ابوظبي - سيف اليزيد - أبرز الأخبار
أسواق المال
علوم الدار
حماية الأطفال والمراهقين في البيئة الرقمية مسؤولية مشتركة
6 يوليو 2026 19:30
سامي عبد الرؤوف (أبوظبي)
أكد مختصون في الطب النفسي للأطفال والمراهقين، أن التوجه نحو تنظيم استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن الخامسة عشرة يمثل خطوة مهمة في دعم الصحة النفسية والنمائية للأطفال، مشيرين إلى أن هذه المرحلة العمرية تتسم باستمرار نمو مهارات التنظيم الانفعالي، وضبط الاندفاع، وتقدير المخاطر، وبناء الهوية، مما يجعل التوجيه والإشراف أكثر أهمية عند التعامل مع البيئة الرقمية.
وقالوا في تصريحات لـ«الاتحاد»: «يمثل قرار مجلس الوزراء بتنظيم وصول الأطفال دون سن 15 عاماً إلى منصات التواصل الاجتماعي، خطوة وطنية استباقية تنسجم مع نهج دولة الإمارات في حماية صحة الطفل ونموه المتكامل».
وشددوا على أن حماية الأطفال والمراهقين في البيئة الرقمية مسؤولية مشتركة تتطلب تعاوناً بين الجهات الحكومية، والمنصات التقنية، والمدارس، والأسر، والمهنيين الصحيين.
وأكدوا أن التحديد العمري ينبغي أن يترافق مع التوعية الأسرية، والتثقيف المدرسي حول السلامة الرقمية، وتعزيز مهارات النوم الصحي وتنظيم الوقت، والتعامل مع التنمر الإلكتروني، وبناء الثقة بالنفس، وتعليم الأطفال تدريجياً كيفية طلب المساعدة عند التعرض لمحتوى مؤذٍ أو ضغط نفسي عبر الإنترنت، بما يدعم انتقالاً أكثر أماناً وتدرجاً نحو الاستخدام المسؤول للتقنية.
وتفصيلاً، قالت الدكتورة نور المهيري، مدير إدارة الصحة النفسية في مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية: «حماية الطفل في البيئة الرقمية أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة الصحة العامة، والوقاية تبدأ قبل ظهور المشكلات النفسية والسلوكية». وأضافت: «يعكس القرار نموذجاً وطنياً متكاملاً لحماية الطفل، حيث تتكامل الأدوار بين الجهات الصحية والتنظيمية والتعليمية والإعلامية، إضافة إلى مسؤولية منصات التواصل الاجتماعي نفسها».
ولفتت إلى أنه بموجب القرار، أصبحت المنصات مطالبة بتطبيق وسائل موثوقة للتحقق من العمر، وتوفير بيئات رقمية أكثر أماناً، والحد من الخصائص عالية الخطورة، وتعزيز أدوات الرقابة الأسرية، وحماية بيانات الأطفال، بما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية في مجال سلامة الأطفال على الإنترنت.
وأشارت إلى أن هذا القرار يعزز الدور الوقائي في نشر الوعي المبني على الأدلة العلمية، ودعم الأسر ومقدمي الرعاية، وتعزيز الاكتشاف المبكر للمشكلات النفسية والسلوكية المرتبطة بالاستخدام غير الآمن أو غير المتوازن للمنصات الرقمية.
وذكرت المهيري أنه من منظور الصحة النفسية، فإن نجاح هذا التوجه لن يقاس فقط بمنع الوصول إلى المنصات، وإنما بمدى مساهمته في بناء ثقافة رقمية صحية، وتعزيز مرونة الأطفال النفسية، وتمكين الأسر، وتطوير بيئة رقمية أكثر أماناً تدعم النمو السليم للأجيال القادمة. وأوضحت أن التجارب الدولية تؤكد أن التنظيم التشريعي يكون أكثر فاعلية عندما يقترن بالتوعية المجتمعية، والتثقيف الرقمي، والمشاركة الفاعلة للأسر والمدارس، وتحمل المنصات الرقمية مسؤوليتها في تصميم بيئات أكثر أماناً للأطفال.
من جهته، تحدث الدكتور عمار البنا، مدير مستشفى الأمل للصحة النفسية بدبي، عن الصحة النفسية للأطفال في البيئة الرقمية، موضحاً أن الأدلة العلمية تشير إلى أن الاستخدام المبكر والمفرط وغير المنظم لمنصات التواصل الاجتماعي قد يرتبط بزيادة مخاطر اضطرابات النوم، والقلق، والاكتئاب، وضعف الانتباه والتركيز، وانخفاض النشاط البدني، والتعرض للتنمُّر الإلكتروني، والمحتوى غير المناسب للعمر، خاصة خلال المراحل المبكرة من نمو الدماغ.
وقال: «في المقابل، لا تشير الأدلة إلى أن التكنولوجيا بحد ذاتها ضارة، وإنما تعتمد آثارها على عمر الطفل، وطبيعة المحتوى، ومدة الاستخدام، ومستوى الإشراف الأسري وجودة تصميم المنصة».
وأضاف: «من هذا المنطلق، فإن تنظيم الوصول إلى المنصات في الأعمار الأصغر يعد إجراءً وقائياً يهدف إلى تقليل عوامل الخطر خلال مرحلة نمو حساسة، مع تمكين الأطفال من اكتساب المهارات الرقمية بصورة تدريجية وآمنة في المراحل العمرية اللاحقة».
وعن أهمية التوازن الرقمي كجزء من منظومة الصحة العامة، قال: «أصبحت الصحة الرقمية اليوم امتداداً لمفهوم الصحة الشاملة، فكما نحرص على التغذية السليمة، والنشاط البدني، والتطعيمات، وجودة النوم، أصبح من الضروري أيضاً تعزيز الاستخدام الصحي والمتوازن للتقنيات الرقمية».
وأكد أن القرار يعكس رؤية متقدمة تعتبر أن حماية الطفل لا تقتصر على الوقاية من الأمراض الجسدية، بل تشمل أيضاً حماية نموه النفسي والعاطفي والاجتماعي والمعرفي، وتعزيز جودة الحياة من خلال تحقيق توازن صحي بين العالم الرقمي والحياة الواقعية.
وشدد على ضرورة الدور الوقائي للأسرة في بناء السلوك الصحي، مشيراً إلى أنه على رغم أهمية الأطر التنظيمية، تبقى الأسرة الركيزة الأساسية في حماية الطفل، وتؤكد الدراسات أن الحوار المفتوح، ووضع قواعد واضحة ومناسبة للعمر، والمشاركة الإيجابية في الأنشطة الرقمية، والقدوة الحسنة من الوالدين، أكثر فاعلية من المنع وحده في بناء سلوك رقمي صحي ومستدام.
ونبّه إلى أنه ينبغي أن يقترن ذلك بتشجيع النشاط البدني، والقراءة، والتفاعل الاجتماعي المباشر، والالتزام بعادات نوم صحية، والحد من استخدام الشاشات قبل النوم. ويمنح القرار الأسرة دعماً تنظيمياً إضافياً، ولكنه لا يغني عن دورها المحوري في التربية والمتابعة.
بدورها، قالت الدكتورة ريم مضوي، رئيسة القسم، استشارية الطب النفسي للأطفال والمراهقين في مستشفى الأمل للصحة النفسية: «من منظور سريري، يحتاج الأطفال في هذه المرحلة العمرية إلى بيئة آمنة ومتوازنة تساعدهم على النوم المنتظم، والتعلم، وبناء العلاقات الواقعية، وتنمية مهاراتهم الاجتماعية والانفعالية».
وأضافت: «كما يحتاجون إلى مساحة كافية للّعب، والحركة، والتفاعل الأسري والاجتماعي المباشر، بما يدعم نموهم النفسي والمعرفي، وقد يسهم الحد من التعرض المبكر وغير المنظم لمنصات التواصل الاجتماعي في تقليل بعض الضغوط الرقمية التي قد تؤثر في هذه الجوانب، خصوصاً عندما يكون الاستخدام دون إشراف أو لا يتناسب مع مستوى النضج والمرحلة العمرية للطفل». وتابعت: «إن وجود إطار وطني واضح، يدعم الأسر ويمكّن الوالدين من وضع حدود صحية ومتوازنة لاستخدام المنصات الرقمية، بدل أن تتحمل كل أسرة هذا العبء بشكل منفرد».
من جانبه، أوضح الدكتور مشعل سلطان، مدير برنامج الزمالة، استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين في مستشفى الأمل للصحة النفسية، أن الأدلة البحثية الحديثة تشير إلى أن تأثير منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال والمراهقين يتأثر بعوامل عدة، من بينها العمر، ودرجة النضج، ونوعية المحتوى، وطبيعة التفاعل، ومدة الاستخدام، ومدى وجود إشراف أسري.
وقال: «المطلوب ليس رفض التقنية بمجملها، فالمنصات الرقمية قد توفر فرصاً إيجابية للتعلم، والإبداع، والتواصل، والحصول على المعلومات والدعم، متى استُخدمت بطريقة آمنة ومناسبة للعمر، ولكن المطلوب هو بناء استخدام رقمي أكثر أماناً وتدرجاً، يستند إلى التثقيف، ومهارات السلامة الرقمية، ودعم الوالدين والمدارس».
وأضاف: «من المهم الانتباه إلى مؤشرات قد ترتبط بالاستخدام غير المتوازن، مثل اضطراب النوم، والتنمر الإلكتروني، والمقارنات الاجتماعية، والانشغال أو القلق المتعلق بصورة الجسد، وانخفاض تقدير الذات، والاستخدام المفرط أو غير المتوازن للمنصات».
وأكد أن القرارات التنظيمية تكون أكثر فاعلية عندما تترافق مع توعية مجتمعية، وتدريب مهني، ورسائل تربوية واضحة.
الأكثر قراءة
آخر الأخبار
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©
أخبار متعلقة :