من أزقة الحلوى التي غابت ملامحها في نيبوري، مرورًا بشوارع الباتشينكو المتوهجة بأضواء النيون في نيشي-نيبوري، وصولًا إلى الأراضي المرتفعة الهادئة في تاباتا، تكشف هذه النزهة القصيرة عن مدينة لا تكفّ عن تبديل قشورها. مدينة تتغير باستمرار، لكنها لا تعرف السكون أبدًا؛ إذ يظل نبضها حيًا، يخفق اليوم بالقوة نفسها التي خفق بها في الماضي.
سحرٌ آسر في شمال شرق يامانوتي
تبدأ جولتنا من الطرف الشمالي لمحطة نيبوري، عند جسر شيمو-غويندين، الذي يُعرف بين عشاق السكك الحديدية بلقب «متحف القطارات الحي». يمتد الجسر كمنصة مشاهدة فوق شرايين المدينة الصاخبة، ويكفي أن تقف عليه لبضع دقائق لتشهد عرضًا نادرًا للحركة الدائمة في طوكيو. فعلى أكثر من اثني عشر مسارًا، تمرّ أمام ناظريك مختلف أنواع القطارات: قطارات خطي يامانوتي وكيهين–توهوكو، وخط تاكاساكي المتجه شمالًا نحو الريف المفتوح، وقطار كيسي سكايلانر الأنيق وهو يشق طريقه بسرعة نحو مطار ناريتا، ثم المشهد الأشد إثارة حين يمرّ قطار الشينكانسن فائق السرعة أسفل قدميك مباشرة. ويُقال إن هذا الموقع هو الوحيد في طوكيو الذي يتيح مشاهدة الشينكانسن من الأعلى.
وفي عطلات نهاية الأسبوع، يتحول الجسر إلى نقطة تجمع نابضة بالحياة، حيث يصطف هواة التصوير وعشاق القطارات، وتتنزّه العائلات برفقة أطفالها، في مشهد يجمع بين الفضول والدهشة. ويعبر هذا المكان ما يقرب من 2500 قطار يوميًا، في تدفّق لا ينقطع من الفولاذ والحركة، يجسّد إيقاع المدينة وتسارعها الدائم.
محطات خط يامانوتي الثلاثين. (© بيكستا)
أُغمض عينيّ محاولًا أن أنسى خطوط السكك الحديدية والمباني المحيطة، وأن أتجاهل الضجيج المتواصل، وأستحضر في مخيلتي صورة المكان كما كان في عصر إيدو. خلف نيبوري ونيشي-نيبوري، كانت تمتد آنذاك الأراضي المنخفضة لمستنقعات أراكاوا، مشهد طبيعي يتكوّن من أحواض القصب وحقول الأرز، تتخلله مياه نهر أراكاوا المتقلبة، النهر الرئيسي الذي يشق هذا السهل الواسع. قبل ثلاثة أو أربعة قرون، كانت هذه المنطقة تزخر بالحياة البرية، موطنًا لطيور الكركي ذات التاج الأحمر والكركي، وهي تسير في المياه الضحلة بهدوء وأناقة.
كانت هذه الطيور، رمز طول العمر والحظ السعيد في الثقافة اليابانية، تُصطاد أحيانًا لتزيّن موائد النخبة، وتظهر في ولائم الكايسيكي والمناسبات الرسمية. ورغم أن تلك الأراضي الرطبة قد اختفت منذ زمن بعيد بفعل مشاريع السيطرة على الفيضانات والتوسع العمراني، فإن صدى ذلك العالم المائي لم يتلاشَ تمامًا. ما زالت آثاره حاضرة في أسماء الأماكن القديمة، وفي الحكايات المتناقلة محليًا، وربما في الذاكرة الباهتة لصورة الكركي وهي تحلّق فوق الحقول.
تعني كلمة نيبوري، في إحدى ترجماتها المحتملة، «قرية الغروب»، وفي أخرى «حياة القرية يومًا بيوم»، وهما تسميتان رقيقتان توحيان بالهدوء والسكينة. غير أن الوقوف هنا اليوم، وسط الأبراج الشاهقة وخطوط السكك الحديدية المتشابكة، يجعل من الصعب تصوّر أن قرية كهذه وُجدت يومًا في هذا المكان. فالجانب الشرقي من نيبوري تهيمن عليه الآن أسطح المباني الصلبة، باللونين الرمادي والأسود، وإسفلت الطرق الممتد بلا انقطاع. ويطغى على المشهد إحساس بالقسوة والجمود، وبيئة حضرية لا شخصية، لا يخفف حدّتها سوى حلول الليل، حين تغمر الظلمة المدينة وتشتعل الإعلانات المضيئة، لتعيد رسم ملامح طوكيو الحديثة بتدخلها الصاخب.
وتعلو محطة نيبوري–تونيري لاينر، المصنوعة كليًا من الزجاج والخرسانة، فوق محطة الحافلات ومواقف سيارات الأجرة، مضيفة لمسة مستقبلية خافتة إلى مشهد الضواحي الهادئ. وقد صُمّم هذا النظام الآلي للنقل، الذي يستخدم عربات مشابهة لتلك العاملة على خط يوريكامومي في شينباشي، بهدف تحسين الوصول إلى المناطق الشمالية الشرقية من طوكيو، التي عانت طويلًا من نقص خدمات السكك الحديدية، ليشكّل حلقة جديدة في سلسلة التحولات المستمرة التي يشهدها هذا الجزء من المدينة.
في نيپّوري التي تبدو جديدة المظهر، ترتفع الأبراج الشاهقة خلف محطة خط نيپّوري–تونيري.(© غياني سيمون)
كجزء من مشروع إعادة تطوير منطقة المحطة، أُنشئت ثلاثة مبانٍ شاهقة أعادت رسم أفق نيبوري بالكامل. يتقدّمها برج «ستيشن غاردن» المؤلف من أربعين طابقًا، الذي اكتمل بناؤه عام 2008 بالتزامن مع تحديث البنية الحديدية، إلى جانب برجين آخرين شكّلا معًا نواة حضرية جديدة متعددة الوظائف. وقد مثّلت هذه الأبراج انعطافة واضحة في الطابع المعماري للمنطقة، مجسِّدة نموذج «الاستخدام المختلط» الذي يجمع بين السكن والتجارة ومرافق النقل، وهو نموذج انتشر سريعًا في مختلف أنحاء طوكيو. غير أن هذا التحوّل جاء على حساب الكثير من ملامح حقبة شووا، التي تلاشت تدريجيًا من المشهد.
التغير عبر الزمن
حتى وقت قريب، لم تكن نيبوري تبدو فحسب، بل كانت تُشعِر سكانها بروح «شيتاماتشي» الأصيلة. ففي قلبها كان يقع «داغاشيا يوكوتشو»، زقاق متاجر الحلوى الشهير، وهو متاهة صاخبة من الأزقة الضيقة التي تصطف على جانبيها محال بيع الحلوى والألعاب بالجملة. نشأ هذا المكان كسوق نابض بالحياة في السنوات الأولى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، واكتسب ملامحه مع تعافي الاقتصاد الياباني. كانت البيوت الخشبية المتلاصقة تحيط بالممرات، وبحلول عام 1954، كانت الأزقة تعج بأكثر من مئة متجر.
وقد جعل الموقع الاستراتيجي لنيبوري منها نقطة مثالية للتجارة؛ إذ كان وصول البضائع من محافظتي تشيبا وإيباراكي سهلًا، كما شكّلت المحطة نفسها ملتقى طبيعيًا للحركة والتنقل. وفي تلك السنوات القاسية التي أعقبت الحرب، كان الأطفال يتدفقون إلى الزقاق وهم يقبضون على نقودهم القليلة، تنجذب أنظارهم إلى أغلفة الداغاشي الزاهية وروائح السكر الحلوة — حلويات زهيدة الثمن، لكنها كانت تمنح لحظات من الفرح وسط شحّ الحياة اليومية.
منتجات داغاشي.(© بيكستا)
لكن مع ازدهار اليابان وتغيّر أنماط الاستهلاك، بدأت الأذواق تميل تدريجيًا نحو الحلويات الغربية، فتراجعت شعبية الداغاشي، وحلّت المتاجر الصغيرة وصالات ألعاب الفيديو محل أزقة الحلوى بوصفها ملاذًا للأطفال. ومع مرور الوقت، أخذ عدد تجّار الجملة في التناقص السريع، لا سيما في عام 2004 حين أُخليت المنطقة تمهيدًا لمشروع إعادة التطوير. وعندما زرت المكان، لم يبقَ سوى متجر واحد فقط، هو «أويا شوتين»، الذي انتقل اليوم إلى داخل برج ستيشن غاردن. خرجت منه بحقيبة تحمل بقايا ذاكرة الطفولة: «بيبي ستار رامين» المقرمش بنكهة الدجاج، و«موروكو فروت يوغول» بنكهته الخفيفة التي تذكّر بالزبادي، و«فوشيغي نا غومي»، تلك الحلوى الغامضة التي يتبدّل طعمها عند مزج ألوانها.
ولا تفصل بين محطتي نيبوري ونيشي-نيبوري سوى مسافة 500 متر، وهي الأقصر على خط يامانوتي، يمكن قطعها سيرًا في نحو سبع دقائق، ما لم يستسلم المرء لفضول الاستكشاف ويتوغل في الأزقة الخلفية المتشابكة قرب الجسر. فعلى الرغم من أن نيبوري تبدو اليوم ثمرة إعادة تطوير حديثة، فإن المشهد يبدأ في التغيّر تدريجيًا كلما اتجهنا شمالًا نحو نيشي-نيبوري. هناك، تظهر أكشاك الوجبات الخفيفة، والحانات الصغيرة، والمباني القديمة التي أنهكها الزمن، حتى إن بعض الزوايا توحي وكأنها قطعة مقتطعة من جدار برلين، وإن كان ذلك، على الأرجح، مجرد وهم صنعه الخيال.
الجدار الذي يحمل شيئاً من من أجواء برلين إبّان حقبة الحرب الباردة، يقع بين نيپّوري ونيشي نيپّوري (© غياني سيموني)
في زاوية أحد الشوارع، صادفتُ مبنىً رماديًا مُتهالكًا بعض الشيء، بداخله متجر صغير غريب يُدعى ”متجر TUC“، ولافتته الصفراء تبرز كعلامة تعجب مُبهجة على خلفية الخرسانة. لم يتطلب الأمر مني سوى بحث سريع على الإنترنت لحل اللغز. واصلتُ سيري، وكما توقعت، وجدتُ صالة ألعاب باتشينكو على بُعد 50 مترًا. صالة الباتشينكو عبارة عن صالة ألعاب صاخبة مُضاءة بأضواء النيون، مليئة بآلات عمودية تُشبه آلات البينبول، حيث يُطلق اللاعبون كرات فضية على أمل ربح المزيد - والتي غالبًا ما تُستبدل بجوائز أو رموز. إنها مزيج من اللعبة والطقوس، وساحرة تمامًا.
حينما ترى واحدًا من هذه الأماكن، يمكنك أن تجزم بأن صالة باتشينكو تختبئ في الجوار.(© غياني سيموني)
تنتشر متاجر TUC، أو «متاجر طوكيو يونيون سيركيوليشن»، بهدوء قرب صالات الباتشينكو، وتبدو للوهلة الأولى أكشاك عادية لا تلفت الانتباه. غير أن هذه المتاجر تؤدي دورًا محوريًا في آلية فريدة تنظّم صناعة الباتشينكو في اليابان. فبموجب قوانين المقامرة، لا يُسمح لصالات الباتشينكو بدفع النقود مباشرة للاعبين، ولذلك يحصل الفائزون بدلًا من ذلك على جوائز صغيرة. ويمكن لاحقًا استبدال هذه الجوائز بنقود في متاجر TUC القريبة.
ويُعرف هذا الترتيب باسم «نظام المتاجر الثلاثة»، وهو نظام يحافظ على الفصل القانوني بين المقامرة والدفع النقدي عبر ثلاثة أطراف مستقلة. إذ يبيع اللاعب الجائزة لمتجر TUC، ثم يقوم تاجر جملة بشرائها من المتجر وإعادة بيعها بدوره إلى صالة الباتشينكو، لتكتمل بذلك دائرة التداول من دون خرق مباشر للقانون. وبهذه الطريقة، تؤدي متاجر TUC، رغم مظهرها المتواضع والخفي، دورًا أساسيًا في استمرار صناعة الباتشينكو ضمن الإطار القانوني القائم.
بعيدًا عن قلب طوكيو المتلألئ
بعد عبور خط السكة الحديدية المنحني عند معبر جوبان، أسير بمحاذاة الجسر، قبل أن يجذب انتباهي مشهدٌ في أحد الشوارع الجانبية القريبة. هناك، تصطف فنادق المواعدة، ومراكز التدليك، والحانات، والنوادي الليلية في مزيجٍ كثيف من العناوين والإشارات. في أحد المباني، تتجاور غرفة كاريوكي خاصة للإيجار مع مطعم ياباني من نوع «إيزاكايا» يقدّم أطباقًا مشوية، وفوقهما أو بجوارهما تمتد مجموعة من أماكن السهر بأسماء لافتة مثل نيو دايموند، وأمبيشوس، وبيكاسو، وديرز، وهي أسماء اعتدت رؤيتها تتبدل سريعًا مع تغيّر المُلّاك. يبدو المكان وكأنه مصمَّم لإشباع كل رغبة محتملة، بلا تمييز.
أما المنطقة الواقعة أمام محطة نيشي-نيبوري فتبدو كعقدة حضرية مكتظة، تتشابك فيها خطوط القطارات المرتفعة مع ممرات المشاة، فيما تتقاطع حركة السيارات من 4 اتجاهات. تتدفق الحافلات وسيارات الأجرة وشاحنات التوصيل بلا توقف، لتلتقي جميعها في دوامة بنيوية قاسية، فوضوية بصريًا، ولا تعرف التمهّل. إنها صورة للحياة الحضرية في أقسى تجلياتها، صاخبة إلى حدّ يرهق السمع ويثقل الصدر، ومع ذلك لا تخلو من جمالٍ غريب. فالمشهد بأكمله يبدو كأنه رسمٌ حيّ لعملية أيضٍ حضري كثيف، عنيد، وفعّال بوحشية، لا يمكن إلا أن يكون من سمات طوكيو.
شمال نيشي-نيبوري، تتلاشى مظاهر البريق تمامًا. تزداد المنازل قِدمًا، بشرفاتها المنحنية وأطباق الأقمار الصناعية المتشبثة بدرابزينات صدئة. تتسلل المستودعات والمصانع الصغيرة بين قطع الأراضي السكنية، وتظهر على واجهاتها أسماء شركات باهتة وسلالم خارجية متعرجة تشبه رسومات حضرية عفوية. تمتد مستودعات الشاحنات إلى الشوارع الضيقة، وتُكدَّس حاويات القمامة الزرقاء خلف الأسوار الشبكية، فيما تلتف أنابيب المرافق على الجدران كأوردة مكشوفة. تتكاثر خطوط السكك الحديدية قبل أن تتلاشى في الضباب الصناعي وهي تمضي نحو الضواحي البعيدة. إنها منطقة عمل وتآكل بطيء، تتخللها تفاصيل غريبة ذات سحر خاص، كصندوق زجاجي صغير مليء بالتماثيل يقف أمام أحد المنازل كضريحٍ منزلي وسط الأوساخ. يبدو الحي أقل عناية، لكنه أكثر حياة، وسحره نابع من عفويته وعدم تكلّفه.
وسط صرامة المشهد الحضري، تبرز أحيانًا زوايا غريبة ومبهجة، كصندوق زجاجي يضم تماثيل صغيرة أمام منزل.© غياني سيموني)
آخر 500 متر من مسيرتي كانت صعودًا بطيئًا ومتدرّجًا نحو محطة تاباتا. تقع المحطة على حافة هضبة هونغو، حيث تبدأ الأحياء المرتفعة في كوماغومي وسوغامو بالتلاشي تدريجيًا، لتندمج بهدوء مع سهول نيبوري. يتغيّر منسوب المدينة هنا على نحو يكاد لا يُلحظ، ومع ذلك فإن الجسد يشعر به فورًا: المنحدر المستقيم يشدّ الساقين، وقضبان السكة الحديدية على اليسار تبدو وكأنها تضيق شيئًا فشيئًا كلما تقدّمت. يتسلل إلى داخلي ذلك الإحساس المألوف بعبور المجهول، رغم قربه. فالجزء الشمالي من خط يامانوتي يمرّ عبر مساحات من طوكيو لا تزال، بالنسبة إليّ، خارج خريطة الألفة. مدينة أعرفها جيدًا، لكنها هنا تكشف عن طبقة أخرى منها، أقل استهلاكًا، وأكثر غموضًا.
(النص الأصلي باللغة الإنكليزية. صورة العنوان الرئيسي: من ضريح سوا، حيث يتجلى مشهد آخر رائع لحركة القطارات في أرجاء نيپّوري. © غياني سيموني)
كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | جانب آخر من طوكيو: ما الذي تخفيه المسافة بين نيبوري وتاباتا؟ لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
أخبار متعلقة :