صنّاع محتوى ومؤثّرون: صناعة المحتوى مسؤولية أخلاقية وإنسانية

Advertisements

ابوظبي - سيف اليزيد - دينا جوني (دبي)

في زمنٍ بات فيه المحتوى الرقمي لاعباً أساسياً في تشكيل الوعي العام، جاءت قمة المليار متابع لتفتح نقاشاً جوهرياً حول مسؤولية صُنّاع المحتوى، والفارق بين ما يجمع المجتمعات وما يكرّس انقسامها. فشعار القمة «المحتوى الهادف» لم يكن عنواناً نظرياً، بل دعوة صريحة لإعادة التفكير في أثر الكلمة والصورة، خصوصاً في ظل ظروف إقليمية وعالمية دقيقة.
وخلال القمة، قدّم صنّاع محتوى ومؤثّرون، من بينهم طارق سكيك وأنطوني رحيّل وياسمين نصر، رؤى متقاطعة أكدت أن صناعة المحتوى لم تَعُد مجرّد نشاط رقمي، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية، حيث يمكن لـ«بوست» واحد أن يتحوّل إلى مساحة للتقارب والحوار، أو إلى أداة للاستقطاب والانقسام، تبعاً للوعي والنضج في الطرح.

وفي حديثه لـ «الاتحاد» عن قمة المليار متابع، قدّم طارق سكيك رؤية تتجاوز مفهوم صناعة المحتوى بوصفه نشاطاً رقمياً، لتضعه في إطار قيمي وأخلاقي أوسع، يقوم على فكرة «المحتوى الهادف»، وهو العنوان الذي رأى أنه عبّر بدقّة عن روح القمة ورسالتها.
وأشار سكيك إلى أن ما ميّز القمة، من وجهة نظره، هو طبيعة صنّاع المحتوى الذين اجتمعوا تحت مظلّتها، معتبراً أنهم يمثّلون نموذجاً إيجابياً للإنسان المعاصر، وقيمة مضافة للمشهد الرقمي العالمي. وقال إن ما شاهده خلال الفعاليات جعله يشعر بالفخر، لأن الغالبية الساحقة من المشاركين قدّموا محتوى يحمل نية الخير، ويسعى إلى التأثير الإيجابي، بعيداً عن الاستقطاب أو الإساءة أو الاستثمار في الخلافات.
ولفت إلى أن البشر، في جوهرهم، متشابهون إلى حدّ كبير، وأن ما يجمعهم يشكّل النسبة الأكبر من تجربتهم الإنسانية.
وتابع سكيك أن من المهم إعادة توجيه البوصلة نحو «الكأس الممتلئ»، عبر تسليط الضوء على ما يوحّد البشر لا ما يفرّقهم، مؤكداً أن صُنّاع المحتوى يمتلكون القدرة على إعادة تشكيل هذا الوعي إذا اختاروا التركيز على المشترك الإنساني بدلاً من تضخيم الفوارق.

بدورها، تؤكد ياسمين نصر أن صانع المحتوى لم يعد فرداً معزولاً خلف شاشة، بل أصبح فاعلاً اجتماعياً، حتى وإن لم يقصد ذلك. فـ«بوست» واحد، أو مقطع قصير، يمكن أن يُقرأ خارج سياقه الأصلي، ويُعاد تداوله بطريقة تغيّر معناه، ما يفرض على صانعي المحتوى التفكير مسبقاً في أثر كلماتهم وصورهم، لا في عدد الإعجابات فقط. وتشير إلى أن المحتوى الذي يجمع هو ذاك القادر على ملامسة القيم الإنسانية المشتركة، مثل التعاطف، والعدالة، واحترام الاختلاف.

أما أنطوني رحيّل، فتوقّف عند التحوّلات التي تشهدها صناعة المحتوى في ظل تصاعد النقاشات حول القوانين والتنظيمات المرتبطة بالنشر على المنصّات الرقمية، مؤكداً أن الإشكالية لا تكمن في وجود الضوابط بحدّ ذاتها، بل في غياب النضوج الكافي لدى شريحة من المستخدمين في التعامل مع هذه الحرية الواسعة.
وأوضح رحيّل أن الحديث عن المحتوى اليوم لا يمكن فصله عن مفهوم النضج والمسؤولية، لافتاً إلى أن سهولة الوصول إلى أدوات التصوير والنشر جعلت أي شخص قادراً، بكلفة بسيطة، على إنتاج محتوى وبثّه فوراً إلى العالم، من دون إدراك حقيقي لحجم الأثر الذي قد يخلّفه. وأضاف أن امتلاك الهاتف لا يعني بالضرورة امتلاك الوعي، متسائلاً عن مدى تفكير بعض صنّاع المحتوى في حجم الأذى الذي قد يسبّبه ما ينشرونه، سواء على الأفراد أو على النسيج المجتمعي.
وأشار إلى أن المشكلة تتفاقم مع وجود جمهور يصدّق المحتوى دون تمحيص، ويتأثر به، ثم يعيد تداوله أو يبني عليه أفكاراً ومواقف، ما يخلق حالة من الانجرار والانقسام بدلاً من الفهم والحوار. واعتبر أن هذا الواقع يفرض مسؤولية مضاعفة، ليس فقط على صانع المحتوى، بل على المنظومة ككل، بما فيها الجهات التنظيمية والمجتمعية. وفي هذا السياق، شدّد رحيّل على أن للدول دوراً محورياً في تنظيم فضاء الحرية الرقمية، بما يضمن حماية المجتمع من الأذى، من دون مصادرة الحق في التعبير. وأعرب عن تقديره للنهج الذي تتبعه دولة في هذا المجال، معتبراً أنه يوازن بين الحرية والمسؤولية، ويضع معايير تحفّز الوعي قبل الفعل، وتجعل صانع المحتوى يتوقّف لحظة ليسأل نفسه: هل أقبل أن يُمارَس هذا النوع من المحتوى عليّ كما أمارسه على الآخرين؟ وهل أُدرك حجم الضرر الذي قد يخلّفه ما أنشره؟

أخبار متعلقة :