الرياص - اسماء السيد - "الخليج 365" من القاهرة: يحتفل العالم بعد أيام وتحديداً في 25 يناير (كانون الثاني) المقبل بمرور 100 عام على ميلاد المخرج المصري العالمي الراحل يوسف شاهين، وسط اهتمام غير مسبوق بمئوية عبقري سبق عصره في التصدي لكافة أشكال التطرف الديني.
وكان أول من أخذه خياله إلى بناء كنيس وكنيسة ومسجد في مكان واحد، وها نحن نقف أمام عالم اليوم وهو ينادي بالسلام تحت عنوان التسامح والسلام الإبراهيمي.
فى تاريخ الفن، مواهب إبداعية استثنائية أضاءت الدنيا ويأتى المخرج العالمى يوسف شاهين فى مقدمة المخرجين المصريين والعرب والعالميين، بفضل ما أبدع من أفلام عكست منذ بداياتها ملامح مخرج متفرد يملك لغة ورؤية فنية متميزة تتخطى النمطية، واستطاع بها أن يبهر الشرق والغرب.
ولهذا تم اختياره وتصنيفه من بين أهم عشرة مخرجين فى العالم، فهو صاحب مدرسة سينمائية تخرج فيها العديد من الفنانين والفنيين والمخرجين، وفقاً لتقرير "الأهرام" المصرية.
من "بابا أمين" إلى "هي فوضى"
منذ أول أفلامه «بابا أمين»، وحتى «هى فوضي»، كان متميزا متجددا متنوعا ومثيرا للجدل، ونجح لسنوات طويلة فى أنه جعل من 35 شارع شامبليون مقر شركة «أفلام مصر العالمية» صوتا لمصر فى المهرجانات العالمية.
الاحتفال بذكرى مئوية ميلاد المخرج يوسف شاهين التى توافق 25 يناير (كانون الثاني) عام 1926 يقام هذا العام فى مصر وعدد من دول العالم مثل فرنسا واليابان والهند والبلاد العربية، تقديرا لقيمته الكبيرة.
(يوسف شاهين "ممثلاً" مع هند رستم في باب الحديد)
100 سنة يوسف شاهين
تقيم «أفلام مصر العالمية» حفلا خاصا مساء السبت المقبل بعنوان «100 سنة يوسف شاهين» سيتم خلاله عرض مختارات منتقاه من الأرشيف الغنى الذى تركه، وهو يمثل كنزا يكشف الكثير عن يوسف شاهين، ويحسب لابنى شقيقته المنتج جابى خورى والمخرجة والمنتجة ماريان خورى الحفاظ على هذا الإرث الفنى الذى يعد كنزا إنسانيا يطوف العالم.
وربما يكون شاهين المخرج الوحيد الذى احتوت مسيرته على مدار 57 عاماً على جميع أنواع الأفلام، السياسية والاجتماعية والسيرة الذاتية والتاريخية والغنائية الاستعراضية والفانتازيا.
صاحب فعل سياسي واجتماعي
وكان اهتمام شاهين بالقضايا الإنسانية والعامة والوطنية حقيقيا وليس مجرد صورة على الشاشة، فهو أحد الفاعلين فى الحياة السياسية المصرية العامة بأفلامه، وأيضا مواقفه الشخصية، وانحيازه إلى الفقراء والضعفاء، ووصف بأنه الثورى الواعى لدوره فى التغيير الاجتماعى والسياسي، كما كان مهتما بالصراع العربى الصهيوني، والصراع ضد الاستعمار، وكان له دور كبير فى محاربة التطرف الديني.
وتميز شاهين بتقديم أفلام تجربته الذاتية، وكان يرى أن الهموم الخاصة هى فى حقيقتها هموم عامة لا يجب تجاهلها.
وفي سؤال وجهته الأهرام ليوسف شاهين قبل رحيله عن نظرته لمشواره في السينما قال :"تعذبت جدا.. ولكنى فى غاية السعادة.. وأتذكر يوماً نادانى يوسف وهبى وسألني.. يا يوسف لو خيروك بين أجمل امرأة أو تأخذ كاميرا ماذا تختار.. دون تردد قلت له الكاميرا.. ولهذا أقول مهما تعذبت وتعبت ولو عاد الزمن للوراء سأختار السينما لأنها فى دمي.
لست الهرم الرابع ولم أقترب من عبد الناصر
وأضاف: "ما حققته كان نتاج جهد وتعب وحرص على أن تكون أعمال لها صدى، لكن لم أقصد أبدا أن يقال عنى إنى مهم أو الهرم الرابع مثلا وحكاية العظمة عمرى ما شغلت نفسى بيها، فأنا أرى أن العظمة لا تكون إلا فى الأخلاق"
وكشف عن بعض أسراره فقال : «لم أكن على علاقة شخصية بالرئيس جمال عبدالناصر، وإنما كنت أعرف الأستاذ محمد حسنين هيكل، وأتذكر أنه يومها سألنى «ها تعمل إيه»؟ قلت له «الناصر صلاح الدين»، وسألني: «ها تعمله إزاي»؟ قلت له: «أفضل ما يكون»، فرد على بقوله: «هذا لا يكفى وحده»، فقلت له: «عندى مطالب كثيرة»، وبالفعل وفروا لى كل ما أردت من جيوش وخيول، وأتذكر يومها كانوا يريدون أن يقوم مخرج أمريكى بإخراج المعارك، ورفضت لأننى أمام تحد، ولابد أن أقوم بعملى كاملا.
وعن علاقة يوسف شاهين مع عبد الناصر قالت المصادر:
كانت العلاقة بين المخرج يوسف شاهين والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر علاقة مركبة جمعت بين التأييد للمشروع الوطني في بداياته والصدام الفني، بعد رفضه اخراج أي عمل عن شخصية عبد الناصر، كما انتقده في غياب الحريات وتغول الأجهزة الأمنية، وقال إن وعود عبد الناصر كانت كثيرة، وأقرب إلى الأحلام التي لم تتحقق.
- فيلم الناصر صلاح الدين (1963): يُعتبر أهم تعاون غير مباشر بينهما؛ حيث تم إنتاج الفيلم بتوجيه ودعم من الدولة ليرمز لشخصية عبد الناصر ومشروعه في الوحدة العربية، وكان الفيلم يجسد هذه الحالة الرمزية بمقاييس وقتها.
- فيلم "جميلة بوحيرد" (1958): قدمه شاهين بدعم من النظام الناصري لتسليط الضوء على الثورة الجزائرية، وهو ما تماشى مع توجهات عبد الناصر القومية آنذاك.
- فيلم "العصفور" (1972): رغم إنتاجه بعد وفاة عبد الناصر، إلا أن الفيلم ناقش أسباب هزيمة 1967 (النكسة)، ووجه فيه شاهين انتقادات رمزية لمراكز القوى في عهد ناصر، معبراً عن صدمة الجيل من ضياع الحلم.
- الموقف الشخصي: وصف شاهين عبد الناصر في عدة لقاءات بأنه "زعيم وطني"، لكنه كان ينتقد غياب الديمقراطية وتغول الأجهزة الأمنية في عهد عبد الناصر، وشدد على أنه لم يقترب منه شخصياً مكتفياً بالعلاقة مع هيكل.
زغرودة مصرية في مهرجان كان.. أبكتني
وعن اللحظة الأكثر تأثيرا فى حياته قال: تظل لحظة ما أعلنت النجمة السينمائية «إيزابيل ادجاني» رئيسة لجنة تحكيم مهرجان كان فى الدورة الخمسين منحى جائزة العيد الخمسينى هى اللحظة الأهم، وفيها ضحكت وبكيت وكان قلبى مثل الفراشة، وأتذكر أن الناس يومها فى الصالة صفقوا جامد جدا، ثم وقفوا يصفقون لمدة 11 دقيقة، وأنا فى وسط حالة الحب سمعت زغرودة، فى هذه اللحظة بكيت والدموع فى عيني، فى هذه اللحظة شعرت بأن كل المصريين معي، وأن مصر هنا، لأن الزغرودة لا تأتى إلا من مصر، فمصر هى حبى وعشقي، وأنا مصرى متطرف، ومصريتى فوق كل شيء".
وحصل يوسف شاهين على جائزة مبارك للفنون، وهى أرفع وأهم جائزة مصرية، وكانت لها فرحتها الخاصة، وقال عنها: «لم أصدق الحصول على الجائزة.. لأنى رشحت لها مرتين ولم أحصل عليها».
وبسؤاله: لا يوجد فى تاريخ السينما المصرية والعربية مخرج حقق كل هذه العالمية، فكيف حققت هذا الإنجاز؟.
فقال: «هذا تحقق على مر السنين، ففى البداية خضت معارك كثيرة للمشاركة فى المهرجانات العالمية الكبري، ومن مهرجان لآخر بدأت ألفت الأنظار إلى أفلامي، وكانوا فى البداية يعرضون أفلامى فى أوقات ميتة، فى الثامنة صباحا، وتحملت وأصررت على أن أكمل المشوار، وبعد فترة بدأت المهرجانات تطلبنى للمشاركة.
لماذا لا يحبون أميركا؟
ولم يكن يوسف شاهين غائبا عن علاقة العرب مع الغرب، وتحديدا الولايات المتحدة، من خلال أفلامه مثل «الآخر»، و«إسكندرية – نيويورك»، وحتى هجمات الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 كان له رأى فيها وحولها، عبر عنه فى الجزء الخاص به فى الفيلم الذى اشترك فيه عن هذا الحدث مع عدد من أهم مخرجى العالم،
وقال من خلال الفيلم إنه أجاب عن السؤال الأساسى «لماذا حصل ما حصل فى أميركا؟ فقال بكل وضوح إن هناك ملايين يموتون بسبب أميركا، وقلت لهم «هناك أناس كثر ماتوا بسببكم من هيروشيما حتى الآن، ولكن للأسف لا يرغبون في سماع الحقيقة، حتى الغرب كله، الغرب يريد أن يسمع أميركا ماذا تقول، وهم يعملون لها ألف حساب».
كما يوسف شاهين معارك كثيرة مع الرقابة أو من خلال القضايا التى أقيمت ضده لمنع أفلامه، وتظل معركة فيلم «المهاجر» أكثرها شراسة فى تاريخ السينما المصرية، وهو ما دفعه لكتابة مقال نشر فى «الأهرام» فى 1995 بعنوان «عودة المهاجر بين الدين والفن والحرية».
أخبار متعلقة :