ابوظبي - سيف اليزيد - هالة الخياط (أبوظبي)
مع مطلع عام 2026، تدخل دولة الإمارات العربية المتحدة مرحلة وطنية جديدة عنوانها «الأسرة»، بعد أن وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بتخصيص هذا العام ليكون «عام الأسرة»، في تأكيد واضح على المكانة المحورية للأسرة في منظومة الاستقرار الاجتماعي، وعلى دورها الحيوي في استدامة التنمية وبناء مستقبل الدولة. ولا يأتي «عام الأسرة» كمبادرة رمزية أو مناسبة عابرة، بل بوصفه محطة مفصلية في مسار وطني متكامل، يهدف إلى تعبئة الجهود الحكومية والمجتمعية، وتوحيد السياسات والبرامج، وتعزيز الشراكات، بما يضمن بيئة داعمة للأسرة في مختلف مراحلها، ويعزز قدرتها على التكيّف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية، من دون المساس بالقيم الإماراتية الأصيلة.
ويمثل تخصيص عام كامل للأسرة، رسالة وطنية عميقة الدلالة، تؤكد أن الاستثمار في الأسرة هو استثمار في الإنسان، وفي رأس المال الاجتماعي، وفي مستقبل الأجيال القادمة. كما يعكس إدراكاً متقدماً بأن التماسك الأسري يشكّل خط الدفاع الأول عن الاستقرار المجتمعي، وأحد أهم عناصر جودة الحياة والتنمية المستدامة.
ويأتي «عام الأسرة» تتويجاً لمسار اتحادي بدأ بتعزيز التلاحم المجتمعي خلال «عام المجتمع» 2025، وتكرّس عبر إطلاق استراتيجيات وأجندات وطنية واضحة، ليشكّل عام 2026 نقطة انتقال من مرحلة التخطيط الاستراتيجي إلى مرحلة التنفيذ والتأثير المجتمعي الواسع، بما يرسّخ الأسرة كأولوية وطنية طويلة المدى، وليس كملف مرحلي.
استثمار في الإنسان
ويرى مختصون في الإرشاد الأسري والاجتماعي، أن تخصيص عام 2026 ليكون «عام الأسرة»، يشكّل فرصة وطنية لإعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز الوعي المجتمعي بدور الأسرة في صناعة الإنسان المتوازن، القادر على الإسهام الإيجابي في مجتمعه.
وأكدت آمنة خميس الناخي، مؤسس ورئيس منصة «بذرة» للإرشاد الأكاديمي والمجتمعي والنفسي، أن الأسرة تشكّل النواة الأساسية لبناء مجتمع مستقر ومتوازن، مشيرة إلى أن التحدي الحقيقي في المرحلة الراهنة يتمثل في تحقيق التوازن بين الانفتاح على متغيرات العصر والحفاظ على الهوية والقيم الأسرية.
وقالت: إن الأسرة المعاصرة تواجه تحديات متشابكة، أبرزها تسارع نمط الحياة، وضغوط العمل، وتأثير التكنولوجيا، وتراجع جودة الحوار داخل الأسرة، مما انعكس على الاستقرار النفسي للأبناء، وقدرتهم على بناء علاقات صحية.
وأوضحت أن كثيراً من الأسر أصبحت حاضرة جسدياً وغائبة تواصلياً، في ظل الاعتماد المتزايد على الشاشات، وتداخل الأدوار الأسرية، وضعف الوعي التربوي في بعض المراحل الحساسة من عمر الأبناء، مؤكدة أن هذه التحديات تفتح الباب أمام مشكلات اجتماعية ونفسية قد تظهر في مراحل لاحقة.
وشددت الناخي على أن المبادرات الوطنية المرتبطة بـ«عام الأسرة» ستؤدي دوراً وقائياً بالغ الأهمية، يتجاوز المعالجة إلى بناء الوعي المسبق، من خلال نشر ثقافة التربية الواعية، وتعزيز مفهوم الأسرة كشراكة متكاملة، لا كمجموعة أدوار منفصلة، لافتة إلى أن المبادرات الأكثر تأثيراً هي تلك التي تلامس الواقع اليومي للأسرة، وتقدّم أدوات عملية قابلة للتطبيق. وأكدت الناخي أن الإرشاد الأسري والتوعية المجتمعية لم يعودا خياراً ثانوياً، بل ضرورة ملحّة في ظل تعقّد العلاقات الأسرية وتغيّر أنماط التربية، مشيرة إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص المحبة داخل الأسرة، بل في نقص الأدوات والمهارات اللازمة لإدارة الخلافات، والتواصل الفعّال مع الأبناء، وفهم احتياجاتهم النفسية والعمرية.
الانفتاح العالمي
من جانبه، أكد الأستاذ الدكتور عبداللطيف العزعزي، مستشار العلاقات الأسرية وتربية الأبناء، أن الانفتاح العالمي المتسارع والتطور التكنولوجي أفرزا تحديات تمس القيم والعادات والتقاليد، وأسهمت في دخول بعض السلوكيات الدخيلة التي قد تؤثر في أفراد الأسرة، خصوصاً في ظل غياب التوجيه الأسري السليم.
وأشار إلى أن المبادرات الوطنية تسهم في تعزيز مكانة الأسرة، ودعم استقرارها، وتمكينها من أداء دورها الأساسي في التربية والتنشئة السليمة، بما يحقق التماسك والترابط الأسري، ويشكّل خط دفاع وقائياً في مواجهة المشكلات الأسرية والاجتماعية.
وأوضح الدكتور العزعزي أن للإرشاد الأسري دوراً محورياً في توعية المجتمع، وتوضيح أدوار أفراد الأسرة، بما ينعكس على بناء مجتمع واعٍ، صحي الفكر، وقادر على إدارة الخلافات بأسلوب متوازن ومسؤول، مؤكداً أن دور المختصين خلال «عام الأسرة» يتمثل في توظيف خبراتهم العلمية والعملية عبر البرامج التدريبية، والندوات التثقيفية، والرسائل الإعلامية، إلى جانب الدراسات والأبحاث التي تواكب المستجدات وتقدّم حلولاً واقعية للتحديات الأسرية.
سياسات متكاملة
واعتمدت دولة الإمارات خلال السنوات الماضية، حزمة واسعة من السياسات والتشريعات التي تهدف إلى حماية الأسرة وتعزيز استقرارها، وفي مقدمتها السياسات الداعمة للزواج، وتمكين الوالدين، وحماية حقوق الطفل، وكبار المواطنين، وأصحاب الهمم.
كما شهدت منظومة التشريعات الأسرية تحديثات نوعية، شملت قوانين الأحوال الشخصية، وحماية الطفل، ومكافحة العنف الأسري، بما يوفر بيئة قانونية عادلة وآمنة لجميع أفراد الأسرة، مع الحفاظ على القيم المجتمعية والهوية الوطنية، ومواءمة هذه التشريعات لأفضل الممارسات الدولية.
الأسرة محور الاستقرار
واتسم عام 2025 بتكثيف غير مسبوق للسياسات المعنية بالأسرة في دولة الإمارات، حيث برزت باعتبارها أحد المحاور الاستراتيجية في منظومة الاستقرار الاجتماعي والتنمية الشاملة. ولم يقتصر هذا التوجه على إطلاق مبادرات آنية، بل تجلّى في إعادة هيكلة الأطر التنظيمية، وتطوير السياسات الاجتماعية والوقائية. ويكشف حصاد 2025 عن رؤية وطنية متقدمة، تعتبر الأسرة «محور الاستقرار والتنمية»، وأساس بناء مجتمع متماسك وقادر على مواكبة التحولات المستقبلية، من دون المساس بهويته وقيمه الأصيلة.
التغيرات المتسارعة
بدورها، أكدت شيخة سعيد الزحمي، أخصائي علاقات أسرية، أن الأسرة المعاصرة تواجه تحديات مركّبة فرضتها التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، مشيرة إلى أن ضغوط العمل، وتغيّر أنماط المعيشة، وتأثير الثورة الرقمية على جودة التواصل الأسري، إلى جانب تراجع الوقت النوعي الفعّال بين أفراد الأسرة، جميعها عوامل أسهمت في زيادة مستويات التوتر والخلافات داخل بعض الأسر.
وأوضحت أن مبادرات «عام الأسرة» تأتي في توقيت بالغ الأهمية، لما توفره من إطار وطني داعم يسلّط الضوء على هذه التحديات، ويدفع باتجاه دراستها ومعالجتها بصورة شمولية، من خلال تطوير السياسات والبرامج الوقائية، وتوسيع نطاق التوعية المجتمعية، ودعم المبادرات التي تعزّز التماسك والاستقرار الأسري على المدى الطويل.
وأضافت: أن «عام الأسرة» يسلّط الضوء على الدور المحوري للخبراء والمختصين في إعداد وتقديم محتوى مهني متخصص، والمشاركة في البرامج التدريبية والإعلامية، وتقديم الاستشارات الأسرية، بما يسهم في الوصول إلى شريحة أوسع من الأسر، وبناء ثقافة مجتمعية واعية بأهمية الإرشاد الأسري كأداة وقائية وتنموية، وليس فقط علاجية.
استراتيجية وزارة الأسرة
وتُعد استراتيجية وزارة الأسرة (2025–2027)، ركيزة للتنمية المستدامة، وأحد أبرز الأدوات التي تعتمدها الدولة لتنظيم العمل الحكومي في هذا المجال، حيث ترتكز على محاور رئيسة تشمل الاستقرار الأسري، وجودة الحياة، والتوازن بين العمل والحياة، والدعم الاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى تعزيز الصحة النفسية والجسدية لأفراد الأسرة.
وتسعى هذه الاستراتيجية إلى بناء منظومة دعم متكاملة، تشارك فيها الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لضمان تكامل الأدوار، واستدامة الأثر، وتحقيق نتائج ملموسة تنعكس مباشرة على حياة الأسر.
وتهدف الاستراتيجية إلى تعزيز الاستقرار الأسري، ورفع مستويات الرفاه، وتطوير منظومة متكاملة من السياسات والبرامج التي تستجيب للتحولات الاجتماعية والديموغرافية، وتدعم الأسرة في مختلف مراحلها، ضمن رؤية متوسطة المدى قابلة للقياس والتقييم.
عام المجتمع
وخلال عام 2025 الذي أعلنه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في يناير الماضي «عام المجتمع» تحت شعار «يداً بيد»، كانت الأسرة تمثل حجر الأساس في تماسك المجتمع، عبر دعم العلاقات بين الأجيال، وترسيخ القيم المشتركة، والحفاظ على الهوية الوطنية.
وشكّل «عام المجتمع» مظلة وطنية جامعة، أُدرجت ضمنها قضايا الأسرة على امتداد العام، سواء من خلال المبادرات المجتمعية، أو البرامج التوعوية، أو السياسات الداعمة للرفاه الاجتماعي.
الصحة والتعليم والابتكار
وتميّزت الجهود الإماراتية خلال 2025، بربط ملف الأسرة بشكل وثيق بخطط الصحة والتعليم والابتكار، إدراكاً لأهمية التكامل بين هذه القطاعات في بناء مستقبل مستدام للأسر.
وشمل ذلك تطوير خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي، وتعزيز دور الأسرة في العملية التعليمية، وتبني حلول ابتكارية لتحسين جودة الحياة، بما يعكس رؤية شمولية للأسرة بوصفها محوراً للتنمية البشرية.
عام الأسرة… رؤية للمستقبل
ويمثل عام 2026، منصة وطنية لتكثيف الجهود، وتوحيد المبادرات، وتعزيز الشراكات بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يرسّخ مكانة الأسرة كأولوية وطنية مستدامة.
ويؤكد إعلان «عام الأسرة» أن الأسرة في دولة الإمارات ليست مجرد مكوّن اجتماعي، بل ركيزة استراتيجية في مشروع التنمية الوطنية، وضمانة لمستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للأجيال القادمة.
أخبار متعلقة :