«الكراسات الفلسفية» مبادرة نوعية لتقديم الفلسفة كقوة حية في تشكيل الوعي

Advertisements

ابوظبي - سيف اليزيد - أبوظبي (الاتحاد)

في زمنٍ تتسارع فيه تدفقات المعرفة وتتزاحم مصادرها، لم يعد التحدي في الوصول إلى المعلومة، بل في فهمها وبناء وعي قادر على استيعابها، وبين وفرة معرفية متنامية، واتساع الفجوة بين ما نعرفه وما نعيه، تبرز الحاجة إلى مبادرات تُعلي من قيمة السؤال، وتنمي القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتأمل وفهم المعنى.

وفي هذا السياق، أطلقت جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، ممثلة في مركز الدراسات الفلسفية، الإصدار الأول من مشروع «الكراسات الفلسفية»، كمبادرة نوعية تستهدف تقديم الفلسفة كقوة حية في تشكيل الوعي وأداة لفهم الذات والعالم، ضمن رؤية تتجاوز الطرح التقليدي إلى نموذج معرفي مبتكر ومتجدد.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً لدور الفلسفة في مواجهة تحديات العصر، من خلال بناء عقلٍ قادر على الفهم والتحليل، لا الاكتفاء بالحفظ والتلقين. ويضم الإصدار الأول 6 كراسات فلسفية، في مقاربة تُسلط الضوء على قيم معرفية وإنسانية كبرى، وتُقدم مداخل متعددة للتفكير والفهم.
وتسعى هذه الكراسات إلى تفكيك الأسئلة الكبرى التي شكّلت مسار الفكر، وإعادة طرحها أمام الإنسان المعاصر من زوايا فلسفية متعددة، تجمع بين التأمل النقدي والانفتاح على قضايا الواقع والتحولات المعرفية الراهنة.
ففي كراسة «التفلسف»، يُطرح مفهوم التفلسف كممارسة إنسانية تتجاوز التنظير إلى أسلوب في فهم الحياة والوجود، حيث تُبرز الكراسة قيمة السؤال والدهشة، باعتبارهما أساساً لبناء الوعي، وتُقدم التفلسف كقوة نقدية تدفع الإنسان إلى مساءلة العالم وفهم ذاته بعيداً عن الجمود الفكري.
وتستعرض كراسة «المنطق» تطور الفهم المنطقي من الفكر الأرسطي إلى المنطق الرمزي الحديث، وتناقش علاقة المنطق باللغة والمعنى والحقيقة، كما تبرز دوره في بناء التفكير المنهجي، وتعزيز القدرة على التحليل والتمييز بين الرأي والمعرفة في عالم تتداخل فيه المعلومات والتأويلات.
وتناقش كراسة «الفن» العلاقة بين الفن والفكر والجمال والدين، وكيف يتحول الإبداع الفني إلى لغة كونية تمنح الإنسان القدرة على فهم ذاته والعالم من حوله، وتفتح أمامه آفاقاً جديدة للتأمل والجمال والخيال، مُقدمة الفن بوصفه تجربة إنسانية عميقة تتجاوز حدود الجمال الشكلي إلى فضاءٍ فلسفي وروحي يرتبط بالحرية والمعنى وإعادة تشكيل الوعي.

امتلاك أدوات التفكير النقدي

وأكد الأستاذ الدكتور إبراهيم بورشاشن، مدير مركز الدراسات الفلسفية في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، أن إطلاق مشروع «الكراسات الفلسفية» يأتي في إطار رؤية الجامعة الرامية إلى إحياء روح التفلسف، وترسيخ الفلسفة كأحد مرتكزات بناء الوعي المعرفي المستدام، وتمكين الطلبة والباحثين من امتلاك أدوات التفكير النقدي التي تعينهم على قراءة الواقع واستيعاب تحوّلاته. وأشار إلى أن الجامعة، عبر مشاريعها الفكرية والمعرفية، تعمل على صناعة وعيٍ قادر على فهم التحولات الفكرية والثقافية بعمق، وترسيخ قيم الاعتدال والانفتاح والحوار، بما يعزز الهوية ويؤسس لجيلٍ أكثر إدراكاً وصلابةً واتزاناً في مواجهة تحديات العصر. وأضاف: أن بناء العقل الناقد يمثل الحصن الحقيقي للهوية، والرافعة الأساسية لترسيخ الانتماء والقيم الإنسانية، لافتاً إلى أن التحصين الفكري لم يعد خياراً بل ضرورة لحماية الإنسان من الانغلاق والتطرف والتشوش المعرفي في عالم سريع التحول والتغير.

مفهوم الاختلاف

أما كراسة «الاختلاف»، فتناقش مفهوم الاختلاف، باعتباره قيمة إنسانية وفكرية تؤسس للحوار والتعددية، وليس الصراع والانقسام، كما تدعو إلى استعادة ثقافة الحوار والانفتاح والتعايش والفهم المشترك، معتبرة التنوع الفكري والثقافي مصدراً لثراء الفكر وتجدد المجتمعات.
وتستعرض كراسة «النظر العلمي» تطور الفكر العلمي الحديث والتحولات التي شهدتها الإبستيمولوجيا المعاصرة، من خلال قراءة نقدية لعلاقة العلم بالإنسان والطبيعة والمعنى، بما يعزز فهماً أكثر توازناً لدور المعرفة العلمية في تشكيل العالم المعاصر.
وتربط كراسة «الفلسفة العربية الإسلامية» بين الإيمان والنقد، وبين الحكمة والمعرفة، مستعيدة إسهامات الفلاسفة المسلمين ودورهم في بناء الفكر الفلسفي العالمي والإنساني. وتشير الكراسة إلى أن التراث لم يكن مجرد مرحلة تاريخية عابرة، بل تجربة معرفية عميقة ما زالت قادرة على الإسهام في النقاشات الفكرية والفلسفية المعاصرة.

أخبار متعلقة :