السودان اليوم ليس مجرد ساحة حرب مفتوحة، بل مرآة موجعة لأسئلة قديمة تتكرر كلما عجزت السياسة عن إدارة خلافاتها بوسائل سلمية. منذ اندلاع القتال بين الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو في أبريل 2023، دخلت البلاد طورًا خطيرًا من الانهيار المؤسسي والعنف المفرط. غير أن ما يثير القلق ليس فقط حجم الدمار، بل الخطاب الذي يسعى إلى إضفاء مشروعية أخلاقية على الحرب تحت عنوان عريض: “استئصال الإسلام السياسي”.
سياسيًا، يُقدَّم هذا الشعار باعتباره ضرورة تاريخية لتصحيح مسار دولة يُقال إنها اختُطفت منذ انقلاب عمر البشير عام 1989، حين تحالف العسكر مع الحركة الإسلامية وأقاموا نظامًا جمع بين السلطوية والمرجعية الدينية. ولا جدال في أن تلك الحقبة أفرزت أزمات بنيوية عميقة: تضييقًا سياسيًا، تمددًا أمنيًا، اختلالات اقتصادية، وعزلة خارجية أثقلت كاهل الدولة والمجتمع، وهو ما عبّرت عنه ثورة ديسمبر 2018 بوضوح لا لبس فيه.
غير أن القراءة الموضوعية للتاريخ تقتضي التذكير بأن تلك المرحلة لم تتحرك في سياق داخلي هادئ أو إقليمي مستقر. فقد عاشت سنواتها الطويلة في ظل حرب أهلية ضروس مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وهي حرب تداخلت فيها حسابات الداخل مع رهانات الخارج، وتقاطعت مع دعم سياسي ودبلوماسي دولي لذلك المسار. كما خضعت البلاد لعقوبات اقتصادية وضغوط سياسية ممتدة لسنوات، لم تُرفع آثارها بالكامل حتى بعد سقوط النظام. إن استحضار هذا السياق لا يعني تبرئة التجربة من أخطائها، بل يهدف إلى منع اختزالها في رواية أحادية تُحوّل التاريخ إلى لائحة اتهام بلا سياق.
يبقى السؤال الجوهري: هل يُستأصل تيار سياسي بالقصف المدفعي؟ وهل يُمحى فكرٌ متجذر في قطاعات من المجتمع عبر فوهة دبابة؟
التاريخ الحديث يجيب بالنفي. في الجزائر خلال التسعينيات، رُفع شعار حماية الدولة من “الخطر الإسلامي”، فانتهت البلاد إلى عقد دموي قاسٍ، دون أن تُحسم الإشكالات الفكرية والاجتماعية التي فجّرت الأزمة. الأفكار، سواء اتفقنا معها أم اختلفنا، لا تُعدم بالرصاص؛ بل قد تتصلّب في الظل وتعود أكثر حدّة حين تُغلق أمامها أبواب السياسة.
قانونيًا، لا يملك أي طرف حق إعلان حرب شاملة على فئة سياسية داخل المجتمع. مبادئ القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها التمييز والتناسب، تحظر استهداف المدنيين أو تدمير الأعيان المدنية بذريعة مطاردة خصم سياسي. وحتى لو ثبت تورط أفراد بعينهم في جرائم أو تجاوزات، فإن الطريق السليم هو المساءلة القضائية الفردية عبر منظومة عدالة انتقالية مستقلة، لا العقاب الجماعي ولا تحويل المدن إلى ساحات تصفية حسابات.
المفارقة – التي ربما كان سيتأملها ساخرًا جورج أورويل – أن خطاب “تحرير الدولة من التسييس الديني” قد يقع هو ذاته في نزعة خلاصية مطلقة، تقسم المجتمع إلى معسكرات أخلاقية مغلقة، وتمنح العنف وظيفة تطهيرية. هكذا تتحول السياسة إلى معركة وجودية صفرية، ويصبح المختلف عدوًا ينبغي اجتثاثه لا محاورته. إنها الدائرة ذاتها التي أوقعت المنطقة مرارًا في فخ الاستقطاب القاتل.
ومن منظور ديني وأخلاقي، فإن توظيف فكرة “الاستئصال” في مجتمع متدين بطبعه يحمل قدرًا كبيرًا من التناقض. فالقيم الإسلامية – كما سائر التقاليد الروحية – تعلي من حرمة النفس الإنسانية وتربط العدل بالميزان لا بالانتقام. إن تحويل الخلاف السياسي إلى حرب وجودية باسم إنقاذ المجتمع من “التديين” لا يقل خطورة عن تديين السياسة ذاتها؛ فكلا المسارين يُقصي الآخر بدل أن يؤسس لعقد اجتماعي جامع.
الواقع أن “الإسلام السياسي” في السودان ليس كيانًا صلدًا متجانسًا، بل طيف واسع يمتد من أحزاب مدنية إلى شبكات مصالح نشأت خلال عقود الحكم. اختزال هذا التعقيد في هدف عسكري مباشر يُغفل أن جوهر الأزمة أعمق: هشاشة الدولة، تعدد مراكز القوة المسلحة، اقتصاد منهك، ونخب سياسية لم تنجح بعد في بناء أرضية انتقال مستقر. حين تغيب المؤسسات، يسهل على السلاح أن يدّعي احتكار الوطنية.
وسط هذه الجدالات، يظل المدني السوداني هو الخاسر الأكبر. ملايين النازحين، مدن فقدت خدماتها الأساسية، أحياء تحولت إلى خطوط تماس. هؤلاء لا تعنيهم معارك التعريفات الأيديولوجية بقدر ما يعنيهم الأمان والغذاء والدواء. وكما قال الأدب العربي قديمًا: الحرب أولها كلام، وآخرها مقابر.
إن تبرير العنف بشعار استئصال تيار سياسي يفترض ضمنًا أن المجتمع يمكن إعادة تشكيله بالقوة. غير أن المجتمعات لا تُدار بمنطق الجراحة العسكرية، بل ببناء الثقة والمؤسسات والقانون. وأي مشروع وطني جاد في السودان لن ينجح إلا إذا أقرّ بتعدديته، وفتح المجال لتنافس سياسي سلمي، وخضع الجميع – مدنيين وعسكريين – لسلطة قانون مدني مستقل.
يبقى السودان أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن يعيد إنتاج دورة الإقصاء تحت لافتات جديدة، أو أن يتعلم الدرس الأثقل في تجاربه المتكررة، وهو أن السياسة، مهما اشتد صراعها، لا تُدار بالمدفع. فالفكر لا يُقتل بالرصاص، والوطن لا يُبنى بالغلبة، بل بالتسوية العادلة التي تتسع للجميع.
عادل الحامدي – الشرق القطرية
كانت هذه تفاصيل خبر السياسة بالمدفع.. هل يُقتل الفكر بالرصاص؟ لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على كوش نيوز وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
أخبار متعلقة :