شكرا لقرائتكم خبر عن كيف تهدد أزمة هرمز شبكة الكهرباء في تايوان؟ والان مع بالتفاصيل
دبي - بسام راشد - أخبار الفوركس اليوم تحولت أزمة الغاز الطبيعي المسال في تايوان من مجرد نقاش حول تنويع مصادر الطاقة إلى اختبار حقيقي للأمن الطاقي للجزيرة. فتايوان تعتمد بنسبة 99% على واردات الغاز الطبيعي، وخلال عام 2025 جاء نحو ثلث وارداتها البالغة 23.6 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج، وبشكل رئيسي من قطر التي زودتها بنحو 8 ملايين طن، إضافة إلى 200 ألف طن من الإمارات.
لكن مع توقف إنتاج الغاز القطري وإغلاق مضيق هرمز، أصبحت ناقلات الغاز المحملة بالفعل عالقة داخل الخليج، ولم تتلق تايوان أي شحنات غاز من قطر أو الإمارات خلال شهري أبريل ومايو. وبالنسبة لاقتصاد تعتمد محطات الكهرباء العاملة بالغاز فيه على توليد نحو نصف الكهرباء، فإن ذلك يمثل ضربة مباشرة للوقود الذي كان يُفترض أن يجعل شبكة الكهرباء أكثر نظافة ومرونة وأمانًا.
ورغم خطورة الوضع، فإن الأزمة لم تظهر بعد بشكل كامل في أرقام الواردات. فقد استوردت تايوان 1.9 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال في أبريل، وهو مستوى قريب من العام الماضي، رغم انخفاضه مقارنة بـ2.03 مليون طن في مارس. ويعود هذا الاستقرار الظاهري بشكل كبير إلى قفزة قياسية في الإمدادات الأمريكية، إذ ارتفعت شحنات الغاز الأمريكية من نحو 200 ألف طن في مارس إلى 700 ألف طن في أبريل، وهو أعلى حجم شهري في تاريخ واردات تايوان من الغاز الأمريكي.
وباتت الولايات المتحدة تمثل خط الدفاع الطارئ لتايوان، لكن الشحنات الفورية لا توفر الاستقرار نفسه الذي كانت تؤمنه العقود القطرية طويلة الأجل، كما أنها أكثر تكلفة وأكثر عرضة للمنافسة العالمية وتقلبات الأسعار.
وتبقى أستراليا الركيزة الثانية لإمدادات الغاز، إذ استوردت تايوان نحو 8 ملايين طن من الغاز الأسترالي في 2025، وظلت هذه الكميات مستقرة خلال السنوات الثلاث الماضية بفضل العقود طويلة الأجل. لكن أستراليا ليست قادرة على تعويض النقص بالكامل، خاصة مع الضغوط الداخلية على إمدادات الغاز وقرارها تخصيص 20% من صادرات الغاز للسوق المحلية بدءًا من 2027.
وأكدت شركة CPC التايوانية الحكومية، المسؤولة عن استيراد الغاز، أنها تسعى لتقليل الاعتماد على الشرق الأوسط، مع توقيع عقد أمريكي جديد يوفر 1.2 مليون طن إضافية سنويًا، إلا أن هذا الحل متوسط الأجل ولن يعوض سريعًا فقدان الإمدادات الخليجية.
ورغم أن الغاز الروسي كان يمكن أن يشكل بديلًا عمليًا، فإن السلطات التايوانية تتجنب هذا الخيار لأسباب سياسية. وكانت تايوان قد استوردت أربع شحنات من مشروع “يامال” الروسي في 2025 بإجمالي 350 ألف طن، لكنها لا تخطط حاليًا لزيادة الواردات الروسية، رغم أنها كانت قبل حرب أوكرانيا تستورد ما بين 1.8 و2 مليون طن سنويًا من روسيا.
وتبدو تداعيات الأزمة واضحة على سوق الكهرباء. فقد بلغ إنتاج تايوان الشهري من الكهرباء نحو 24.1 تيراواط/ساعة خلال 2025، بينما شكلت المحطات العاملة بالغاز نحو 50% من هذا الإنتاج. ومن أصل 23.8 مليون طن من استهلاك الغاز الطبيعي المسال، يذهب نحو 20 مليون طن مباشرة لتوليد الكهرباء، أي ما يعادل 85.5% من إجمالي الاستخدام.
وفي حال استمرار فقدان الشحنات القطرية والإماراتية وعدم إيجاد بدائل مستقرة بدءًا من يونيو، فقد تخسر تايوان أكثر من 2 تيراواط/ساعة من إنتاج الكهرباء شهريًا، أي ما يقرب من 10% من إجمالي الطلب الشهري، وهو ما قد يفرض قرارات صعبة بشأن أولويات توزيع الكهرباء، خاصة مع ارتفاع الاستهلاك خلال فصل الصيف.
ويزيد الوضع تعقيدًا أن هيكل سوق الكهرباء في تايوان بُني على خطة للتخلص التدريجي من الفحم، بحيث تصبح حصة الطاقة المتجددة 20% والفحم 30% والغاز 50% بحلول 2025، مع وقف بناء محطات فحم جديدة. لكن الوقود الذي كان يفترض أن يحل محل الفحم — أي الغاز — أصبح الآن هو نفسه في حالة نقص.
ولهذا عاد الفحم ليصبح الحل الطارئ الأكثر واقعية، كما يحدث في عدة دول آسيوية أخرى. وتشكل محطات الفحم حاليًا نحو 35% من إنتاج الكهرباء في تايوان، بينما أعيد وضع أربع وحدات في محطة “هسيندا” بقدرة إجمالية تبلغ نحو 2 غيغاواط ضمن وضع الطوارئ بين 2023 و2025، ويمكنها الآن توفير نحو 1 تيراواط/ساعة شهريًا لتعويض جزء من النقص في الغاز.
لكن الفحم ليس حلًا بلا مشاكل. فقد انخفضت واردات تايوان من الفحم في أبريل إلى 4.5 مليون طن، وهو أدنى مستوى في خمس سنوات، بينما ارتفعت أسعار الفحم الأسترالي بنسبة 25% على أساس سنوي إلى 130 دولارًا للطن. كما أن تايوان تواجه منافسة من الصين واليابان على الإمدادات البديلة في ظل أزمة الغاز العالمية.
أما الطاقة النووية، التي كان يُفترض أن تشكل حلًا استراتيجيًا طويل الأجل، فلن تكون جاهزة في الوقت المناسب. فقد قدمت شركة الكهرباء الحكومية خطة لإعادة تشغيل محطتي “كووشينغ” و”ماانشان” النوويتين اللتين أغلقتا بعد انتهاء تراخيصهما في 2023 و2025. ويمكن للمفاعلات الأربع في حال تشغيلها الكامل أن تضيف نحو 30 تيراواط/ساعة سنويًا، لكن إعادة التشغيل الكاملة تبدو غير واقعية قبل 2028.
وهكذا تجد تايوان نفسها أمام وضع هش يعتمد على مزيج من شحنات الغاز الأمريكية الطارئة، والعقود الأسترالية المحدودة، ومحطات الفحم الاحتياطية، وخيار نووي مؤجل للمستقبل.
وتقول السلطات إن الإمدادات مؤمنة حتى سبتمبر عبر السوق الفورية والعقود الأسترالية، لكن تقارير إعلامية أشارت إلى أن احتياطيات الغاز الرسمية لم تكن تتجاوز 11 يومًا من الاستهلاك في أوائل مايو، ما يكشف مدى ضيق هامش الأمان.
ولا يقتصر الخطر على ارتفاع أسعار الطاقة فقط، بل يمتد إلى احتمال فرض تقنين للكهرباء في اقتصاد يعتمد بشكل أساسي على صناعة أشباه الموصلات والألواح الشمسية، وهما قطاعان حيويان للاقتصاد العالمي والتحول نحو الطاقة النظيفة.
وفي حال تفاقمت الأزمة، فمن المرجح أن تتضرر الصناعات أولًا، لأن الحكومات عادة ما تعطي الأولوية للمستهلكين والأسر، ما قد يؤدي إلى أزمة عالمية جديدة في إمدادات الرقائق الإلكترونية.
لقد اعتمد تحول تايوان الطاقي خلال السنوات الماضية على الغاز الطبيعي باعتباره البديل الأنظف والأكثر استدامة للفحم، لكن أزمة هرمز تكشف اليوم حجم المخاطر الكامنة في هذا الرهان.
أخبار متعلقة :