ابوظبي - سيف اليزيد - أبوظبي (الاتحاد)
عقد مكتب «تريندز للبحوث والاستشارات» في عمّان، بالتعاون مع معهد «استراتيجيكس» للدراسات والبحوث الاستراتيجية، «حوار تريندز الاستراتيجي الثاني» تحت عنوان: «الشرق الأوسط.. بين التصعيد وإعادة تشكيل التوازنات».
وجاء هذا الحوار في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بما يعكس تحوّلاً نوعياً في طبيعة الصراع، من حروب بالوكالة إلى احتكاك مباشر يُعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في الإقليم.
وقد جمع الحوار، عبر تقنية الاتصال المرئي، نخبة من الخبراء والأكاديميين والباحثين الاستراتيجيين، الذين قدّموا قراءات معمّقة للمشهد، وطرحوا سيناريوهات متعددة للمستقبل، في إطار شراكة معرفية عابرة للحدود تعكس الدور المتنامي لمراكز الفكر في صناعة الفهم الاستراتيجي.
شراكة معرفية
استُهلت أعمال الحوار بكلمة للدكتور محمد العلي، الرئيس التنفيذي لمركز «تريندز»، ألقاها نيابة عنه فهد المهري، رئيس قطاع مكتب تريندز بدبي، حيث أكد أن المنطقة تمرّ بـ«مرحلة مفصلية» تتداخل فيها أبعاد الصراع العسكري مع رهانات إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية.
وأشار إلى أن هذه الحرب كشفت عن تعقيد الأزمات الإقليمية، وحدود فاعلية الدبلوماسية في تسوية النزاعات، إلى جانب هشاشة منظومات الرّدع التقليدية، واتساع التداخل بين المسارات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
وأوضح أن التصعيد في المنطقة لم يَعُد ظرفاً طارئاً، بل بات سمة هيكلية في المشهد الإقليمي، نتيجة تراجع آليات إدارة الأزمات وضعف الأطر متعددة الأطراف، مقابل تصاعد منطق القوة. وفي المقابل، أشار إلى بروز محاولات لإعادة تشكيل التوازنات من خلال إعادة التموضع العسكري، وبناء تحالفات مرنة، واستخدام أدوات غير تقليدية، مثل الحرب السيبرانية والضغوط الاقتصادية وإدارة الصراعات عبر الوكلاء.
ونوّه بأن استضافة مكتب تريندز في عمّان لهذا الحوار تحمل دلالة خاصة، نظراً لما يمثّله الأردن من نموذج في تبنّي نهج متوازن يسعى إلى احتواء الأزمات وتعزيز الاستقرار والحفاظ على قنوات الحوار، فضلاً عن دور العاصمة الأردنية كمنصة فكرية للنقاشات الاستراتيجية الجادة.
أدار الحوار الباحث الرئيسي في مركز «تريندز» الأستاذ عبدالعزيز الشحي، فيما قدّم له الأستاذ يزن بشير، مدير مكتب «تريندز» في عمّان.
التحولات البنيوية
استهلّ الأستاذ حازم الضمور، مدير عام معهد «استراتيجيكس»، مداخلاته بقراءة نقدية للتحول في السلوك الإيراني، معتبراً أن ما تشهده المنطقة يعكس انتقالاً من نموذج الدولة التقليدية إلى نمط أقرب إلى «إرهاب الدولة».
وأوضح أن إيران تبنّت استراتيجية «العدو القريب»، حيث وجّهت نسبة كبيرة من ضرباتها نحو دول الخليج، رغم خطابها المعلن ضد إسرائيل. كما أشار إلى وجود فوضى قيادية داخل البنية العسكرية، نتيجة اللامركزية في اتخاذ القرار داخل الحرس الثوري.
وأضاف: أن استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط يُعدّ خياراً محدود التأثير، وقد يرتد سلباً على الداخل الإيراني. ودعا إلى بناء منظومة ردع عربية متقدمة، مؤكداً أهمية البرامج النووية السلمية في تحقيق التوازن الاستراتيجي.
بدوره، قدّم اللواء الركن المتقاعد الدكتور صالح المعايطة تحليلاً معمّقاً لطبيعة النظام الإيراني، واصفاً إياه بـ«الدولة المتوترة».
وأكد أن إيران تعاني من فجوة واضحة بين «قوة التأثير» التي تمثّلها النماذج التنموية الناجحة في المنطقة، و«تأثير القوة» القائم على الفوضى. كما أشار إلى تراجع مشروع «وحدة الساحات» وضعف الأذرع الإقليمية، فضلاً عن حالة الازدواجية بين مؤسسات الثورة والدولة.
العزلة الكبرى لإيران
من جانبها، ركّزت الباحثة الرئيسية في «تريندز»، سارة النيادي، على التداعيات السياسية، مؤكدة أن إيران ارتكبت أخطاء استراتيجية جسيمة أدت إلى عزلتها الدولية.
مستقبل النظام
من جانبه، قدّم الدكتور أحمد الزعبي، الأستاذ في جامعة القديس يوسف في بيروت، تحليلاً عميقاً لمستقبل النظام الإيراني، مؤكداً أن الحرب تمثّل اختباراً وجودياً له.
وطرح ثلاثة سيناريوهات رئيسة: هي الصمود المحدود مع استمرار الخطاب الدعائي، والنموذج الفنزويلي القائم على العزلة والانهيار الاقتصادي، والسقوط المفاجئ، وهو السيناريو الأخطر بسبب غياب البديل.
كما حذّر من أن تفكّك النفوذ الإيراني قد يؤدي إلى صعود قوى أكثر تطرفاً، ما لم يتم تعزيز مفهوم الدولة الوطنية.
تحوّل جذري
خلص الحوار إلى مجموعة من النتائج الجوهرية، أبرزها: تحوّل جذري في طبيعة الصراع من حروب بالوكالة إلى مواجهة مباشرة، وثبات خليجي قائم على الحكمة والمرونة الاقتصادية، وتراجع المشروع الإيراني وتزايد عزلته الدولية.
واتفق المشاركون على أن «إيران ما بعد 17 مارس 2026 لن تكون كما قبله»، حيث يقف النظام أمام خيارين: إمّا الاندماج كدولة طبيعية، أو الاستمرار ككيان ثوري مَهدَّد بالتفكك.
وأشاد حسن إسميك، رئيس مجلس أمناء معهد «استراتيجيكس»، بالنموذج الإماراتي في إدارة الأزمات، واصفاً إياه بأنه نموذج متقدم في حماية الأمن القومي والمنشآت الحيوية، يقوم على رؤية استراتيجية بعيدة المدى وقدرة عالية على التعامل مع التحديات المعقدة.
أخبار متعلقة :