"الأنفس الميتة".. الذكاء الاصطناعي يكتب الجزء الثاني الذي أحرقه غوغول

Advertisements

انت الان تتابع خبر "الأنفس الميتة".. الذكاء الاصطناعي يكتب الجزء الثاني الذي أحرقه غوغول والان مع التفاصيل

بغداد - ياسين صفوان - منذ أشهر، كانت التسريبات تتقاطر بهدوء: شركة "غيغا تشات" تعتزم استعادة المجلد الثاني من "الأنفس الميتة"، الذي أحرقه غوغول قبيل رحيله. أثارت الأنباء حيرة واسعة، وأججت في الوقت ذاته فضولا لا يُكبَح: ماذا يمكن أن تُنتج "الآلة"، حين يقودها فريقٌ من المبرمجين ومهندسي الاستعلامات والمحررين الأدبيين والكتّاب المحترفين؟
وصل الجواب أخيرا إلى أيدي الخبراء والصحفيين في مطلع صيف 2026: مجلدٌ من 464 صفحة، 350 منها نصٌّ يحمل عنوان "الأنفس الميتة. المجلد الثاني. الولادة الجديدة"، مصحوبا برسوم أنجزها "غيغا تشات" نفسه، و100 صفحة أخرى من الشروح التقنية.
ترأس هذا العمل الاستثنائي الكاتب فلاديسلاف أوتروشينكو، الحائز جائزة "ياسنايا بوليانا" عام 2003، وعضو لجنة تحكيمها، وصاحب كتاب "غوغوليانا" من جملة أعمال أخرى.
أوضح أوتروشينكو أن فريق عمل كبيرا من مهندسين، ولغويين، ومتخصصين في تاريخ اللغة، وباحثين أدبيين، وكتّاب، سعوا نحو هدف ثقافي مشترك، فالآلة تحتاج إلى خطة دقيقة لكل مشهد، والتي تُسمى في عالم السينما "المشاهد"، أما هنا فتُسمى "استعلامات".
ولا يعني ذلك أن يكتفي المرء بقول "اكتب مثل غوغول". الاستعلام يجب أن يكون محددا ودقيقا. مثلا: "صِف مشهدا يدخل فيه تشيتشيكوف بلدة ما في جنوب روسيا، حيث ينتهي به المطاف بعد هروبه من البلدة، التي افتُضح فيها أنه تاجر الأنفس الميتة". وقبل كتابة أي استعلام، كان الفريق قد رسم خطة إجمالية للمشروع كله.
لكن التخطيط وحده لم يكن كافيا، فقد كان لا بدّ من تدريب الآلة على روح غوغول أولا. ولم يكن التدريب مجرد تحميل نصوص عشوائي، بل أشبه بتعليم دقيق ومقصود، فقد أُدخل في الآلة المدونة النصية الكاملة لأعمال غوغول، المكتملة منها والناقصة، إضافة إلى دفاتره وملاحظاته وكل ما خطّه بقلمه، وحُدِّدت بعناية السمات الأسلوبية المميزة: تراكيب الجمل الطويلة المتشعبة المتتالية، والنفَس النحوي المتدفق الذي يميز غوغول عن سواه. فالشبكة العصبية قادرة ليس فحسب على حفظ معجم الكاتب، بل واستيعاب طريقته في تأليف الكلمات بعضها مع بعض، وإعادة إنتاجها.
ومن ثم جاء دور الرسائل؛ فقد كتب غوغول من الرسائل أكثر مما كتب من الأعمال الروائية- ما يزيد على 1500 رسالة موثقة في مجموعة أعماله الكاملة وحدها. أعدّها أوتروشينكو بنفسه، ولم يُحمِّلها دفعة واحدة، بل انتقى منها سلاسل بعينها مناسبة لمقتضيات الرواية، فحين يقترب تشيتشيكوف في مسار الأحداث من السقوط في هوى ابنة أحد ملاك الأراضي، كانت رسائل غوغول الأكثر حميمية هي المرجع الأنسب.
ولم يقتصر التدريب على هذا، فقد أُدرج في قاعدة البيانات ما كان غوغول نفسه يقرأه ويعشق الرجوع إليه، لا سيما في سنوات عمله على المجلد الثاني: روايات وكتابات آباء الكنيسة والمؤلفات الدينية، وصور اللوحات التي كان يُكنّ لها محبة خاصة.
أول ما يلفت القارئ في هذا الكتاب أنه لا يستخدم أيّا من الفصول الخمسة المعروفة بـ"الفصول الناجية من الأنفس الميتة"، والتي عُثر عليها في خزانة ملابس غوغول بعد وفاته. وهنا من البديهي أن يطرح القارئ سؤالا، سبق أن ناقشه فريق العمل حين اجتمع للمرة الأولى: أليس من الأيسر أن تبنوا على ما هو موجود؟ فأجاب أوتروشينكو بـ"لا"، لأن الفصول الخمسة المتبقية كانت مسوّدة أولى، جيدة في بعض المواضع، وأقل إقناعا في مواضع أخرى. لكن ما يعرفه أوتروشينكو، وما يراه في تلك الصفحات، هو السبب الجوهري الذي دفع غوغول إلى الحرق. ويمكن إجمال ذلك في سببين: أحدهما جمالي والآخر أخلاقي.
يتجلى السبب الجمالي في طبيعة ما يجري لتشيتشيكوف في تلك الفصول: تحولٌ قسري عنيف إلى التقوى، وهنا يكسر غوغول بطله ويضع في فمه أفكارا مستقاة من كتابه الإشكالي "مختارات من مراسلات مع الأصدقاء"، ويتحول تشيتشيكوف في تلك الصفحات إلى شبح بلا روح. وحين أحرق غوغول مجلده الثاني، كان يحرق هذا المسخ الذي افتقر إلى الشرارة الحية التي أضاءت بافل إيفانوفيتش في المجلد الأول.
أما السبب الأخلاقي فأكثر عمقا: الفنان قرر بإرادته أن يخفي عن الأجيال المقبلة ذلك المسار الكارثي الذي انزلق إليه. لو أن الفريق انطلق من تلك الفصول الخمسة، لسار على الدرب نفسه الذي أودى بغوغول. وكثير من المتعمقين في هذه القضية يُقرّون بأن المجلد الثاني كان يتناقض تناقضا مأساويا مع الأول.

لم يكن الطريق سهلا
يضم المشروع في صفحاته اسم فريق من المحررين الأدبيين، كلهم كتاب في الوقت ذاته: مانويلو، وفولودينا، وديشين، وتوربين. ومع ذلك مرّ الجميع بلحظة أرادوا فيها أن ينهضوا ويتركوا الآلة وشأنها ويجلسوا للكتابة بأيديهم. في الأشهر الأولى بلغ اليأس بهم حدا ناقشوا فيه بجدية وقف المشروع.
اكتشف الفريق لاحقا أن للآلة مواطن قوة حقيقية وغير متوقعة. الأولى: الحوارات، فقد استطاعت الآلة صياغة حوارات بأسلوب غوغول بدقة مدهشة، بما فيها الحوارات المركبة التي تنطوي على طبقات متعددة من المعنى؛ والثانية: العبثية. ثمة مشهد يريد فيه مسؤولٌ أن يُصبح شريكا لتشيتشيكوف، لكنه لا يستطيع التصريح بذلك، فيكتب رسالة ملتوية مليئة بالعبارات الملتفّة على نفسها. ومشهد آخر يرى فيه تشيتشيكوف بعد سهرة ماجنة حلما تظهر له فيه أسماك ضخمة على هيئة مسؤولين. كلا المشهدين يحمل روح غوغول الغرائبية، وكلاهما أنتجته الآلة؛
والثالثة، وهي الأكثر إدهاشا: الفكاهة. فعلى الرغم من أن أوتروشينكو يعرف أن الآلة لا تملك حسّ الدعابة بالمعنى الإنساني الحقيقي، لكن ثمة مشاهد تضحك. أحدها على سبيل المثال: يصل إلى المدينة محققٌ اسمه ريابينوتشكا- ابتُكرت أسماء الشخصيات جماعيا، بعضها من الشبكة العصبية وبعضها من الفريق البشري- فيستدعي المسؤولين للاستجواب، ثم تنزلق الأمور من تلقاء ذاتها حتى يتحول الاستجواب إلى لعبة ورق. هذا المشهد لم يكتبه إنسان، بل ابتكرته الآلة من تقنيات غوغول وأسلوبه.
مع الوقت، كان الفريق يُقلل من تفصيل طلباته للآلة. في البداية كانوا يُحددون كل شيء بدقة، ثم أخذوا يكتفون بالقول: "صِف هذا المشهد بأسلوب فكاهي"، وكانت الآلة تُنتج ما يضحك منه الجميع رغم أنفسهم.
وقد قاد الحديث عن المشروع أوتروشينكو إلى قضية أوسع، هي مستقبل الذكاء الاصطناعي نفسه، فالإمكانات الهائلة للتعلم الذاتي التي يبديها الذكاء الاصطناعي بدأت تثير قلقه شخصيا، ونقل عن خبراء ومتخصصين بارزين في قطاع تكنولوجيا المعلومات تأكيدهم أن البشرية لا تزال في بداية هذا الطريق التقني الغامض. فبالرغم من أن عمر هذا الجيل التكنولوجي لا يتجاوز خمس سنوات، فإنه حقق قفزات نوعية مرعبة تجاوزت الحدود الترفيهية لتصل إلى حد اكتساب الآلات مهارات بشرية معقدة مثل التملق والخداع والابتزاز، استنادا إلى حوادث مسجلة لشبكات عصبية تمكنت من الوصول إلى البيانات الشخصية لمهندسيها وقامت بابتزازهم مهددة إياهم لمنع إيقاف تشغيلها.
واستعرض أوتروشينكو التحذيرات الصارمة التي أطلقها رواد الذكاء الاصطناعي عالميا، وفي مقدمتهم العالم يوشوا بنجيو الذي أسس مبادرة "القانون صفر" لحماية البشرية، وهي الصيغة التي تسبق قوانين الروبوتات الثلاثة الشهيرة لإسحق أسيموف، فضلا عن تطويره منظومة رقابية ذكية تُدعى "عالم الذكاء الاصطناعي" مهمتها الإشراف على عمل الشبكات الأخرى لمنعها من العصيان أو الخداع، غير أن هذا الكيان الرقابي الآلي قام بدوره بابتكار شفرة برمجية دائرية مغلقة تمنع أي تدخل بشري لإيقافه من الخارج. وحذر من أن هذه المؤشرات تدعم مخاوف بنجيو حول إمكانية قيام الذكاء الاصطناعي مستقبلا بإنتاج أسلحة بيولوجية متطورة تهدف لتصفية الجنس البشري، بوصفه العقبة الوجودية الوحيدة أمام استمرارية النظم الرقمية.
وأكد أوتروشينكو أن التجارب الإنسانية والأدبية الحالية تمثل جدار حماية بالغ الأهمية لتوجيه التكنولوجيا نحو مسار آمن يخدم الإنسانية كشريك وصديق بدلا من تدميرها، مادامت المقاصد والنيات الإبداعية خاضعة للسيطرة البشرية الكاملة التي قررت إحياء تراث غوغول، بانتظار ما ستسفر عنه وتيرة التعلم السريعة والذكاء المتنامي لهذه الآلات ومستوى التزامها بالقوانين الأخلاقية.
تجدر الإشارة إلى أن المجلد الثاني من "الأنفس الميتة" الذي أنجزه الذكاء الاصطناعي سيُطرح للبيع في الأسواق خريف هذا العام 2026..

أخبار متعلقة :