ابوظبي - سيف اليزيد - طه حسيب (أبوظبي)
نظّم مركز تريندز للبحوث والاستشارات في مقره الرئيس بأبوظبي، حواراً استراتيجياً دولياً بعنوان «الحرب في الشرق الأوسط: التداعيات الإقليمية والدولية والمآلات المستقبلية»، بمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين من مراكز بحثية وجامعات ومؤسسات دولية وإقليمية.
وأكد المشاركون في الحوار ضرورة إنهاء التصعيد العسكري الراهن في المنطقة، وكبح ما ينجم عنه من تداعيات سياسية واقتصادية وإنسانية، وأوضحوا أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تمثل تحولاً بالغ الخطورة في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، محذرين من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى تداعيات واسعة، تتجاوز حدود المنطقة، لتطال استقرار الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، ومسارات التجارة الدولية.
وأجمع المشاركون على أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة صياغة لبنية النظام الإقليمي وتوازناته، مشيدين في الوقت ذاته بالقدرة العالية لدول الخليج على إدارة الأزمات، وحماية بنيتها التحتية الحيوية، وترسيخ مكانتها قوة إقليمية مستقرة قادرة على حماية مصالحها عبر منظومات دفاعية متكاملة ودبلوماسية شفافة.
وأشار حوار تريندز الاستراتيجي إلى أن تجنب توسع الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة، يمثل أولوية مُلحّة لدول المنطقة.
تعقيدات جيوسياسية
وخلال كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور محمد عبدالله العلي، الرئيس التنفيذي لمركز تريندز للبحوث والاستشارات، أن الحوار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تشهد منطقة الشرق الأوسط تطورات متسارعة تثير تساؤلات استراتيجية عميقة حول مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة، كما تثير مخاوف متزايدة من احتمال اتساع نطاق الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية أوسع، بما قد يحمله ذلك من تداعيات واسعة النطاق. وأوضح أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من التعقيد الجيوسياسي، وأن هذه الحوارات الفكرية منصة مهمة تجمع الخبراء وصناع الرأي لتحليل التطورات بعمق. وأضاف العلي: «إن الحوار يهدف إلى فهم الحسابات الاستراتيجية التي تحكم سلوك الأطراف الرئيسة في الصراع، وكيفية إدارة توازنات الردع في المنطقة، وتحليل التداعيات العالمية للأزمة، خاصة فيما يتعلق بأسواق الطاقة والاقتصاد الدولي وحركة التجارة العالمية، ومستقبل الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط».
اختبار مهم للعلاقات الاستراتيجية
وفي كلمتها الرئيسية دعت ناتالي جوليه، عضو مجلس الشيوخ الفرنسي عن نورماندي، إلى إنهاء التصعيد في أقرب وقت ممكن، فالأزمة الحالية تحمل مخاطر عسكرية واقتصادية وإنسانية كبيرة، ما يستدعي العمل على إيجاد حلول سريعة لإعادة الاستقرار والسلام إلى المنطقة. وأوضحت جوليه أن التصعيد العسكري وضع المنطقة في حالة بالغ الخطورة، يسودها عدم اليقين بشأن ما قد تؤول إليه الأحداث، خاصة في لحظة تعد اختباراً مهماً للعلاقات الاستراتيجية في المنطقة، وسلطت الضوء على عمق التعاون الدفاعي بين فرنسا ودول الخليج، خاصة دولة الإمارات العربية المتحدة.
الحسابات الاستراتيجية
تناولت الجلسة الأولى الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة والفاعلين الإقليميين الرئيسيين، التي تفسر طريقة تعاملهم مع التصعيد الراهن. وأدار الجلسة سلطان ماجد، الباحث الرئيسي، نائب رئيس قطاع تريندز في دبي، وشارك فيها: مايكل هانا، مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، وأليسون ماينور، مديرة برنامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، وبلال صعب، مدير مكتب تريندز في الولايات المتحدة.
وأوضح بلال صعب أن بعض التصريحات الصادرة عن الإدارة الأميركية توحي بأن الهدف النهائي للحملة العسكرية يتمثل في إضعاف النظام الإيراني، وربما إحداث تغيير فيه. ومع ذلك، لفت إلى وجود تباين في الرؤى بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول المدى الذي ينبغي أن تصل إليه العمليات العسكرية. وأوضح أن الهدف المشترك بين الطرفين يتمثل في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير، خصوصاً في مجالات الصواريخ والقدرات البحرية، إضافة إلى الحد من قدرة طهران على دعم حلفائها الإقليميين. كما أشار إلى أن إيران تسعى في المقابل إلى توسيع نطاق الصراع جغرافياً من خلال الاعتداء على مصالح دول المنطقة بالصواريخ والطائرات المسيَّرة، في محاولة لفرض كلفة اقتصادية وأمنية على خصومها.
4 أهداف أميركية
وأكدت أليسون ماينور أن الإدارة الأميركية تضع في اعتبارها التأثير الكبير للحرب على أسواق النفط العالمية، حيث يظل استقرار أسعار الطاقة عنصراً مهماً في الحسابات السياسية والاقتصادية في واشنطن، وأشارت إلى أربعة أهداف رئيسة للعملية العسكرية: تدمير القدرات البحرية الإيرانية، القضاء على الترسانة الصاروخية الإيرانية وتقليص قدرتها الإنتاجية، الحد من نشاط الجماعات الحليفة لإيران في المنطقة، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكن تحقيق بعض هذه الأهداف، خصوصاً ما يتعلق بالنفوذ الإقليمي لإيران وبرنامجها النووي، لن يكون ممكناً عبر العمليات الجوية وحدها، بل يتطلب مقاربة سياسية وأمنية أوسع.
وأشار مايكل هانا إلى ما اعتبره نقصاً في التخطيط الاستراتيجي، خاصة ما يتعلق بالاعتداءات الانتقامية الإيرانية أو التهديدات التي تواجه الملاحة في مضيق هرمز، وأنها لم تكن محسوبة بشكل كافٍ في التخطيط الأميركي الأولي للحملة. كما أكد أن التاريخ يثبت أن تغيير الأنظمة السياسية عبر الضربات الجوية يتطلب عمليات عسكرية برية واسعة، وهو ما لا يبدو مطروحاً في الوقت الحالي.
تداعيات اقتصادية
وسلطت الجلسة الثانية الضوء على الأبعاد الاقتصادية العالمية للتصعيد الراهن في المنطقة، وشارك في الجلسة: أليكس فاتانكا، زميل أول بمعهد الشرق الأوسط – الولايات المتحدة، وعمر العبيدلي، مدير الأبحاث في مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة، وكيرستن ديوان، باحثة أولى مقيمة في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، و«لي تشن سيم»، أستاذة مساعدة في الأمن الدولي والمدني بجامعة خليفة، وبنجامين ديفينس، خبير اقتصادي، مدير مكتب تريندز بجنوب أفريقيا، وأدارت الجلسة موزة حسن المرزوقي، باحثة رئيسية في مركز تريندز. واستنتجت الباحثة كيرستن ديوان أن أحد أهم مصادر القلق الاقتصادي في المرحلة الراهنة يتمثل في احتمال تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، مشيرةً إلى أن إغلاق المضيق أو تعطّل الملاحة فيه قد يربك إمدادات النفط العالمية، وحركة التجارة البحرية، والصناعات البتروكيماوية، وتجارة الأسمدة والمواد الكيميائية. كما لفتت إلى أن أي تعطّل طويل في الإمدادات سيؤدي إلى ضغوط تضخمية واسعة النطاق، وبينت أنه رغم هذه التحديات، أظهرت المؤشرات أن اقتصادات الخليج تتمتع بقدر من المرونة الاقتصادية، واستطاعت بعض الدول، مثل السعودية والإمارات، الاستفادة من مسارات بديلة لتصدير النفط عبر البحر الأحمر أو عبر ميناء الفجيرة.
أمن الطاقة والتحولات المحتملة
استنتجت الباحثة «لي تشن سيم» أن الدرس الأهم الذي تعززه الأزمات الحالية، يتمثل في تعزيز مفهوم أمن الطاقة الوطني، أي تطوير مزيج طاقي يضمن الاستقرار، ويقلل الاعتماد على الإمدادات الخارجية.
الأمر يتعلق بالسلع المرتبطة بالطاقة، مثل الأسمدة والمنتجات البتروكيماوية والمنتجات النفطية المكررة. وأوضح بنجامين ديفينس أن الدول النامية غير مستعدة للتعامل مع صدمات الطاقة طويلة الأمد. والاقتصاد العالمي كان قد تعرض بالفعل لضغوط كبيرة نتيجة الحروب التجارية، ومع ذلك، لا يزال الاقتصاد العالمي يحتفظ ببعض الزخم، إذ تشير التوقعات إلى إمكانية استمرار النمو الاقتصادي، وإنْ كان بوتيرة أقل.
سيناريوهات محتملة
طرحت الجلسة الثانية سيناريوهات محتملة لتطور الأزمة، أهمها:
احتواء الصراع: من خلال التوصل إلى نوع من التهدئة أو وقف إطلاق النار، ما قد يؤدي إلى تخفيف الضغوط على الأسواق العالمية.
حرب استنزاف طويلة: حيث يستمر الصراع دون حسم واضح، مع استمرار الضغوط الاقتصادية على المنطقة والعالم.
تصعيد إقليمي واسع: يؤدي إلى تعطّل إمدادات الطاقة العالمية وارتفاع حاد في أسعار النفط. وأشار بعض المشاركين إلى مفهوم «الجمود المؤلم المتبادل» في دراسات الصراع، حيث تصل الأطراف المتحاربة إلى مرحلة تصبح فيها كلفة الحرب مرتفعة للغاية، ما يدفعها في النهاية إلى البحث عن تسوية سياسية.
وخلال الجلسة الثالثة التي طرحت «وجهات نظر شرق أوسطية»، ركز المشاركون على تحليل الحسابات الاستراتيجية لدول الشرق الأوسط ، ناقشت الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام الحكومات والمؤسسات لإدارة الصراع، وتقليل فرص التصعيد، وتعزيز فرص التعاون الإقليمي.
شارك في الجلسة: عبدالجليل السعيد، مدير مركز الخليج الإسكندنافي للدراسات – السويد، والدكتور فهد الشليمي، رئيس منتدى الخليج للأمن والسلام – الكويت، والإمام محمد التوحيدي، مستشار شؤون مكافحة التطرف والإرهاب في تريندز، عضو إداري بالمجلس العالمي للأئمة – كندا، وفاطمة الرميثي، باحثة رئيسية في مركز تريندز، وأدار الجلسة حمد الحوسني، الباحث الرئيسي في المركز.
جاهزية دفاعية
أكد الدكتور فهد الشليمي، رئيس منتدى الخليج للأمن والسلام، أن دول الخليج العربية أثبتت جاهزيتها في مواجهة الاعتداءات الإيرانية، موجهاً التحية لرجال القوات المسلحة في الإمارات ودول الخليج العربية، حيث نجحت الإمارات في اعتراض وإسقاط ما يزيد على 95% من الصواريخ الباليستية الإيرانية والطائرات المسيَّرة، وهي نسبة عالية جداً بالمقاييس العالمية، ما يؤكد جاهزية الإمارات الدفاعية وقدرتها علي مواكبة التقنيات الدفاعية، بل وتطويرها لدرجة حازت إعجاب الدول المصدرة للسلاح.
القدرات العسكرية الإيرانية ومسار الحرب
أشار الدكتور فهد الشليمي إلى أن هنالك 11 ألف هدف في إيران ينبغي استهدافها، تعرضت 7 آلاف منها للقصف، الأمر الذي أدى إلى تراجع قدرة إيران على إطلاق الصواريخ من نحو 450 يومياً في البداية إلى نحو 40 فقط.
وأوضح أن إيران اعتمدت في استراتيجيتها العسكرية على الكثافة النارية عبر الصواريخ والطائرات المسيَّرة، إلا أن تحييد جزء كبير من هذه القدرات أدى إلى تقليص فعاليتها. وأكد أن دول الخليج لا تسعى إلى مواجهة عسكرية مع إيران، بل تفضل التعاون والاستقرار، لكن التهديدات الأمنية فرضت عليها تعزيز قدراتها الدفاعية. وأشار إلى أن دول الخليج قادرة على الصمود في حال استمرار التصعيد، نظراً للاستعدادات العسكرية والتنظيمية، إضافة إلى أهمية النظر إلى مفهوم الأمن بشكل شامل يشمل الأمن الاقتصادي والغذائي وأمن الطاقة.
مستقبل العلاقة
ركز عبدالجليل السعيد على مستقبل العلاقات الخليجية – الإيرانية في مرحلة ما بعد الحرب، مؤكداً أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة النظام السياسي الإيراني الذي يقوم على فكرة الصراع وإيجاد خصوم دائمين، وأشار إلى أهمية التحالفات الإقليمية والدولية، مستشهداً بالعلاقات الخليجية – الأوروبية، خاصة التعاون الدفاعي بين الإمارات وفرنسا، باعتباره نموذجاً لتحالفات استراتيجية فاعلة في دعم الاستقرار الإقليمي.
التحالفات الإقليمية
أكدت فاطمة الرميثي أن التصعيد العسكري سيؤدي إلى تحول استراتيجي يعيد تشكيل النظام الإقليمي بخرائط جديدة للتحالفات وأنماط مختلفة من التعاون بين الدول، وأهمية تعزيز التعاون الإقليمي في مجالات الأمن وتبادل المعلومات والإنذار المبكر، إضافةً إلى ضرورة الاستعداد لمرحلة ما بعد التصعيد من خلال سياسات استراتيجية طويلة المدى.
البعد الأيديولوجي
تناول الإمام محمد توحيدي البعد الفكري والسياسي للنظام الإيراني، مشيراً إلى أن نظرية ولاية الفقيه التي أعاد إحياءها آية الله الخميني تمثل الأساس الأيديولوجي للنظام السياسي في إيران، حيث تمنح السلطة الدينية والسياسية للمرشد الأعلى.
وأوضح أن هذه النظرية أضفت طابعاً دينياً على السلطة السياسية، وأدت إلى تسييس المؤسسات الدينية وتحويلها إلى أدوات للحكم.
كما أشار إلى أن المؤسسات الدينية في إيران، مثل الحوزات العلمية، أصبحت جزءاً من البنية السياسية للنظام، ما أسهم في تعقيد الأوضاع الداخلية.
مستقبل الأزمة والسيناريوهات المحتملة
اختتمت الجلسة بنقاش حول مستقبل الحرب في المنطقة، حيث أشار بعض المشاركين إلى احتمال تصاعد الجهود الدبلوماسية والوساطات الدولية خلال الفترة المقبلة، في حين رأى آخرون أن الضغوط السياسية والعسكرية قد تؤثر في مستقبل النظام الإيراني.
وأكد المشاركون أن المرحلة المقبلة ستشهد تغييرات في موازين القوى الإقليمية، مع أهمية تعزيز التعاون بين دول المنطقة وبناء منظومة أمنية أكثر تكاملاً، إلى جانب دور الإعلام في تعزيز الوعي الاستراتيجي ومواجهة التحديات الإقليمية.
أخبار متعلقة :