شكرا لقرائتكم خبر عن سينومي سنترز السعودية تعلن زيادة حجم تمويل مشروع ويستفيلد الرياض إلى 2.7 مليار ريال والان مع بالتفاصيل
دبي - بسام راشد - أخبار الفوركس اليوم مع تزايد المخاطر الجيوسياسية في منطقة الخليج، التي تُعد المركز التقليدي لصناعة الطاقة العالمية، تتجه شركات النفط إلى البحث عن أقاليم هيدروكربونية جديدة. وبينما تتركز عمليات الاستكشاف عالية المخاطر والعوائد في أمريكا اللاتينية وغرب أفريقيا، تبرز الصومال كوجهة مختلفة، إذ يجري حاليًا حفر أحد أكثر آبار الاستكشاف الواعدة في العالم عبر بحر العرب، وهو اكتشاف محتمل قد يوفر إمدادات نفطية لا تحتاج إلى المرور عبر مضيق هرمز.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه أهمية تنويع مسارات الإمدادات بالنسبة للمستهلكين الآسيويين، الذين يمثلون المحرك الرئيسي لنمو الطلب العالمي على النفط.
بئر «كوراد-1»... اختبار غير مسبوق للمياه العميقة
جرى تقييم بئر كوراد-1 (Curad-1) بعد أن أنهت سفينة الأبحاث الزلزالية أوروتش رئيس (Oruc Reis) التابعة لشركة النفط التركية المؤسسة التركية للبترول (TPAO) جمع بيانات زلزالية ثلاثية الأبعاد تغطي مساحة 4,464 كيلومترًا مربعًا في القطاعات البحرية 142 و152 و153 بين أكتوبر 2024 ويونيو 2025.
وأظهرت النتائج الأولية في القطاعين 152 و153 مؤشرات مشجعة على وجود احتياطيات نفطية كبيرة، ما دفع الشركة إلى بدء حفر البئر في القطاع 153 خلال أبريل 2026 باستخدام سفينة الحفر التابعة لها.
ويقع البئر على بعد نحو 372 كيلومترًا شمال شرق مقديشو وفي مياه يصل عمقها إلى نحو 3,500 متر، بينما يُتوقع أن يبلغ العمق النهائي للبئر حوالي 7,500 متر، مع احتمال استمرار عمليات الحفر لمدة تصل إلى 288 يومًا، ما يجعله أحد أعمق آبار الاستكشاف البحرية التي جرى حفرها على الإطلاق.
ورغم هذه التوقعات، لا تزال المياه الإقليمية الصومالية منطقة غير مستكشفة إلى حد كبير، إذ لم يُحفر فيها تاريخيًا سوى ثمانية آبار فقط، بينها بئران في حوض الصومال، ولم يسفر أي منها عن اكتشاف تجاري حتى الآن.
شروط استثمارية أكثر جاذبية للمستثمرين
انعكست هذه المخاطر الجيولوجية في النظام المالي الجديد الذي اعتمدته الصومال لجذب المستثمرين.
فبموجب نموذج اتفاقيات تقاسم الإنتاج لعام 2020، تستطيع الشركات استرداد ما يصل إلى 70% من إنتاج النفط و80% من إنتاج الغاز لتغطية التكاليف، بينما ترتفع حصة الحكومة تدريجيًا مع زيادة عوائد المشروع.
وفي نسخة 2023 المعدلة، استبدلت الصومال نظام الإتاوات المتدرج بنسبة ثابتة تبلغ 5% لكل من النفط والغاز.
وتُعد هذه النسبة منخفضة نسبيًا مقارنة بالعديد من الأسواق العالمية، وإن كانت لم تعد استثنائية بالنسبة لمشروعات الاستكشاف البحرية عالية المخاطر، فهي أعلى من نسبة 2% التي مُنحت سابقًا في أول اتفاقية لحقل ستابروك في غويانا، لكنها تقل عن نسبة 10% التي فرضتها غويانا على التراخيص الجديدة بعد نجاح اكتشافاتها الضخمة.
ويعكس ذلك استراتيجية واضحة من الحكومة الصومالية تقوم على تقليل الأعباء المالية في المراحل الأولى مقابل جذب الاستثمارات إلى منطقة لا تزال تنطوي على مخاطر مرتفعة.
تاريخ طويل من الاستكشاف... وعقود من التعطيل
استقطبت الصومال شركات النفط منذ خمسينيات القرن الماضي، وبحلول أواخر الثمانينيات كانت شركات كبرى مثل كونوكو وشيفرون وإيني وشل وإكسون موبيل تمتلك امتيازات تغطي ما يقرب من نصف البلاد.
لكن انهيار الدولة عام 1991 بسبب الحرب الأهلية أوقف جميع عمليات الاستكشاف، واختارت معظم الشركات إعلان حالة القوة القاهرة بدلًا من التخلي رسميًا عن امتيازاتها، ما أبقى حقوقها القانونية معلقة لعقود.
وفي السنوات الأخيرة توصلت شل وإكسون موبيل إلى خارطة طريق مع الحكومة الفيدرالية بشأن امتيازاتهما البحرية السابقة، بينما حصلت شركات أخرى، مثل كوستلاين إكسبلورايشن، إلى جانب شركات تعمل عبر سلطات بونتلاند وأرض الصومال (صوماليلاند)، على تراخيص جديدة.
وأدى ذلك إلى تداخل في حقوق الامتياز، إذ رفضت الحكومة الفيدرالية بعض التراخيص الصادرة عن الإدارات الإقليمية، بما في ذلك تراخيص تطالب بها شركة جينيل إنرجي في صوماليلاند، لتصبح مشكلة قطاع النفط في الصومال ليست فقط في المخاطر الأمنية أو ضعف نتائج الحفر، وإنما أيضًا في تعقيد خريطة التراخيص.
تركيا تراهن على نموذج متكامل للتطوير
يعمل مشروع كوراد-1 بموجب اتفاقية تعاون بين تركيا والصومال تمنح المؤسسة التركية للبترول (TPAO) حق استرداد ما يصل إلى 90% من الإنتاج بعد خصم الإتاوات التي لا تتجاوز 5%، مع إعفاءات من عدد من الرسوم والمكافآت الحكومية.
وتعكس هذه الشروط استعداد الحكومة الصومالية للتخلي عن جزء من الإيرادات المبكرة مقابل زيادة فرص نجاح المشروع وجذب المستثمرين.
وبالنسبة للشركة التركية، يمثل المشروع تحولًا استراتيجيًا مهمًا، إذ اعتادت المشاركة كشريك أقلية في مشروعات دولية مثل شاه دنيز وأذري–جيراق–جونشلي في أذربيجان، بينما تتولى في الصومال إدارة المشروع بالكامل، مستخدمة بياناتها الزلزالية وسفينة الحفر الخاصة بها، إلى جانب الدعم التركي في مجالات البنية التحتية والأمن.
ويستند هذا التوجه إلى نجاح الشركة في حقل سكاريا للغاز في البحر الأسود، الذي اكتُشف بعد حفر بئر تونا-1، فيما يمثل كوراد-1 أول محاولة لتكرار هذا النموذج خارج تركيا.
النفط أكثر جدوى من الغاز
إذا أسفر البئر عن اكتشاف نفطي كبير، فمن المرجح تطويره باستخدام وحدة إنتاج وتخزين وتفريغ عائمة (FPSO)، بما يسمح بمعالجة النفط وتحميله مباشرة في عرض البحر.
وتشير تجارب المشروعات البحرية العميقة في أنغولا والبرازيل إلى إمكانية تحقيق نقطة التعادل عند أسعار تتراوح بين 40 و45 دولارًا للبرميل، شريطة أن تتجاوز الاحتياطيات القابلة للاستخراج 300 مليون برميل وأن تكون خصائص المكمن مناسبة.
أما في حال كان الاكتشاف أصغر حجمًا أو أكثر تعقيدًا، فقد يصبح تطويره اقتصاديًا أكثر صعوبة رغم الحوافز الضريبية.
أما الغاز الطبيعي، فتبدو فرص تطويره أقل، إذ لا تمتلك الصومال سوقًا محلية كبيرة للغاز أو شبكة خطوط أنابيب بحرية أو قاعدة صناعية قادرة على استيعاب إنتاج ضخم، ما يجعل أي مشروع غاز يعتمد على إنشاء منشآت عائمة لتسييل الغاز الطبيعي، وهو ما يتطلب احتياطيات أكبر بكثير من تلك المطلوبة لمشروع نفطي.
أهمية استراتيجية لآسيا وشرق أفريقيا
تمثل الجغرافيا أحد أبرز عوامل الجاذبية للمشروع، إذ يمكن تصدير النفط الصومالي مباشرة عبر بحر العرب دون المرور عبر مضيق هرمز، وهو ما يمنح المشترين الآسيويين مصدرًا بديلًا قريبًا من أسواقهم.
وتُعد الهند المرشح الطبيعي لاستقبال هذه الإمدادات، نظرًا لقربها الجغرافي وامتلاكها مصافي قادرة على معالجة أنواع متعددة من النفط الخام، إضافة إلى اعتمادها الكبير حاليًا على النفط الروسي.
وفي حال بلغ الإنتاج ما بين 200 ألف و300 ألف برميل يوميًا، فقد تصبح الصومال منافسًا مباشرًا لمشروع بحيرة ألبرت الأوغندي، الذي يستهدف إنتاج نحو 230 ألف برميل يوميًا، مع أفضلية لوجستية للصومال بفضل إمكانية التصدير البحري المباشر دون الحاجة إلى خطوط أنابيب طويلة.
كما قد يشكل مشروع مصفاة دانغوتي المخطط لها في مدينة لامو الكينية بطاقة 700 ألف برميل يوميًا منفذًا إضافيًا للخام الصومالي مستقبلًا، إذا تزامن تنفيذ المشروعين خلال السنوات السبع إلى العشر المقبلة.
أما بالنسبة لتركيا، فقد تستفيد من جزء من الإنتاج إذا كانت نوعية الخام مشابهة للنفط الروسي أو العراقي أو الكازاخستاني الذي تعالجه مصافيها، إلا أن الشحنات المتجهة إليها ستظل مضطرة للمرور عبر باب المندب ثم قناة السويس، ما يجعل الميزة اللوجستية الأكبر من نصيب الأسواق الآسيوية.
بين الفرصة الاقتصادية ومخاطر الصراع
يجمع مشروع كوراد-1 بين عناصر الجيولوجيا والجغرافيا السياسية والتجارة العالمية، ما يجعله أحد أكثر مشاريع الاستكشاف متابعة في الأسواق.
وفي حال تحقق اكتشاف تجاري كبير، فقد تتحول الصومال إلى واحدة من أبرز الدول النفطية الجديدة، رغم أنها لا تزال تعاني من صراعات داخلية وخروج أجزاء واسعة من أراضيها عن السيطرة الفعلية للحكومة المركزية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يصبح النفط مصدرًا جديدًا للنزاعات على الأراضي والعائدات، أم يشكل قاعدة مالية تساعد الدولة الصومالية على تعزيز مؤسساتها واستعادة سيطرتها؟ والإجابة ستتحدد بما ستكشفه السنوات المقبلة.
أخبار متعلقة :