الفأر والجبن المجاني

Advertisements

قضيت وقتاً طويلاً في تأمل العلاقة بين الفأر والمصيدة.. فوجدت أنه في كل مرة يقع فيها الفأر في المصيدة، لا يكون السبب جوعه فقط، بل غياب وعْيه بحقيقة بسيطة وهي أنه لا شيء يُقدَّم مجانًا، فقطعة الجبن التي تبدو سهلة المنال، مغرية الرائحة، ليست سوى طُعمٍ مُتقن الصياغة، يخفي خلفه آلية الموت بعينه، ولكن الفأر المسكين لا يرى إلا المكسب اللحظي، ولا يدرك أن وراء هذا العطاء المجاني تكلفة خفية سيدفعها لاحقاً، وغالباً تكون حياته نفسها.إن هذه الفكرة البسيطة تتجاوز عالم الحيوان إلى عمق العلاقات البشرية، فكم من إنسان وقع في “مصيدة الجبن” وهو يظن أنه يربح، بينما كان في الحقيقة يُستدرج إلى خسارة أكبر، ففي العلاقات الإنسانية، يظهر “الجبن المجاني” في العديد من الصور: لطفٍ مبالغ فيه، أو دعمٍ غير مشروط، أو وعودٍ براقة لا يُطلب مقابلها شيء في البداية، لكن مع مرور الوقت يبدأ الثمن بالظهور، وغالباً يكون هذا الثمن أثقل بكثير مما توقع الضحية. فقد يعرض عليك زميل في بيئة العمل مساعدة دائمة أو كبيرة دون مقابل واضح، فتسارع لقبولها، لكن لاحقًا ستجد نفسك مُطالباً برد الجميل بطريقة قد تضر بمبادئك أو مكانتك المهنية، كالتغطية على أخطاء أو تمرير مصالح غير مستحقة. هنا، يتحول “الجبن المجاني” إلى قيدٍ أخلاقي يُقيِّد صاحبه.

وفي نطاق الصداقة، قد يظهر صديق يفيض بالعطاء والاهتمام، يقدم خدماته بسخاء، ويُشعر الطرف الآخر أنه محظوظ بهذه العلاقة. غير أن هذه العلاقة قد تنقلب عندما يبدأ هذا الصديق في استغلال نفوذه العاطفي، أو فرض سيطرته، أو ابتزاز الطرف الآخر عاطفيًا تحت شعار “أنا فعلت لأجلك كذا وكذا”. وفي هذه الحالة، ستدرك أن العطاء لم يكن بريئًا، بل كان استثماراً مؤجلاً ينتظر عائداً مضاعفاً.

أما في العلاقات العائلية، فقد يقع البعض في فخ قريبٍ يُظهر الدعم والمساندة، لكنه في الحقيقة يسعى لتحقيق مصالحه الخاصة. كمن يُقرض المال دون طلب ضمانات، ثم يستخدم ذلك لاحقاً للضغط أو التحكم. أو كمن يدعوك لشراكة مالية معينة فتندفع إليها وأنت لا تعلم أنه عندما سيشتد عود مشروعه سيقلب لك ظهر المِجن. هنا يتحول المعروف، أو ما كنت تتوقع أنه كان معروفاً، إلى أداة نفوذ، ويصبح “الجبن المجاني” وسيلة للهيمنة والاستنزاف.

ولا تقتصر هذه الفكرة على الدوائر القريبة، بل قد تمتد إلى الغرباء. فكم من شخص وقع ضحية احتيال إلكتروني أو مالي بسبب عرضٍ مغرٍ كاستثمار بلا مخاطرة، أو ربح سريع، أو هدية مجانية. هذه العروض، في جوهرها، ليست إلا مصائد حديثة، تستغل طمع الإنسان أو ثقته الزائدة.

إن الوعي بهذه الحقيقة لا يعني الشك في كل شيء أو رفض كل عطاء، فهناك من يقدم لله، بل يعني إدراك أن لكل فعل دافعًا، ولكل عطاء سياقًا. فالإنسان الحكيم هو من يُوازن بين حسن الظن واليقظة، فلا يندفع وراء كل ما يَلمع، أو قبول كل جبنٍ مجاني، ولا يُسلم نفسه لكل من يُظهر الكرم دون سبب واضح.

أ.د. فهد مطلق العتيبي- جريدة الرياض

اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.

كانت هذه تفاصيل خبر الفأر والجبن المجاني لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على كوش نيوز وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

أخبار متعلقة :