يُعدّ كوميا ياسوماسا كنزًا وطنيًا حيًا في فن الصباغة الياباني إيدو كومون، وهو أسلوب تقليدي يعتمد على قوالب محفورة يدويًا لإنتاج زخارف دقيقة ومتناهية التعقيد. ويجسّد عمله استمرار هذا الفن العريق الذي نشأ في حقبة إيدو، حيث تتطلّب تقنياته مهارة فائقة وصبرًا طويلًا للحفاظ على جمال التفاصيل واتساق الأنماط.
تقليد في فن الصباغة يرفع من شأن من يرتديه
يعود أصل صباغة ”إيدو كومون“ إلى زيّ ”كاميشيمو“ الرسمي الذي كان يرتديه محاربو الساموراي في عصر إيدو (1603–1868). فمن بعيد يبدو القماش المصبوغ بلونٍ واحد متجانس، لكن عند الاقتراب تتكشف زخارف دقيقة للغاية ذات نقوش متكررة تحمل إيقاعًا هادئًا وأناقة متوارية.
ويقول الحرفي المعلم كوميا ياسوماسا ”لا ينبض ”إيدو كومون“ بالحياة إلا عندما يرتديه شخص ما“. ويضيف قائلًا ”يكمن جماله في الطريقة التي يرفع بها من شأن من يرتديه. وهذا أيضًا ما يجعله الأمر صعبًا ومهيبًا إلى هذا الحد“.
والسيد كوميا هو الرئيس من الجيل الثالث لمشغل صباغة في حي كاتسوشيكا بطوكيو، وكان له دور محوري في تطوير فن ”إيدو كومون“. وفي عام 2018، أصبح ثالث فرد من عائلته على التوالي، بعد جده ”كوسوكي“، ووالده ”ياسوتاكا“، يحصل على لقب ”كنز وطني حي“.
يكمن عمق فن ”إيدو كومون“ ودقّته في صباغة لفة كاملة من القماش بزخارف بالغة الدقة باستخدام قوالب محفورة يدويًا. وتتطلّب هذه العملية مستوى من الإتقان لا يسمح بأي خطأ.
ويشرح السيد كوميا ذلك قائلًا ”حتى الفروق الطفيفة جدًا في ضغط اليد أو في حالة المواد تؤدي إلى تغيّر في حجم كل نقطة“. ويضيف ”لهذا السبب لا تكون الزخارف التي صبغها والدي مطابقة تمامًا لتلك التي أنفذها أنا. كما أن حفر القوالب يتم بفوارق تُقاس بالميليمتر، وهناك أجزاء يعتمد فيها المرء اعتمادًا كاملًا على الحدس. ومن الطبيعي أن يختلف المنتج النهائي من حفّار قوالب إلى آخر“.
لذلك يمكن أن تبدو النتيجة النهائية مختلفة تمامًا، حتى عند استخدام الزخرفة التقليدية نفسها، وذلك تبعًا لحرفيّ الصباغة وحفّار القوالب.
نمط متماثل على شكل جلد القرش من زخرفة ”كومون“ تم استخدامه من قبل فرع ”كيي“ من شوغونية ”توكوغاوا“. تظهر النقاط في الجهة اليمنى متباعدة بتساوٍ، بينما تبدو في الجهة اليسرى متفاوتة قليلًا، وهو ما يبين كيف تنتج القوالب المختلفة نتائج متميزة. (© موري ماساتوشي)
زخارف أدقّ من رأس إبرة
تبدأ عملية صناعة قماش ”إيدو كومون“ بإعداد معجون عازل مصنوع من الأرز اللزج والجير. حيث يُمدّ القماش فوق طاولة عمل طويلة، ثم يُوضع القالب فوقه، ويُطبَّق المعجون في خطوة تُعرف باسم ”كاتاتسوكي“. وتحدّد هذه العملية الأجزاء التي ستمتصّ الصبغة وتلك التي لن تمتصّها. وبعد ذلك يُفرَش اللون الأساسي على كامل السطح، ثم يُبخَّر القماش لتثبيت الصبغة، ويُغسل ويُجفَّف ويتم الانتهاء من تجهيزه، قبل إجراء تعديلات طفيفة في المرحلة الأخيرة.
ومن بين هذه المراحل، تُعدّ مرحلة ”كاتاتسوكي“ ذات أهمية خاصة. إذ يجب محاذاة قالب يبلغ طوله نحو عشرين سنتيمترًا وتطبيقه مرارًا وتكرارًا بحيث يستمرّ النقش بانسياب تام عبر ما يقارب 13 مترًا من القماش. كما ينبغي وضع المعجون بقوة نابعة من كامل الجسد، بصورة متساوية، ومن دون أي بُقع.
وتتجلّى براعة السيد كوميا على نحوٍ أوضح في زخارف ”رينجي“ (شبكة الشرائح). فقد استُلهم هذا النمط من الشرائح الخشبية الرفيعة المستخدمة في النوافذ والفتحات العلوية التقليدية، ويتكون من خطوط فائقة الدقّة متراكبة في طبقات متعددة، مما يخلق إحساسًا خافتًا بالعمق والحركة. وتُعد أعماله في ”رينجي“ على نطاق واسع ذروة هذا الفن.
لفة قماش بزخارف ”رينجي“. يحتوي كل مربع على خطوط دقيقة للغاية تكاد لا تُرى بالعين المجردة. (© موري ماساتوشي)
يشرح السيد كوميا طريقة العمل قائلًا ”يتطلّب نمط ”رينجي“ إدخال أكثر من أربعين خطًا في مساحة لا تتجاوز ثلاثة سنتيمترات“. ويضيف أيضًا ”وهذا يعني أن كل خط أدقّ من رأس الإبرة. وبما أنّ الزخرفة تُصبغ بصورة متماثلة على الجانبين، فيجب أن تتطابق القوالب تمامًا من الأمام والخلف. إن حفر القالب وتطبيقه على القماش يتطلّبان دقّة استثنائية. إنه عمل بالغ الصعوبة يستدعي تركيزًا مطلقًا، فهي مسألة حياة أو موت“.
ولا يمكن إنتاج قماش ”إيدو كومون“ الأصيل ما لم يكن كل عنصر من عناصر العملية من مهارة الصباغة، وحفر القوالب، وورق ”واشي“ التقليدي، والمعجون، والفُرَش على أعلى مستوى من الجودة. ولهذا كرّست عائلة السيد كوميا نفسها لا للصباغة فحسب، بل أيضًا لجمع القوالب وحفظها وتدريب حفّاريها.
القوالب هي مفتاح بقاء هذا الفن
لقد بدأ السيد كوسوكي، مؤسس مشغل كوميا من الجيل الأول، دراسة فن ”كاتاتسوكي“ في سن الحادية عشرة على يد أسانو موجورو، وهو فنان صباغة قماش ”كومون“ مشهور في حي أساكوسا بطوكيو. وبعد إتمام فترة تدريبه، تجول كوسوكي بين المشاغل في مختلف أنحاء اليابان لصقل مهاراته، قبل أن يؤسس مشغله الخاص عام 1907.
وفي ذلك الوقت، بدأ الحرفيون يتجهون إلى استخدام الأصباغ الاصطناعية المستوردة. فطوّر كوسوكي تقنيات جديدة باستخدام هذه الأصباغ، وسرعان ما حظي بالاعتراف بوصفه خبيرًا في فن ”كاتاتسوكي“. وعندما تم منحه لقب ”كنز وطني حي“، تمت صياغة مصطلح ”إيدو كومون“ لتمييز هذه الأنماط الدقيقة للغاية عن أنماط كومون الأخرى المصبوغة بالقوالب.
قالب محفور يدويًا بدقة متناهية تكاد تجعله شفافًا. (© موري ماساتوشي)
ويقول السيد كوميا ”سمعت أنه خلال الحرب العالمية الثانية كان جدي يقول إننا سنتمكن بطريقة ما من الاستمرار ما دمنا نملك القوالب. فقد كان ينام واضعًا القوالب إلى جانب وسادته، وعندما كانت صفارات الإنذار من الغارات الجوية تدوي، كان يفرّ إلى الملجأ وهو يحتضنها. كما كان يقول إنه إذا توافر أي قدر من المال الفائض، فينبغي طلب حفر قالب إضافي واحد على الأقل. ولا شكّ أنه كان عازمًا على حماية ثقافة فن ”إيدو كومون“.
كيمونو صيفي من الحرير بصنوع بطريقة ”إيدو كومون“ يحمل تصميم ”ناشي نو كيريكوتشي“ (مقطع عرضي للإجاص)، يمزج بين التقنيات التقليدية والزخارف الحديثة. (الصورة مقدمة من وكالة الشؤون الثقافية)
لقد تدرّب ياسوتاكا، ابن كوسوكي، تحت إشراف والده الصارم، وأصبح الرئيس من الجيل الثاني لمشغل كوميا. وعمل مع حرفيي الورق الياباني التقليدي ”واشي“ على تحسين جودة الورق المستخدم في صناعة القوالب، وعلى إحياء زخارف ”كومون“ التقليدية. فبقاء فن ”إيدو كومون“ يعتمد على القوالب، والقوالب لا يمكن صنعها من دون ورق ”واشي“ عالي الجودة.
تفاصيل كيمونو ”إيدو كومون“ بتصميم ”غوكو-سامي“. من بين أنماط جلد القرش، يعتبر نمط ”غوكو-سامي“ الأكثر رقة وأناقة. تم عرضه في الدورة الثامنة والأربعين لمعرض اليابان لفنون المنسوجات التقليدية. (الصورة مقدمة من جمعية الحرف اليابانية)
نقل روح الأصالة
بالنسبة إلى ياسوماسا، فقد كان تولّي حرفة العائلة خيارًا طبيعيًا. حيث بدأ فترة تدريبه تحت إشراف والده عام 1972 بعد إتمامه المرحلة الإعدادية.
ويقول ياسوماسا ”لقد قال لي والدي إن عليّ أن أتقن جميع جوانب هذا الفن قبل أن أبلغ الأربعين. وأتذكّر أنني في سن الخامسة والثلاثين، شعرت بأنني تعلّمت كل ما أحتاج إلى معرفته. كانت تلك نقطة الذروة بالنسبة لي. ومنذ ذلك الحين، ومع مرور كل عام، انصبّ تركيزي على التعمق في هذا الفن“.
وعلى غرار والده وجدّه، انخرط بنشاط في صون المواد ورعاية الحرفيين، فتعلم عن الورق الياباني التقليدي ”واشي“ والمعجون والقماش، وعمل عن كثب مع حفّاري القوالب. كما قام بإنجاز قوالب ”رينجي“ من خلال نقاشات متكررة وتجارب ومحاولات مع حفّار القوالب ماسوي إيبّي وآخرين، وهم أساتذة في حرفتهم، وقد تقدّم بهم العمر كثيرًا اليوم.
تحمل هذه اللفة من القماش اسم حفّار القوالب ماسوي إيبّي. (© موري ماساتوشي)
غير أنّ الوضع اليوم يزداد هشاشة كما يشير كوميا. إذ يقول ”لم نعد قادرين على الحصول على ورق ”واشي“ عالي الجودة اللازم لصناعة القوالب. إن ”واشي“ الذي بذل والدي جهدًا كبيرًا في تطويره لم يعد متاحًا. فالحرفيون قد رحلوا. وأنا أشارك شخصيًا في مبادرات مختلفة لإحياء المهارات والمواد الأساسية المطلوبة لإنتاج القوالب، ولا سيما من خلال جمعية الحفاظ على قوالب إيسي، لكن للأسف لم يعد بالإمكان إنتاج قوالب ”رينجي“. وإذا استمرّ الحال على هذا المنوال، فقد لا يطول الوقت قبل أن يختفي فن ”إيدو كومون“ نفسه“.
كيمونو ”تسوكيبوري كومون كوميتشيغاي رينجي“ ذائع الصيت على نطاق واسع. (الصورة مقدمة من المتحف الوطني للفن الحديث في كيوتو)
يتحمّل السيد كوميا أيضًا مسؤولية نقل مهارات فن ”إيدو كومون“ إلى الجيل التالي، أي إلى ابنيه ياسويوشي وكوهي.
كوهي الابن الثاني للسيد كوميا، منغمس تمامًا في عمله داخل المشغل. (© موري ماساتوشي)
يقول السيد كوميا ”إن الحفاظ على التقاليد لا يعني التمسّك بالأساليب القديمة بعناد. إن عملنا يشهد تغيّرات دقيقة ويتطوّر على أساس يومي. فنحن نكيّف تقنياتنا وموادنا مع روح العصر، بحيث يكون ما ننتجه اليوم دائمًا في طليعة هذا الفن. وبعبارة أخرى، فإن أهم ما ينبغي نقله من جيل إلى جيل هو روح الأصالة، أي العقلية التي تقدّر التميز في الحِرفيَّة. وما دامت هذه الروح باقية، فإن سائر الأمور ستكون على ما يرام من تلقاء نفسها“.
ويعكس هذا الشعور رغبته العميقة لا في إبقاء تقليد العائلة حيًا فحسب، بل في إدراك جوهره إدراكًا كاملًا، ونقله إلى المستقبل.
كتاب نماذج مصنوع من قصاصات أعمال سابقة. (© موري ماساتوشي)
ويشير السيد كوميا إلى أنه يمكن اليوم العثور في الأسواق على قماش ”كومون“ مصنوع آليًا، غير أن مثل هذه المنتجات تبدو مسطّحة على نحو متجانس، وتفتقر إلى الحيوية الدقيقة التي لا يمكن أن يهبها سوى العمل اليدوي.
لقد تطوّرت المهارات التي حملتها أجيال من الأساتذة الحرفيين في عائلة كوميا كما لو كانت تيارًا متصلًا، يكاد يبدو وكأن شخصًا واحدًا ظلّ يصقلها ويطوّرها عبر الأجيال. ويجسّد السيد كوميا ياسوماسا هذه الفلسفة في إجابته عن سؤال حول ما يأمل في ابتكاره بعد ذلك.
حيث يقول ”إن مسؤولياتي بوصفـي كنزًا وطنيًا حيًا لا تتعلّق كثيرًا بإبداع أعمال محدّدة، بل تتركّز على تطوير التقنيات بحيث يمكن نقلها إلى الأجيال القادمة. إن التقليد يشبه جدولًا يربط بين الأفراد المنخرطين فيه، بل ويتجاوزهم في نهاية المطاف. أما الأفكار الجديدة حول ما ينبغي تجربته بعد ذلك فتتولّد لدي بصورة طبيعية في ممارستي اليومية. وعملنا ليس سوى تراكم لهذه الرؤى الصغيرة“.
داخل المشغل. (© موري ماساتوشي)
(النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية. الحوار والنص بقلم سوغيهارا يوكا و”باور نيوز“. صورة العنوان الرئيسي: السيد كوميا ياسوماسا، وخلفه نمط من قوالب ”إيدو كومون“. © موري ماساتوشي)
كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | كوميا ياسوماسا… حين تتجدد براعة فنون الصباغة اليابانية الخالدة لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
أخبار متعلقة :