلقف لبنان كلّ ذلك، وأين خطة المواجهة؟!.
في المبدأ، تُظهر القراءة الهادئة لمسار السنة الماضية أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يكن، عمليًا، اتفاقًا متوازنًا بين طرفين، إذ تشير كلّ التقارير إلى أنّه صُمّم منذ البداية ليكون "أحادي الجانب"، بحيث يُمنَع "حزب الله" من إطلاق الرصاص والصواريخ باتجاه الأراضي المحتلة مثلًا، فيما يُسمَح لإسرائيل في المقابل بالتحرك لـ"إزالة" ما تصنّفه هي "تهديدًا لأمنها"، حتى إنّ الدول الضامنة للاتفاق لم تمارس أيّ ضغوط جدّية على إسرائيل لوقف اعتداءاتها وهجماتها، كتلك التي مارستها على لبنان مثلاً من أجل سحب السلاح، وهو ما لم ينصّ عليه الاتفاق أساسًا.
ولعلّ الأرقام التي كشفت عنها اليونيفيل، حين تحدّثت عن آلاف الخروقات الإسرائيلية للأجواء اللبنانية خلال العام الماضي، تكفي للدلالة على المشهدية التي تكرّست بعد عام على الاتفاق، وهو ما تؤكده أيضًا شهادات الأهالي في قرى الجنوب الذين كانوا يعتقدون أنّهم قادرون على العودة إلى قراهم بأمان بمجرد إبرام الاتفاق، وإذا بهم يجدون أنفسهم معرَّضين للخطر في أيّ لحظة، بعدما تبيّن أنّ الهدنة ليست هشّة فحسب، بل "على الورق" فقط.
من هذه الزاوية، يمكن فهم الغارات الإسرائيلية الأخيرة بوصفها عودة إلى "الاستثمار" في هذه المعادلة غير المتوازنة. فتل أبيب لا تتصرّف كمن يخرق وقف إطلاق النار، بل كمن يمارس "حقًا مكتسبًا" في إطار اتفاق يعطيها هامش حركة واسعًا مقابل تجميد عملي لسلاح الحزب، حتى إنّ هناك من يستغرب لماذا تعمد إسرائيل إلى "استدراج" الحزب إلى الحرب، طالما أنّها تفعل ما يحلو لها في زمن "الهدنة"، بما ذلك اغتيال قيادات الصف الأول فيه.
وإذا كانت إسرائيل توجّه من خلال هذا الأداء رسالة إلى الحزب وغيره، مفادها أنّها قادرة على إشعال الجبهة متى تشاء، وهو ما يمكن أن يصبح "ورقة ضغط" بيدها عندما يُفتَح باب المفاوضات، فإنّ الولايات المتحدة التي قادت وساطة على امتداد الأشهر الماضية، تظهر في الخلفية كمن يكرّس هذا الحقّ لإسرائيل، علمًا أنّ هناك من يضع الأمر في خانة "الغضب الأميركي" من سياسة المماطلة التي تمارسها السلطات اللبنانية، وكأنّها "تملأ الوقت"، ليس إلا.
وفي هذا السياق، كانت لافتة التسريبات التي تحدّث عن "مهلة" أعطتها واشنطن لبيروت حتى نهاية العام لتحسم أمرها، معطوفة على تلك التي تحدّثت عن تعامل إسرائيل مع الحرب بوصفها "حتمية"، حتى قيل إنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحث مع القادة الأمنيين سيناريوهات التعامل مع لبنان في حال فشل المسار الدبلوماسي، وكلّ ذك يعكس وفق العارفين، مناخًا ضاغطًا على الدولة، ولكنه يمكن أن يُفهَم أيضًا تحضيرًا للرأي العام لحرب "مبرّرة" سلفًا، بذريعة أنّ الدولة لم تستطع أن تنجز الأمر بمفردها.
ولعلّ ما يجمع كلّ هذه السرديات الخارجية هو أنها تضع لبنان أمام معادلة شديدة الضيق: إمّا القبول بصيغة ما لنزع السلاح أو تحجيمه في الزمان والمكان، وإمّا تحمّل تبعات مواجهة جديدة. وعلى هذه الخلفية، يتحرّك الخطاب الرسمي اللبناني في محاولة لالتقاط اللحظة. هكذا، تبدو تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام التي انتقد فيها "سردية السلاح" مفهومة، في إشارة منه إلى أنّ الشرعية التي استند إليها هذا السلاح لعقود باتت موضع مساءلة من داخل مؤسسات الدولة، لا من خصوم الحزب التقليديّين.
وفي حين يجدّد رئيس الجمهورية الانفتاح على خيار التفاوض، ويلفت إلى مبادرات عدّة قدّمها للتفاوض وتثبيت الاستقرار، من دون أن يتلقّى أي رد عملي عليها، في رسالة ضمنية بأنّ الكرة ليست في ملعب لبنان وحده، يتمسّك "حزب الله" بموقفه الثابت من السلاح، ولا يبدي أيّ مرونة، فهو يعتبر أنّ على إسرائيل في المقام الأول أن تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار الذي وقّعت عليه، وتوقف عدوانها، وبعدها يصبح لكلّ حادث حديث.
استنادًا إلى ما تقدّم، تبدو المقاربة اللبنانية للضغط الخارجي ملتبسة، ففيما يأخذ رئيس الجمهورية صفة المبادر، ويؤكد أن لبنان منفتح على الحلول الدبلوماسية، يقدّم رئيس الحكومة نفسه شريكًا في النقاش حول جدوى السلاح، وبالتالي إضعاف حجّة الحزب أمام الراي العام الخارجي، في محاولة لتظهير الدولة كطرف "مسؤول" يمكن الاستثمار فيه. إلا أنّ الواضح أنّ هذه "الرسائل" لا ترقى بعد إلى مستوى خطة متكاملة تتضمّن تصوّرًا واضحًا لما يمكن أن تقبل به الدولة اللبنانية على طاولة التفاوض، ولا لكيفية إدارة حوار داخلي جدّي مع "حزب الله" حول مستقبل سلاحه وحدود دوره جنوبًا.
هكذا، وبعد سنة على هدنة هشّة، يبدو أنّ النظام اللبناني، بكل مكوّناته، لم ينجح بعد في إنتاج خريطة طريق خاصة به، تُحوّل هذا الاشتباك الكبير إلى فرصة لإعادة تعريف مفهوم "الدفاع الوطني"، وكأنّ هناك من لا يزال يعوّل على الخارج وحده لإنتاج تسوية جاهزة. إلا أنّ هذا الخيار سبق أن جرّبه لبنان في محطات عديدة، وكانت نتيجته غالبًا تكريس موازين قوى مفروضة من فوق، لا توافقًا وطنيًا حقيقيًا...
كانت هذه تفاصيل خبر عام على "وقف إطلاق النار" والحرب متواصلة... أين خطة المواجهة؟! لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على النشرة (لبنان) وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
أخبار متعلقة :