الرياص - اسماء السيد - "الخليج 365" من طهران: في سياق يبدو امتدادا لمسار بدأ خلال الولاية الأولى باغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، تقترب رئاسة دونالد ترامب مجددا من حافة مواجهة مباشرة مع إيران، وسط تصاعد التقديرات بشأن سيناريوهات التحرك الأميركي المحتمل.
وبحسب مجلة ذا ناشيونال إنترست، لا يُرجّح أن تستهدف أي حملة عسكرية محتملة تدميرا شاملا أو إسقاطا فوريا للدولة الإيرانية، إذ ترى واشنطن أن إنتاج دولة فاشلة أو فتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة لا يخدم مصالحها الاستراتيجية. ويفترض هذا التصور أن أي عمل عسكري أميركي سيقوم على ركيزتين أساسيتين: الإبقاء على قدرة إيران على الاستمرار كدولة قابلة للحكم بعد تغيير النظام، مع تفكيك نفوذ المؤسسة الدينية والحرس الثوري بصورة منهجية.
أما الهدف غير المعلن، فيكمن في إعادة السلطة تدريجيا إلى الشعب الإيراني، ومنحه فرصة تقرير مصيره ووضع حد للنظام الذي تأسس عام 1979.
السياسة من السماء
تستحضر المجلة مقارنة تاريخية مع عملية قوة الحلفاء التي أطلقها حلف شمال الأطلسي عام 1999 ضد صربيا، لوقف الانتهاكات في كوسوفو. فبعد 78 يوما من الحملة الجوية، اضطر الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش إلى الاستسلام وسحب قواته.
ورغم أن القوة الجوية لم تكن العامل الوحيد في الحسم، إلا أنها أدت دورا سياسيا ضاغطا عبر استهداف البنية الاقتصادية والتحتية للنخبة الحاكمة، وتعميق عزلة النظام دوليا، بما أوصل رسالة واضحة مفادها أن الهزيمة باتت مسألة وقت. وقد شكّلت كوسوفو نموذجا لاستخدام القوة الجوية كأداة ضمن حرب سياسية أوسع.
وفي هذا الإطار، تشير التقديرات إلى أن ترامب لا يفتقر إلى الخيارات العسكرية، حتى في غياب وجود دائم لحاملة طائرات أميركية في المنطقة خلال بعض الفترات. إذ تفيد تقارير بتحرك مجموعة حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن باتجاه الشرق الأوسط.
كما أظهرت الولايات المتحدة، في يونيو حزيران 2025، خلال عملية مطرقة منتصف الليل، قدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، حين انطلقت قاذفات بي-2 الشبحية من قاعدة وايتمان في ولاية ميسوري في مهمات استمرت أكثر من 36 ساعة، وقطعت مسافة تجاوزت 13 ألف ميل.
إلى جانب ذلك، يشكّل الوجود المفترض للغواصات الأميركية عنصر ردع إضافيا، لما يتيحه من إمكانية تنفيذ ضربات مفاجئة بصواريخ توماهوك. وعلى المستوى التكتيكي، شكّل استخدام إسرائيل لمقاتلات إف-35 الشبحية لاختراق الأجواء الإيرانية خلال حرب الأيام الاثني عشر سابقة لافتة، قد تمهد لاستخدام أميركي أوسع لمقاتلات إف-22 وإف-35. ومع ذلك، لا يُستبعد أن يفضّل ترامب انتظار اكتمال الحشد العسكري، بما في ذلك وصول حاملة الطائرات، قبل اتخاذ قراره النهائي.
معضلة الولاء العسكري
إذا اختار ترامب المسار العسكري، فإن الرسالة السياسية المصاحبة للحملة ستكون عاملا حاسما. ويقترح بعض الخبراء إعطاء الأولوية لاستهداف الحرس الثوري، مع تجنب الجيش النظامي قدر الإمكان، بهدف تعميق الفجوة بين المؤسستين.
ويُنظر إلى الحرس الثوري باعتباره أداة لحماية النخبة الدينية في مواجهة المجتمع، في حين يمكن مخاطبة الجيش النظامي بوصفه مؤسسة وطنية يفترض أن تضطلع بحماية الشعب. ولهذا التمييز جذور تاريخية تعود إلى عام 1979، حين أعلن الجيش حياده، غير أن القيادة الثورية شككت في ولائه، وطهّرت صفوفه، ثم عززت مكانة المليشيات الموالية للخميني، التي تطورت لاحقا إلى الحرس الثوري، لضمان السيطرة ومنع الانقلابات، وفق المجلة الأميركية.
ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الشك إلى تنافس مؤسسي راسخ بين جيش مهمته الدفاع عن الحدود، وحرس ثوري مكلف بالضبط الأيديولوجي وحماية النظام.
نافذة العمل وحدود الانتظار
كما في حالة كوسوفو، يقع أي تحرك عسكري ضد إيران ضمن منطقة قانونية رمادية، تستند إلى فرضية أن الدولة تفقد جزءا من حقوقها السيادية عندما تمارس القتل المنهجي بحق مواطنيها. ورغم الجدل المستمر حول شرعية هذا النهج، يحذّر التاريخ من كلفة التردد.
فقد أقرّ الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما لاحقا بأن عدم دعم الحركة الخضراء عام 2009 كان خطأ استراتيجيا، أتاح للنظام إعادة ترسيخ قبضته. واليوم، تبدو إيران، في أعقاب حرب الأيام الاثني عشر، أكثر انكشافا من أي وقت مضى، رغم احتفاظها بقدرات صاروخية باليستية معتبرة، واستمرار استفادتها من الدعم الصيني، فضلا عن دراستها تطوير صواريخ عابرة للقارات.
في المقابل، لا تخلو الخيارات الأميركية من مخاطر جسيمة، إذ إن حملة محدودة تفتقر إلى هدف سياسي واضح قد تترك إيران مثخنة بالجراح لكنها أكثر عدوانية، مع احتمال اتساع رقعة الصراع إقليميا.
أي مستقبل لإيران؟
لم يعد السؤال المطروح يدور حول ما إذا كان التغيير سيأتي، بل متى وكيف. فالمرشد الأعلى علي خامنئي بلغ 86 عاما، ولا يبرز في الأفق خليفة يمتلك سلطة مماثلة.
وترى المجلة أن فشل الانتفاضة الحالية قد يقود إيران نحو ديكتاتورية عسكرية يقودها الحرس الثوري، فيما يتمثل البديل الآخر في فتح نافذة، وإن كانت محفوفة بالمخاطر، تعيد البلاد إلى شعبها. وتخلص إلى أن الطريق لن يكون سهلا أو مضمونا، لكن القرار الذي سيتخذ في المرحلة المقبلة سيحدد ما إذا كانت إيران ستُترك لتنزلق نحو مزيد من العسكرة، أم ستُمنح فرصة تاريخية لإعادة صياغة مستقبلها.
أخبار متعلقة :