جلستُ في مطار الخرطوم الدولي في انتظار رحلتي إلى بورتسودان ومنها إلى القاهرة ثم العودة من حيث أتيت. كنت أعدّ الثواني و في وداخلي قلق لا يهدأ وبحر من الأسئلة التي لا تنتهي عن السودان عن حاله وعن مستقبل آت لا محالة وعن ضريبة التعمير التي لا بد أن ندفعها جميعا لهذا الوطن المكلوم.
في تلك اللحظة جلس إلى جواري رجل هادئ القسمات كأن السكينة اختارت وجهه مقاما لها. لم أعرفه في بداية الأمر لكن هيبة الصمت حوله عرّفته به قبل أن ينطق كان يحمل مسبحته لا كزينة بل كرفيق طريق.. تبادلنا التحية فكانت ابتسامته أوسع من صالة الانتظار وأدفأ من كل ما في المطار من ضوء.
اقتربت منه وجلسنا نتجاذب أطراف حديث لم يكن عاديا كان حديثا يفتح نوافذ الروح أكثر مما يفتح أبواب الكلام. عرفت لاحقا أنني أجلس إلى الشيخ
محمد إبراهيم الخوجلابي المكاشفي أحد آخر تلاميذ الشيخ عبد الباقي المكاشفي ، وصاحب مسيد الشكينيبة.
كان الناس يأتونه لا يسألونه إلا الدعاء وكأنهم وجدوا في حضوره بابا مفتوحا نحو السماء يقولون “يا أبوي الشيخ، ادعُ لي”، فيبتسم رغم المرض ويرفع يده كأنها جسر بين الأرض والرجاء من السماء فلا يرد سائلا ولا يكسر خاطرا.
هؤلاء هم الذين يشبهون السودان حين يكون في أجمل حالاته. صوفية لا تُدرّس بالكلمات بل تُعاش بالأفعال تسامح يمشي على قدمين ومحبة تُوزّع بلا حساب لم يكن مسيد الشيخ مكانا للذكر فحسب بل كان قلبا نابضا يستقبل العابر وابن السبيل ويُعلّم قبل أن يُطعم، ويواسي قبل أن يُحدّث.
وحين جاءت الحرب رفض الشيخ أن يغادر بقي حيث يجب أن يكون الرجال حين تضيق الأرض بأهلها صار مسيده ملاذا وسنده دعاء ويده خبزا… أطعم الجائعين وآوى الخائفين وأعاد للناس شيئا من معنى الأمان حين صار الأمان عملة نادرة واليوم وقد أثقل المرض جسده غادر لا هربا بل طلبا للعلاج… نسأل الله أن يشفيه ويعافيه كما كان دوما شفاء للقلوب قبل الأجساد.
في زمن كان فيه الحصار يضيق على الأجساد والقلوب، كان هناك رجال اختارهم الله ليكونوا جسور رحمة لم تكن التكية مجرد مطبخ بل كانت درسا حيّا في الكرم تُموَّل من جيبه ومن قلوب المحسنين كأن الخير حين يجد طريقه لا يحتاج إلى إعلان.
في لحظة ما لم يعد مسيد الشيخ محمد إبراهيم مكانا بل صار وطنا صغيرا داخل وطن يتكسّر.
هنا أدركت أن السودان رغم كل ما فيه من جراح لا يزال بخير ما دام فيه رجال يزرعون الطمأنينة في أرض عطشى ويُضيئون للناس دربهم حين تنطفئ الطرق.
لله درك يا سودان…
فيك من يُطمئن القلب فلا خوفٌ عليك ولا حزن.
مسافات… جدية عثمان
30 أبريل 2026 لندن
كانت هذه تفاصيل خبر جدية عثمان: هنا أدركت أن السودان رغم كل ما فيه من جراح لا يزال بخير ما دام فيه رجال يزرعون الطمأنينة لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على كوش نيوز وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
أخبار متعلقة :