اضطلع معبد كينتشوجي في كاماكورا بدور بارز في نشر شوجين ريوري، وهو أحد أنماط المطبخ البوذي النباتي الذي يعتمد بالكامل على مكونات غير حيوانية. وقد حافظ المعبد على هذا التقليد العريق وتوارثه على مدى أكثر من 700 عام، ليظل أحد أبرز المراكز التي تصون هذا الإرث الغذائي والروحي في اليابان.
فلسفة الزن في الطعام
اشتهر شوجين ريوري، المطبخ التقليدي في المعابد البوذية، بوصفه ”مطبخا يابانيا نباتيا“. غير أن جوهره لا يكمن في الامتناع عن استخدام المكونات ذات الأصل الحيواني. فكلمة شوجين هي مصطلح بوذي يعني ”التفاني والانضباط لتنقية النفس من الأفكار الدنيوية“، بينما تعني ريوري ”الطهي“ أو ”المطبخ“، وبالتالي فإن شوجين ريوري يدعو إلى تهذيب الروح من خلال الطعام.
تأثرت ثقافة الطعام في اليابان بالبوذية منذ زمن بعيد. ويعود السبب الرئيسي لغياب اللحوم عن الموائد حتى العصر الحديث إلى طبيعة المجتمع الزراعي الياباني عبر التاريخ، والاعتماد الراسخ على المأكولات البحرية، غير أن التعاليم البوذية التي تحرم ازهاق الأرواح شكلت أيضا عاملا بالغ التأثير. ويرى المؤرخون أن الرهبان البوذيين الذين تنقلوا بين اليابان والصين خلال عصري نارا (710-794) وهييان (794-1185) جلبوا معهم مصادر قيمة للبروتين المعتمد على فول الصويا، مثل الميسو والتوفو. أما صلصة الصويا، التي تعد عنصرا أساسيا في المطبخ الياباني، فقد نشأت من عملية إنتاج الميسو، ويعتقد أنها صنعت لأول مرة في معبد للزن في واكاياما خلال عصر كاماكورا (1185-1333).
وفي منتصف القرن الثالث عشر، عاد الراهب دوغين (1200-1253)، مؤسس طائفة سوتو في اليابان، من رحلة إلى الصين حاملا معه تقاليد شوجين ريوري. وقد أرسى ذلك شكلا جديدا من الانضباط البوذي، يقوم على إعداد المكونات الغذائية المتوافقة مع مبدأ الامتناع عن القتل بعناية فائقة، ثم تناولها وفقا لآداب محددة. كما أسهم معبد كينتشوجي في نشر هذا التقليد، فقد أسسه الراهب الصيني لانشي داولونغ عام 1253، وأصبح أرفع معابد الزن مكانة في ظل حكومة شوغونية كاماكورا.
كانت تعاليم لانشي تنص على أن الطريق إلى الاستنارة لا يكمن في قراءة النصوص القديمة، بل في التأمل في الروح الذاتية، ولذلك شدد على ممارسة تأمل الزازن والتأمل في أسئلة الكوان. وبصفته الموطن الأول للزن في اليابان، تحول معبد كينتشوجي إلى ما يشبه ”جامعة وطنية للزن“، حيث عاش مئات الرهبان ومارسوا أعمال سامو اليومية، مثل الطهي والتنظيف والزراعة وغيرها، وهي أعمال تعد في الوقت نفسه نوعا من الزهد والانضباط الزهدي.
قاعة التأمل في معبد كينتشوجي، حيث يتدرب الرهبان. وهي مساحة مقدسة يحظر دخول الغرباء إليها (© هارادا هيروشي)
الامتنان وآداب الطعام في معبد كينتشوجي
توارث المعبد تقليد العمل الدؤوب ليلا ونهارا على مدى أكثر من 700 عام. وتعد الوجبات مجالا بالغ الأهمية في مسيرة الانضباط، لذلك تخضع آداب تناول الطعام لقواعد صارمة على نحو خاص. يحظر داخل قاعة الطعام أي حديث جانبي أو إصدار أي أصوات غير ضرورية. ويتولى كل راهب توفير طعامه بنفسه، كما تتسم الوجبات بالبساطة الشديدة، إذ تتكون من حساء واحد وطبق جانبي واحد. أما فجل الدايكون المخلل الذي يقدم يوميا، فيصنع من خضروات يتبرع بها سكان شبه جزيرة ميؤرا في شهر يناير/كانون الثاني من كل عام.
وقبل البدء بتناول الطعام، توضع بضع حبات من الأرز في طرف الطاولة من أجل تقاسمها مع الطيور وسائر الكائنات الأخرى التي تعيش في أرجاء المعبد، وهي ممارسة تعرف باسم ”سابا“. وعند تلقي حصتهم من الطعام، يتلو الرهبان نصا بوذيا يعرف باسم ”غوكان نوغي“، يعني شيئا ما من قبيل ”أتلقى هذا الطعام برغبة صادقة في أن أكون جديرا بالجهد الذي بذله كل من أسهم في إعداده. وبذهن خال من الأدران والطمع، أتقبله بوصفه علاجا ناجعا، وأتناوله سعيا إلى بلوغ مرتبة بوذا“.
وعند انتهاء الوجبة، يستخدم الرهبان شريحة من فجل التاكوان المخلل لالتقاط كل حبة أرز متبقية في الوعاء وتناولها، حتى لا يهدر أي شيء. ثم يملؤون أوعيتهم بالماء الساخن، ويستخدمونه لتنظيف الأوعية الأخرى وعيدان تناول الطعام، ثم يشربون ذلك الماء. وتجسد هذه الآداب الدقيقة في تناول الطعام روح ”غوكان نوغي“، فهي تعبر عن الامتنان للطعام والحرص على عدم إهدار أي جزء منه.
وجبة إفطار تتكون من عصيدة أرز من دون منكهات، مع تاكوان وأميبوشي. يحضر الرهبان معهم أوعيتهم وأدواتهم الخاصة إلى قاعة الطعام (© هارادا هيروشي)
وجبة غداء تتكون من أرز مطهو مع الشعير، وباذنجان مقلي، وحساء ميسو مع فجل الدايكون، ومخللات (© هارادا هيروشي).
وجبة عشاء تتكون من عصيدة أرز معدة من بقايا غداء اليوم، مع طبق كينبيرا من جذور الأرقطيون والجزر المطهوين، إضافة إلى المخللات (© هارادا هيروشي)
تغلق جميع مباني معبد كينتشوجي، بما في ذلك قاعة الطعام، أمام الزوار. ولكن يسمح لهم بمشاهدة الطقوس التقليدية لتناول الطعام التي يؤديها الرهبان خلال احتفالات ذكرى تأسيس المعبد. وكانت هذه المناسبة تقام في 23 و24 يوليو/تموز، إحياء لذكرى وفاة لانشي، غير أنه اعتبارا من عام 2025 نقل موعدها إلى شهر مايو/أيار لتجنب حر الصيف. وفي اليوم الثاني من إحياء الذكرى، يقود كبار رهبان مدرسة كينتشوجي للزن مراسم تذكارية، ثم يجتمع الرهبان الكبار الأربعة مع جميع الرهبان الآخرين لتناول وجبة تقدم مشاركة مع بوذا.
وتعرف هذه المراسم باسم ”يوتسوغاشيرا“، أي ”الرؤوس الاربعة“. وتبدأ الوجبة بصينية تضم أطباقا مثل أرز أكاميشي المطهو مع فاصولياء الأزوكي، والحساء، والمخللات، والسلطة، والتوفو، ويوبا (رقائق التوفو)، ثم تختتم بطقوس احتساء الشاي. ولا يصدر أي شخص حاضر أي صوت، ولا تترك حبة أرز واحدة. وتمثل هذه اللحظات القصيرة من السكون المطبق تجسيدا جليا لروح الزن.
صينية وجبة ”يوتسوغاشيرا“. ويقدم معها حساء بارد (© هارادا هيروشي)
كينتشينجيرو يجسد روح شوجين
لم يقتصر لانشي على تعليم الأسس الروحية لمطبخ شوجين ريوري، بل نقل أيضا مجموعة من الأطباق التي تعتمد على أساليب طهي صينية، مثل القلي السريع. ومن أبرز هذه الأطباق حساء يعرف باسم ”كينتشينجيرو“، والذي يبدو أن اسمه مشتق من اسم المعبد نفسه. وقد نقل الرهبان الذين تلقوا تدريبهم في معبد كينتشوجي هذا الطبق إلى خارج المعبد، ليصبح مع مرور الزمن واحدا من الأطباق المنزلية الشائعة في مختلف أنحاء اليابان.
يعد الحساء من خضروات مقطعة مثل جذور الأرقطيون، حيث تقلى أولا ثم تسلق، وتنكه بصلصة الصويا أو الميسو، قبل إضافة التوفو أو الخضروات الورقية. أما الطريقة الأصلية المتبعة في معبد كينتشوجي، فتقضي بتفتيت التوفو عند إضافته إلى الحساء. وتروي الحكاية المرتبطة بهذه الطريقة أن أحد الرهبان المتدربين أسقط قطعة التوفو التي كان ينوي استخدامها، فوبخه لانشي على احتمال إهدارها، ثم التقطها وأضافها إلى الحساء.
وهناك رواية أخرى حول أصل الاسم، تربطه بطبق يعرف باسم ”كينتشين“، وهو أحد أطباق شوجين ريوري الذي كان يعلم في الصين. ويعد هذا الطبق من التوفو والخضروات المفرومة الملفوفة في رقائق يوبا ثم المقلية. ومن المحتمل أن يكون حساء كينتشينجيرو قد نشأ بوصفه نسخة حساء مستوحاة من ذلك الطبق. وعلى أي حال، يبدو أن الحساء ابتكر بوصفه وسيلة فعالة للاستفادة من جميع أجزاء الخضروات والحد من هدر الطعام.
ولكن ماذا عن المذاق؟ لا يضم معبد كينتشوجي مكانا مخصصا لتناول الطعام للزوار، غير أن مقهى ”تينشينأن“ المجاور له يقدم حساء كينتشينجيرو وفقا لوصفة وضعها كبير كهنة المعبد يوشيدا شودو. ويعد الحساء بالكامل من مكونات نباتية، لكن مرق فطر الشيتاكي الغني مع زيت السمسم يمنحانه نكهة عميقة وغنية. وتقدم معه كرة من الأرز المملح تنسجم معه بصورة مثالية، وقد أنهيت الوعاء حتى آخر قطرة.
عندما تمتلئ الروح بالسكينة بعد زيارة المعبد، وتمتلئ المعدة بحساء كينتشينجيرو، تتولد مشاعر الامتنان للطعام بصورة طبيعية. عندها أطبق كفي مع بعضهما بعضا وأعبر عن شكري بروح ”غوكان نوغي“.
يقدم مقهى ”تينشينأن“، الواقع أمام بوابة معبد كينتشوجي، حساء كينتشينجيرو التقليدي. ويزين سلطانية الحساء المطلية باللك كتابة بخط يد كبير الكهنة يوشيدا (© هارادا هيروشي)
تطل النوافذ على قاعة التأمل في المعبد، وتتيح مشاهدة منظر أخاذ (© هارادا هيروشي)
يقدم المقهى أيضا أطباق الكاري والحلويات المعدة من مكونات محلية. ويستحق الزيارة بعد أداء الصلاة في المعبد (© هارادا هيروشي)
(تم نشر النص الأصلي باللغة اليابانية في 20 مايو/أيار عام 2026. الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: راهب في معبد كينتشوجي يسير بجوار حقل لفجل الدايكون، © هارادا هيروشي)
كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | أسرار المطبخ البوذي النباتي الذي حافظ على مكانته في اليابان لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
أخبار متعلقة :