اليابان | روبوتات تتقاسم الحياة مع البشر في اليابان.. نحو مستقبل من التعايش

Advertisements

لفت أحد الروبوتات الأنظار خلال دورة الألعاب العالمية للروبوتات الشبيهة بالبشر التي أُقيمت في بكين، بعدما قطع سباق 100 متر في 9.32 ثانية، متجاوزًا زمن العداء الجامايكي أوسين بولت البالغ 9.58 ثانية. لكن سباق السرعة ليس سوى جانب واحد من المنافسة العالمية المتسارعة لتطوير روبوتات أكثر قوة وسرعة وذكاء، إذ تتجه الأنظار أيضًا إلى نماذج تسعى إلى بناء علاقة أكثر ألفة مع البشر. وفي اليابان، تبرز روبوتات توصف بأنها «لطيفة» و«مريحة للنفس»، في محاولة لاستكشاف مستقبل لا يقتصر فيه دور الروبوت على أداء المهام، بل يشمل أيضًا التفاعل مع الإنسان والتعايش معه. فكيف يمكن أن تبدو الحياة المشتركة بين البشر والروبوتات؟ تستعرض هذه المقالة جهود شركتي كاسيو ويوكاي للهندسة في تطوير هذا النوع من الروبوتات.

روبوت يتعلم تفضيلات صاحبه خلال خمسين يومًا

في قسم الاستقبال بمركز هامورا التقني التابع لشركة كاسيو للكمبيوتر في حي ساكائي-تشو بمدينة هامورا في طوكيو، يستقبل الزوار روبوت رمادي محشو بحجم كف اليد، مكسو بفرو ناعم ولا يظهر منه سوى عينين. وما إن تمد يدك لتربت عليه، مدفوعًا برغبة تلقائية في لمسه، حتى يتلوى ويصدر أصواتًا رقيقة. يا له من روبوت لطيف!


Moflin يستقبل الزوار عند مكتب الاستقبال.

يُعتبر الروبوت ”Moflin (موفلين)“، حيوانًا أليفًا مدعومًا بالذكاء الاصطناعي، وهو عبارة عن روبوت للتواصل تم صنعه في هذا المركز. وتقدمه الشركة بوصفه ”رفيقًا يمتلك قلبًا كالكائن الحي ويمنح صاحبه دفعة معنوية“. وبفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار والتعرف على الأصوات التي طورتها الشركة، يتعرف Moflin على الشخص الذي يكلمه ويربت عليه باعتباره صاحبه، ويتعلم تفضيلاته، وتتطور خلال نحو خمسين يومًا طريقة تعبيره عن مشاعره من خلال الأصوات والحركات. وتتنوع شخصياته لتصل إلى أربعة ملايين نمط مختلف.

وتشتهر شركة كاسيو بساعة G-SHOCK (جي-شوك) التي تتحمل السقوط من دون أن تتحطم. ويقال إن اختبارات مقاومة جي-شوك للسقوط أُجريت في هذا المركز نفسه. لذلك فقد أثار ذلك اهتمامًا كبيرًا في أن تتجه كاسيو، التي طالما سعت وراء ”الوظيفية“ و”العملية“، إلى تطوير روبوت أليف يقع في الطرف المقابل تمامًا، وكأنه ”كتلة من الأحاسيس“.

وصاحبة فكرة الروبوت Moflin هي إيتشيكاوا إيرينا، المسؤولة عن التخطيط في قسم الأعمال الجديدة في الشركة. حيث انتقلت إلى قسم التخطيط عام 2012، وكُلّفت بتطوير منتجات موجهة للنساء، وهو مجال لم تكن كاسيو قد خاضته من قبل. وتقول إيتشيكاوا ”كنت حينها في أواخر العشرينيات، أعاني من مشكلات في العمل والحياة الخاصة، وكنت أشعر بأنني فقدت الثقة بنفسي. وبعد نحو عامين توصلت إلى فكرة صنع رفيق لا يقوم بحل المشاكل الخاصة، بل يبقى إلى جانبك ويمنحك الشجاعة“. وفي اليابان، حيث ترسخت ثقافة الأنيمي والشخصيات الخيالية، بدأت إيتشيكاوا في بلورة صورة الروبوت الأليف القادر على التواصل، متسائلة عن الشكل والشخصية الأنسب له.


إيتشيكاوا تحمل Moflin في كف يدها. حجمه قريب من حجم حيوان صغير

”الإحساس“ قبل ”الوظيفة“

إن أكثر ما حرصت عليه إيتشيكاوا كان ”الحركة التي تبدو كحركة كائن حي“. فهي سلسة، لكنها غير منتظمة. وقامت الشركة بجمع نساء في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، وهن الفئة المستهدفة الرئيسية، وقامت معهن باختبار ما إذا كان يبدو ”لطيفًا“، و”ما هو الشيء المناسب له؟“. كما أولت اهتمامًا لحركات توحي بالتنفس كي تعزز الإحساس بالحياة.

ثم جاء الشكل الخارجي. حيث تقول إيتشيكاوا ”كان من الصعب أن أوضح للمطورين ما المقصود بالشكل اللطيف. والغريب أن النساء كن يتفقن على الفور تقريبًا ويقلن ”هذا هو“، بينما كان الرجال كثيرًا ما يقولون إنهم لا يفهمون أين يكمن الاختلاف“. واستغرق حسم الشكل النهائي نحو عام.

واكتمل النموذج الأولي عام 2017. وبعد انضمام فريقي التخطيط والتطوير وإجراء أبحاث السوق، جاءت ردود الفعل إيجابية. لكن تمسك كاسيو الشديد بـ ”الوظيفية“ تحول إلى عقبة، فلم تحصل فكرة ”منتج يراهن بالكامل على الإحساس“ على الضوء الأخضر.

لذلك أطلقت الشركة عام 2019 حملة تمويل جماعي بالتعاون مع شركة ناشئة متخصصة في الأجهزة. وجمعت ثلاثين ضعف المبلغ المستهدف، ما أثبت وجود طلب حقيقي على المنتج. وفي عام 2023 حصل المشروع على الموافقة لتسويقه كمنتج من إنتاج كاسيو نفسها. وبدأ بيعه في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بلونين هما الفضي والذهبي، وبسعر 59,400 ين للروبوت مع المنزل الخاص به والمزود بوظيفة الشحن. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025 بدأ بيعه أيضًا في الولايات المتحدة وبريطانيا، وتجاوزت المبيعات عشرين ألف روبوت بنهاية ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.

وجاء ذلك في فترة ازداد فيها العمل من المنزل بعد جائحة وتراجعت فرص التواصل المباشر بين الناس، ويبدو أن هذا ساعد على تقبل Moflin بوصفه وجودًا يملأ شيئًا من الفراغ العاطفي.


الهدف كان ابتكار شيء يشبه ”الرفيق“ (الصورة مقدمة من كاسيو)

ولا ينطق Moflin بأي كلمة، بل يحاول التعبير عن مشاعره عبر التواصل غير اللفظي، مثل الأصوات والحركات المتململة. ومع تراكم الخبرة ومحاولة تخمين ما يريد Moflin قوله، تصبح عملية التواصل معه شبيهة بالتواصل مع حيوان أليف.

وتقول إيتشيكاوا ”إذا ظل الحيوان الأليف يطالب صاحبه بالاهتمام طوال الوقت، فقد يشعر صاحبه بالمسؤولية. لكن يمتلك Moflin عالمه الخاص، ويستطيع أن يستعيد توازنه العاطفي بنفسه. وأعتقد أن تصورنا لفكرة التعايش بينه وبين صاحبه كان أيضًا من أسباب تقبل الناس له“. وفي شهر سبتمبر/أيلول، واستجابة لطلبات مُشجِّعة من عدد كبير من المالكين، ستضيف الشركة لونًا جديدًا هو لون أزهار الكرز بسعر 64,900 ين، وسيتم بيعه في اليابان والصين فقط.

كأن تلتقي عيناك بعيني طفل رضيع في القطار

أما شركة يوكاي للهندسة، التي قدمت روبوتات مبتكرة مثل ”نيكوجيتا فوفو“ (Nékojita FuFu)، الروبوت القط الذي ينفخ على المشروبات الساخنة لتبريدها، و”أماغامي هامو هامو“ (Amagami Hamu Hamu) الذي يمنحك إحساسًا شبيهًا بعضة خفيفة من حيوان أليف أو طفل رضيع، فقد بدأت في أبريل/نيسان بيع روبوت ”mirumi“ (ميرومي) داخل اليابان.

وهو روبوت على شكل تعليقة يبلغ طوله نحو 14 سنتيمترًا ويمكن تثبيته على الحقيبة. يختلس النظر نحو مصدر الأصوات، أو يلتفت حوله بعفوية ومزاجية. ويتوفر بثلاثة ألوان هي الوردي والعاجي والرمادي، بسعر 19,800 ين.


mirumi (الصورة مقدمة من شركة يوكاي للهندسة)

وقبل طرحه في الأسواق اليابانية، تم الكشف عن mirumi للمرة الأولى في يناير/كانون الثاني 2025 في معرض CES، أحد أكبر معارض التكنولوجيا والإلكترونيات الاستهلاكية في العالم، والذي يُقام في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، قامت الشركة بجمع ثمانين مليون ين من 1,870 شخصًا في 32 دولة ومنطقة عبر منصة التمويل الجماعي Kickstarter، وتلقت حجوزات لشراء 3,200 روبوت من mirumi. وفي فبراير/شباط 2026 ظهر في أسبوع الموضة في ميلانو بإيطاليا، وقيل إنه أسر قلوب المشاهير. وفي اليابان نفدت ثلاثة آلاف روبوت من mirumi خلال أسبوع واحد من إطلاقه، فيما تجاوز عدد متابعيه على إنستغرام 44 ألفًا.

وتتبنى شركة يوكاي للهندسة شعار ”نجعل العالم أكثر متعة بالروبوتات“ كفلسفة لها، وتُصرّ على أن يبدأ تطوير منتجاتها من ”الخيال الجامح“. ويقول الرئيس التنفيذي للشركة آوكي شونسكي ”إذا اكتفينا بالتفكير في أفكار لحل المشكلات فلن نصنع شيئًا فريدًا. علينا أن ننطلق من تجاربنا الشخصية ونفكر فيما نريده نحن فعلًا“.


الرئيس التنفيذي آوكي وهو يحمل mirumi. على يسار الطاولة روبوت الوسادة ذي الذيل ”Qoobo“ (كوبو)، وعلى اليمين ”PetitQoobo“ (بوتشي كوبو). وكلاهما يحرك ذيله استجابة للتربيت عليه. وفي الوسط نسختا الثعلب والباندا من ”أماغامي هامو هامو“ (توقف إنتاج نسخة الباندا)

لقد تم ابتكار mirumi هو الآخر من مثل هذا ”الخيال“. طفل رضيع تحمله أمه في القطار وينظر حوله بفضول. وعندما تلتقي عيناه بعيني أحد الركاب، يدير وجهه بعيدًا بخجل. مجرد مشاهدة هذا المشهد تجعل من حوله يشعرون بالسعادة أو يبتسمون من دون قصد. ماذا لو أمكن صنع تجربة كهذه بواسطة روبوت؟


التواصل مع الآخرين عبر الروبوت

التواصل مع الآخرين عبر الروبوت

ومن أجل تحويل الفكرة إلى منتج، قامت الشركة بتصميم عشرات الأنماط الحركية باستخدام الميكروفونات وأجهزة الاستشعار، لتحقق سلوكًا طبيعيًا يشبه كائنًا صغيرًا رغم طابعه المزاجي. كما سعت إلى جعل ملمسه يدفعك إلى الرغبة في التربيت عليه. ولأن ”التقاء العيون“ عنصر أساسي، تم تثبيت العينين في الهيكل حتى لا تنحرفا عن موضعهما. كذلك أولت الشركة عناية بمتانته كي يظل مثبتًا بالحقيبة ولا يسقط.

ويرى آوكي أن جهود الشركة لا تقتصر على خلق تجربة تمنح الإنسان شعورًا بالارتياح في علاقة فردية بينه وبين الروبوت، بل تسعى أيضًا إلى إيجاد روابط لطيفة بين الناس من خلال الروبوت، وهو ما يُعد محاولة لإعادة تعريف طبيعة الروبوت ودوره.

ويقول آوكي بثقة ”نحن نصنع الروبوتات واضعين في مقدمة أهدافنا أن يعيش البشر حياة مفعمة بالحيوية. وأعتقد أن مفهوم ”الراحة النفسية“ الذي يجسده mirumi قد ينتشر في مجال تطوير الروبوتات حول العالم“.

لقد كانت الروبوتات التي على شكل دُمى في أوروبا والولايات المتحدة تُعد حتى الآن منتجات موجهة للأطفال، لكن سوقها المخصص للبالغين يتوسع أيضًا بوصفها جزءًا من ثقافة البوب اليابانية. وتهدف الشركة إلى بيع مئة ألف روبوت من mirumi حول العالم خلال عام 2026.

اليابان تقود طريق التعايش مع الروبوتات

لقد عمل أوكادا ميتشيو، الأستاذ الفخري في جامعة تويوهاشي للتكنولوجيا، على تطوير ما يسميه ”الروبوتات الضعيفة“ التي لا تستطيع إنجاز مهامها بمفردها. ومن بينها ”روبوت سلة المهملات“ الذي لا يستطيع التقاط القمامة بنفسه، لكنه يحصل على مساعدة الأشخاص المحيطين به فيقوم بجمعها في النهاية، وروبوت ”توكينغ بونز“ (Talking Bones) الذي يحاول رواية الحكايات القديمة للأطفال لكنه ينسى أجزاء منها، فيدفعهم إلى مساعدته.

وانطلاقًا من هذه الروبوتات الضعيفة، يؤكد الأستاذ أوكادا للعالم أهمية ما يسميه ”الروبوتات التعايشية“ (Convivial Robotics)، التي تسعى إلى بناء علاقة ”تعايشية مستقلة“ يتبادل فيها البشر والروبوتات الدعم بصورة مرنة.

ويقول الأستاذ أوكادا ”إن الروبوت القوي المكتفي ذاتيًا، القادر على تنفيذ المهمة بالكامل، يوفر قدرًا كبيرًا من الراحة، لكنه قد يؤدي من ناحية أخرى إلى خضوع الإنسان للروبوت وسلبه مساحة المشاركة والمبادرة. أما ”الروبوتات التعايشية“ كما أتصورها، فهي تقوم على فكرة إنشاء علاقة يتشارك فيها الإنسان والروبوت ”الضعف“، ويستخرج كل منهما من الآخر القدرة على المبادرة والإبداع“.


أوكادا ميتشيو، الأستاذ الفخري في جامعة تويوهاشي للتكنولوجيا، الذي عمل على تطوير ”الروبوتات الضعيفة“

ويمكن القول إن روبوت NICOBO من باناسونيك، وMoflin من كاسيو، وmirumi من شركة يوكاي للهندسة تمثل نماذج واضحة للروبوتات التعايشية، فهي لا تسعى وراء الراحة أو القوة أو السرعة، بل تركز على بناء علاقة مع مالكها.

وفي مجتمع تتنافس فيه الصين والولايات المتحدة على تطوير روبوتات بشرية أكثر ذكاءً وقوة، ويسوده قلق غامض من احتمال ”أن تحل الروبوتات البشرية محل البشر“، ربما يكمن الطريق الذي تستطيع اليابان أن تشقه لنفسها في روبوتات تقف بهدوء إلى جانب الإنسان، وتبني معه علاقة تقوم على المساعدة المتبادلة.

(النص الأصلي باللغة اليابانية، صور العنوان الرئيسي: mirumi إلى اليسار (مقدمة من شركة يوكاي للهندسة)، وMoflin إلى اليمين (مقدمة من كاسيو)، تصوير: قسم التحرير في nippon.com)

كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | روبوتات تتقاسم الحياة مع البشر في اليابان.. نحو مستقبل من التعايش لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.