اخبار العالم / اخبار اليابان

اليابان | تاكاياناغي كينجيرو... الأب الروحي للتلفزيون في اليابان ورائد الشاشات الإلكترونية

  • اليابان | تاكاياناغي كينجيرو... الأب الروحي للتلفزيون في اليابان ورائد الشاشات الإلكترونية 1/11
  • اليابان | تاكاياناغي كينجيرو... الأب الروحي للتلفزيون في اليابان ورائد الشاشات الإلكترونية 2/11
  • اليابان | تاكاياناغي كينجيرو... الأب الروحي للتلفزيون في اليابان ورائد الشاشات الإلكترونية 3/11
  • اليابان | تاكاياناغي كينجيرو... الأب الروحي للتلفزيون في اليابان ورائد الشاشات الإلكترونية 4/11
  • اليابان | تاكاياناغي كينجيرو... الأب الروحي للتلفزيون في اليابان ورائد الشاشات الإلكترونية 5/11
  • اليابان | تاكاياناغي كينجيرو... الأب الروحي للتلفزيون في اليابان ورائد الشاشات الإلكترونية 6/11
  • اليابان | تاكاياناغي كينجيرو... الأب الروحي للتلفزيون في اليابان ورائد الشاشات الإلكترونية 7/11
  • اليابان | تاكاياناغي كينجيرو... الأب الروحي للتلفزيون في اليابان ورائد الشاشات الإلكترونية 8/11
  • اليابان | تاكاياناغي كينجيرو... الأب الروحي للتلفزيون في اليابان ورائد الشاشات الإلكترونية 9/11
  • اليابان | تاكاياناغي كينجيرو... الأب الروحي للتلفزيون في اليابان ورائد الشاشات الإلكترونية 10/11
  • اليابان | تاكاياناغي كينجيرو... الأب الروحي للتلفزيون في اليابان ورائد الشاشات الإلكترونية 11/11

قبل 100 عام، نجح الدكتور في الهندسة تاكاياناغي كينجيرو (1899–1990) في تحقيق أول عرض إلكتروني للصور في العالم، فاتحًا الطريق أمام تقنيات تطورت لاحقًا من أجهزة التلفزيون إلى الهواتف الذكية الحديثة. وفي هذه المقالة، نتتبع مسيرة الابتكار لهذا الرجل الذي لُقّب بـ«الأب الروحي للتلفزيون»، ودوره في وضع الأسس لعصر الصورة الإلكترونية.

اختراع نظام عرض بصري مازال يُستخدم حتى في القرن الحادي والعشرين

”عندما نظرتُ داخل جهاز الاستقبال، رأيتُ حرف الكاتاكانا ”イ“ ظاهرًا على الشاشة بوضوح من دون أن يتشوّه. اندفعتُ خارج الغرفة المظلمة، وناديتُ بصوت عالٍ المساعدين والأساتذة ليشاهدوا ذلك. لقد غمرتنا فرحة عارمة، إذ شعرنا أننا شهدنا ولادة أول صورة تلفزيونية“. (من كتاب ”بدايات التلفزيون“)

لقد قام تاكاياناغي كينجيرو لاحقًا بتدوين هذه اللحظة التي نجح فيها عام 1926 في عرض الصور باستخدام الإلكترونات (جسيمات تحمل شحنة كهربائية)، في سابقة هي الأولى من نوعها عالميًا. ورغم أنه كان آنذاك أستاذًا مساعدًا في معهد هاماماتسو العالي للتقنية (كلية الهندسة حاليًا في جامعة شيزوكا)، وعمره لم يكن يتجاوز 27 عامًا، إلا أن كلماته تنقل بوضوح حماسة الباحث الشاب واندفاعه. وقد أسهمت التقنية التي نجح في تطويرها في تلك اللحظة في تمهيد الطريق لظهور التلفزيون، أحد أبرز اختراعات القرن العشرين، كما شكّلت أساسًا لأنظمة عرض الصور المستخدمة حتى اليوم، ليس في أجهزة التلفزيون فحسب، بل أيضًا في شاشات الهواتف الذكية في القرن الحادي والعشرين.

[مبدأ عمل التلفزيون]يتم تقسيم المشهد في جهة التصوير إلى نقاط دقيقة (بكسلات)، ثم يُحوَّل الضوء المنبعث من كل نقطة إلى إشارات كهربائية، ليُعاد تحويلها في جهة الاستقبال إلى ضوء، ومن ثم يُعاد تركيب الصورة من جديد (في نظام الوضوح العالي الشائع حاليًا، يبلغ عدد البكسلات نحو مليوني بكسل بدقة 1920 أفقيًا × 1080 عموديًا). ويُطلق على المسار الذي تسلكه الحزمة الإلكترونية أو الإشارات لإضاءة البكسلات على الشاشة اسم ”خطوط المسح“، ويطابق عددها عدد البكسلات في الاتجاه العمودي. أما حركة الصورة فيُعاد تمثيلها عبر عرض 25 إلى 30 صورة في الثانية (ولا يزال هذا المعدل يتطور حتى وصل إلى 50–60 صورة في الوقت الحالي).
[مبدأ عمل التلفزيون]يتم تقسيم المشهد في جهة التصوير إلى نقاط دقيقة (بكسلات)، ثم يُحوَّل الضوء المنبعث من كل نقطة إلى إشارات كهربائية، ليُعاد تحويلها في جهة الاستقبال إلى ضوء، ومن ثم يُعاد تركيب الصورة من جديد (في نظام الوضوح العالي الشائع حاليًا، يبلغ عدد البكسلات نحو مليوني بكسل بدقة 1920 أفقيًا × 1080 عموديًا). ويُطلق على المسار الذي تسلكه الحزمة الإلكترونية أو الإشارات لإضاءة البكسلات على الشاشة اسم ”خطوط المسح“، ويطابق عددها عدد البكسلات في الاتجاه العمودي. أما حركة الصورة فيُعاد تمثيلها عبر عرض 25 إلى 30 صورة في الثانية (ولا يزال هذا المعدل يتطور حتى وصل إلى 50–60 صورة في الوقت الحالي).

فكرة استخدام أنبوب أشعة الكاثود في التلفزيون

في عشرينيات القرن العشرين، كانت تقنية ”التلفزيون“ التي تتيح نقل الصور وعرضها عن بُعد بشكل فوري تُعد حلمًا علميًا، وشهدت أوروبا والولايات المتحدة أبحاثًا نشطة في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، نجح البريطاني جون لوجي بيرد(*١) في عام 1925 في إجراء تجربة ناجحة على التلفزيون الميكانيكي. ويعتمد هذا النظام الميكانيكي على تدوير قرص يُعرف باسم ”قرص نيبكو“ المثقّب بثقوب صغيرة في جهة التصوير، حيث يتم مسح الصورة وتقسيمها إلى نقاط ضوئية دقيقة، ثم يتم تحويلها إلى إشارات كهربائية يتم نقلها إلى جهاز الاستقبال. وهناك، تُعاد ترجمة هذه الإشارات عبر تغيير شدة إضاءة المصباح بالتزامن مع دوران قرص مماثل بنفس السرعة، مما يسمح بإعادة تركيب الصورة.

التلفزيون الميكانيكي الذي استخدمه جون لوجي بيرد، المنحدر من اسكتلندا، في تجاربه. اعتمد على قرص ابتكره الألماني باول نيبكو لإجراء عمليتي التصوير والاستقبال معًا (مكتبة الصور العلمية بواسطة Reuters Connect)
التلفزيون الميكانيكي الذي استخدمه جون لوجي بيرد، المنحدر من اسكتلندا، في تجاربه. اعتمد على قرص ابتكره الألماني باول نيبكو لإجراء عمليتي التصوير والاستقبال معًا (مكتبة الصور العلمية بواسطة Reuters Connect)

لكن تاكاياناغي، الذي بدأ أبحاثه حول التلفزيون عام 1923، خلص إلى أن رفع دقة الصورة وتحسين وضوحها أمر يصعب تحقيقه بالأسلوب الميكانيكي، فشرع في البحث عن طريقة مختلفة. وفي العام التالي، أي في عام 1924، توصّل إلى فكرة مفادها أن تطبيق مبدأ أنبوب براون (أنبوب أشعة الكاثود) المُستخدم في قياس الإلكترونات قد يتيح تطوير أجهزة للتصوير والاستقبال في التلفزيون.

وأنبوب براون هو جهاز يعتمد على ظاهرة تفريغ الكهرباء في الفراغ، حيث تتدفق الإلكترونات عند تطبيق جهد عالٍ داخل أنبوب زجاجي مفرّغ من الهواء، وعندما تصطدم هذه الإلكترونات باللوح الزجاجي الأمامي المطلي بمواد فلورية ينبعث الضوء. كما يمكن تغيير اتجاه حزمة الإلكترونات بوضع مغناطيس بالقرب من الأنبوب. وقد تصوّر تاكاياناغي أنه يمكن إطلاق الإلكترونات داخل الأنبوب والتحكم في كميتها عبر تغيير الجهد الكهربائي لتعديل شدة الضوء بين السطوع والخفوت، ثم تحريك الحزمة إلى الأعلى والأسفل واليمين واليسار باستخدام المجال المغناطيسي، وبذلك يمكن رسم الصورة على السطح الفلوري وعرضها.

ولاحقًا، علم تاكاياناغي أن مفهوم التلفزيون الإلكتروني هذا كان قد طُرح في ورقة علمية عام 1911 على يد آلان أرشيبالد كامبل سوينتون(*٢)، فازداد اقتناعًا بصواب فكرته. غير أن أبحاث سوينتون لم تكن قابلة للتطبيق عمليًا في تطوير التقنية، ما اضطره إلى أن يتولى بنفسه العمل على كل التفاصيل من الألف إلى الياء.

وقد سعى تاكاياناغي إلى ابتكار أنبوب براون مخصص للتلفاز، فابتكر مدفعًا إلكترونيًا يطلق جسيمات مستقرة، كما صمّم أقطابًا كهربائية تتحكم في كمية الإلكترونات وفقًا لسطوع الصورة. وبعد سلسلة من التجارب والمحاولات، أنجز في شهر أكتوبر/تشرين الأول 1925 النموذج الأولي بالتعاون مع شركة طوكيو دينكي (توشيبا حاليًا).

ولعرض الصورة باستخدام جهاز الاستقبال القائم على أنبوب براون الذي قام بابتكاره، قرر استخدام قرص نيبكو الميكانيكي وبدأ تركيب الجهاز، نظرًا لأنه لم يكن من الممكن بعد إنجاز جهاز تصوير إلكتروني. وقام باستخدام حرف الكاتاكانا ”イ“، وهو الحرف الأول من الأبجدية اليابانية القديمة، ليكون موضوع التجربة. وبسبب انخفاض حساسية جهاز التصوير، كان لا بد من تسليط إضاءة قوية جدًا، لذا قام باستخدام لوحة من الميكا المقاومة للحرارة كُتب عليها حرف ”イ“ بالحبر.

[مبدأ عمل أنبوب براون الخاص بالتلفزيون] تُغيّر الإلكترونات شدة سطوعها تبعًا لتغيّر الجهد الناتج عن عمل الأقطاب، بينما تتحرك حزمة الإلكترونات إلى الأعلى والأسفل واليمين واليسار بفعل المجال المغناطيسي (الانحراف)، لتُضيء السطح الفلوري وتُشكّل الصورة
[مبدأ عمل أنبوب براون الخاص بالتلفزيون] تُغيّر الإلكترونات شدة سطوعها تبعًا لتغيّر الجهد الناتج عن عمل الأقطاب، بينما تتحرك حزمة الإلكترونات إلى الأعلى والأسفل واليمين واليسار بفعل المجال المغناطيسي (الانحراف)، لتُضيء السطح الفلوري وتُشكّل الصورة

أنبوب أشعة براون الذي طوّره تاكاياناغي كأول نموذج في العالم (يسار، بقطر شاشة يبلغ نحو 13 سنتيمترًا، وعدد خطوط المسح 40 خطًا)، وإلى جانبه لوحة من الميكا كُتب عليها حرف ”イ“ تم استخدامها في تجربة الاستقبال (الصورة مقدّمة من مؤسسة تاكاياناغي كينجيرو)
أنبوب أشعة براون الذي طوّره تاكاياناغي كأول نموذج في العالم (يسار، بقطر شاشة يبلغ نحو 13 سنتيمترًا، وعدد خطوط المسح 40 خطًا)، وإلى جانبه لوحة من الميكا كُتب عليها حرف ”イ“ تم استخدامها في تجربة الاستقبال (الصورة مقدّمة من مؤسسة تاكاياناغي كينجيرو)

وأخيرًا اكتمل الجهاز، ومع تدوير قرص جهاز التصوير الميكانيكي ظهرت الصورة، لكنها كانت تتشوّه عند زيادة سرعة الدوران. لذلك طُبّقت طريقة للتحكم في اتجاه حزمة الإلكترونات داخل أنبوب براون باستخدام نبضات تزامن (موجات تردد) متوافقة مع سرعة دوران القرص. وبهذا أصبح من الممكن عرض حرف ”イ“ بصورة مستقرة من دون تشوّه (بمعدل 14 صورة في الثانية)، ليشهد تلك اللحظة المثيرة التي وردت في مستهل المقال.

وقد تحقّق نجاح هذه التجربة في ليلة الخامس والعشرين من شهر ديسمبر/كانون الأول 1926. وعندما غادر تاكاياناغي الجامعة في وقت متأخر، سمع في الشوارع المتجمّدة نداء باعة الأعداد الخاصة بالصحف، معلنين نبأ وفاة الإمبراطور تايشو. وبمحض صدفة لافتة، في اللحظة التي كانت فيها اليابان على أعتاب بدء عصر جديد هو عصر شووا، كان هو أيضًا يخطو خطوة جديدة نحو المستقبل.

لقد كان تمكُّن تاكاياناغي من إجراء عرض إلكتروني مستقر للصور باستخدام أنبوب براون إنجازًا رائدًا سبق جهود غراي(*٣) وزملائه في مختبرات بيل الأمريكية، وكذلك التجارب التي أجراها فارنزورث(*٤) في الولايات المتحدة، والتي نجح فيها في جعل عمليتي التصوير والاستقبال إلكترونيتين بالكامل (وكلاهما في عام 1927). ومع ذلك، وفي ظل عدم تحوّل الأنظمة الإلكترونية بعد إلى الاتجاه السائد عالميًا في تطوير تقنيات التلفزيون، استمر نقص التمويل لأبحاث تاكاياناغي، بل إن أستاذه نصحه بالتوجّه نحو النظام الميكانيكي، الذي كانت تتم به آنذاك تجارب البث في أوروبا والولايات المتحدة.

ومع ذلك، ظلّ تاكاياناغي مؤمنًا بأن التلفزيون، الذي يتطلّب عرض صوره عمليات معقّدة وسرعة عالية، إنما يكمن مستقبله في النظام الإلكتروني. وفي عام 1930، نجح في تطوير أنبوب براون أكثر سطوعًا بألف مرة، مع توسيع قطر الشاشة إلى نحو 30 سنتيمترًا. وفي العام نفسه، حظي بزيارة من الإمبراطور شووا، فترقّى إلى درجة أستاذ، كما تم اعتماد مشروعه رسميًا من قبل وزارة التعليم، ما أتاح له توظيف أكثر من عشرة باحثين، من بينهم أساتذة مساعدين.

نموذج مُعاد تصميمه لتجسيد جهاز التجربة الذي استخدمه تاكاياناغي كينجيرو عند نجاحه عام 1926 في تحقيق أول عرض إلكتروني للصور في العالم. حيث جرى التقاط حرف ”イ“ بواسطة جهاز تصوير ميكانيكي (يمين) يعتمد على قرص نيبكو، ثم تم عرض الصورة على جهاز استقبال يعمل بأنبوب براون (من محفوظات متحف البث التابع لهيئة الإذاعة اليابانية)
نموذج مُعاد تصميمه لتجسيد جهاز التجربة الذي استخدمه تاكاياناغي كينجيرو عند نجاحه عام 1926 في تحقيق أول عرض إلكتروني للصور في العالم. حيث جرى التقاط حرف ”イ“ بواسطة جهاز تصوير ميكانيكي (يمين) يعتمد على قرص نيبكو، ثم تم عرض الصورة على جهاز استقبال يعمل بأنبوب براون (من محفوظات متحف البث التابع لهيئة الإذاعة اليابانية)

تبادل المعلومات مع المنافسين وإكمال تطوير النظام الإلكتروني الكامل

لقد بدأ تاكاياناغي أبحاثه ضمن إطار تنظيمي جديد، فطوّر دائرة تضخيم لزيادة سطوع الصورة، وابتكر ما عُرف بـ ”طريقة التكامل“ التي تقوم على تخزين الضوء الضعيف مؤقتًا إلى حين عرضه في صورة لاحقة. غير أنه ظل يسعى بإصرار إلى تحويل جهاز الالتقاط إلى نظام إلكتروني بالكامل، وواصل تطويره رغم ما واجهه من صعوبات. وفي خضم ذلك حصل في أواخر عام 1933 على نسخة من صحيفة نيويورك تايمز أفادت بنجاح فلاديمير زفوريكين(*٥) في الولايات المتحدة في تطوير أنبوب تصوير أُطلق عليه اسم ”الأيكونوسكوب“، وهو جهاز يعتمد على خاصية فيزيائية تُعرف بالتأثير الكهروضوئي، حيث تفقد الأجزاء التي تتعرض للضوء داخل الفراغ بعضًا من إلكتروناتها، مما يؤدي إلى ضعف الشحنة الكهربائية فيها. ومن خلال قياس هذا التغير يمكن تحويله إلى إشارات كهربائية تعبّر عن درجات الضوء والظل في الصورة.

كان زفوريكين، المنحدر من أصول روسية، يواصل أبحاثه حول التلفزيون الإلكتروني الكامل بشكلٍ مستقل إلى جانب عمله في شركة ويستينغهاوس الكهربائية الأمريكية. ثم انتقل عام 1930 إلى شركة RCA، وهي إحدى كبرى شركات تصنيع أجهزة الراديو في الولايات المتحدة وكانت تضم تحت مظلتها أيضًا شبكة البث NBC، حيث شرع هناك في تطوير المشروع على نطاق واسع بدعم من الاستثمارات الكبيرة التي خصصها رئيس الشركة ديفيد سارنوف(*٦) لتطوير التلفزيون.

وعندما علم تاكاياناغي بنجاح تطوير ”الأيكونوسكوب“، الذي كان قد سجّل هو نفسه براءة اختراعه من حيث المبدأ والبنية، سافر إلى الولايات المتحدة في صيف عام 1934 ليلتقي بزفوريكين، ليكتشف أن الأخير كان على دراية به مسبقًا. إذ إن تاكاياناغي كان قد حصل منذ عام 1927 على براءات اختراع داخل اليابان لأنبوب براون وأنبوب التصوير، وهو ما أدى لاحقًا إلى عدم اعتماد براءات الاختراع التي تقدم بها زفوريكين في اليابان. ورغم أن الرجلين كانا يُعدّان بمثابة منافسين، فإنهما، في خضم تطويراتهما المنفصلة ومعاناتهما المتشابهة، تبادلا المعلومات وكأنهما صديقان قديمان تجمعهما خبرة طويلة.

ويُروى أن تاكاياناغي شعر في آنٍ واحد بالفرح والحزن عندما رأى أن أنبوب التصوير الذي كان يتصوره قد تحقق بالفعل. غير أنه، وبعد عودته إلى اليابان، قام بتطوير ”الأيكونوسكوب“ اعتمادًا على طريقة التكامل الخاصة به. وتمكّن من إنجاز نظامٍ متكامل يعمل بالكامل بالإلكترونات في كلٍّ من الالتقاط والعرض. وكانت خطوط المسح في الصور التي تُعرض على أنبوب براون قد بلغت سابقًا حدًا أقصى يقارب مئة خط، لكنها ارتفعت إلى أكثر من مئتي خط بعد اعتماد التصوير الإلكتروني أيضًا.

كاميرا (يسار) جرى تطويرها عام 1935 باستخدام ”الأيكونوسكوب“ المُحسَّن، إلى جانب تاكاياناغي (الصورة مُقدَّمة من مؤسسة تاكاياناغي كينجيرو)
كاميرا (يسار) جرى تطويرها عام 1935 باستخدام ”الأيكونوسكوب“ المُحسَّن، إلى جانب تاكاياناغي (الصورة مُقدَّمة من مؤسسة تاكاياناغي كينجيرو)

تاكاياناغي وزفوريكين (يمين). واصل الاثنان تبادل العلاقات والتواصل لفترة طويلة حتى ما بعد الحرب (الصورة مُقدَّمة من مؤسسة تاكاياناغي كينجيرو)
تاكاياناغي وزفوريكين (يمين). واصل الاثنان تبادل العلاقات والتواصل لفترة طويلة حتى ما بعد الحرب (الصورة مُقدَّمة من مؤسسة تاكاياناغي كينجيرو)

توقّف تحقيق البث التلفزيوني العملي بسبب الحرب

في عام 1934، توجّه تاكاياناغي أيضًا إلى أوروبا ليتقصّى واقع تقنيات التلفزيون هناك، كما قام بشرح نتائج أبحاثه للمعنيين في هذا المجال. وفي تلك الفترة كانت موجة التطوير العالمية تشهد تحوّلًا سريعًا من الأنظمة الميكانيكية إلى الأنظمة الإلكترونية، فإلى جانب شركة RCA، عملت شركات مثل تيلفونكن الألمانية وماركوني EMI البريطانية على تصنيع أجهزة الاستقبال بأنابيب براون وأنابيب التصوير من نوع ”الأيكونوسكوب“، وهو ما مهّد لانطلاق البث التلفزيوني الإلكتروني الكامل عبر هيئة الإذاعة البريطانية BBC والتلفزيون الألماني عام 1936، ثم عبر شبكة NBC في الولايات المتحدة عام 1939.

أما في اليابان، فقد قررت هيئة الإذاعة اليابانية (NHK) تنفيذ بث تلفزيوني مباشر خلال أولمبياد طوكيو عام 1940. وفي هذا السياق انتقل تاكاياناغي عام 1937 إلى الهيئة بصفته مدير قسم أبحاث التلفزيون، برفقة زملائه من هاماماتسو، حيث عملوا بوتيرة متسارعة على تطوير الكاميرات المتحركة، وعربات البث، وأجهزة الإرسال، إلى جانب إنشاء محطات البث. وقد بلغت التقنيات التي طوروها آنذاك مستوى وصل فيه عدد خطوط المسح إلى 441 خطًا، مع عرض 25 إلى 30 صورة في الثانية. وفي عام 1939 نجحوا في إجراء اختبار بث بإرسال الإشارة من معهد الأبحاث التقنية في سيتاغايا بطوكيو واستقبالها في مبنى البث الواقع في أوتشيسايوايتشو، الذي كان مقر هيئة الإذاعة اليابانية. كما جرى بين عامي 1939 و1940 عرض البث للجمهور في متاجر كبرى مثل متاجر نيهونباشي الكبرى.

شهدت العروض العامة للبث التلفزيوني التجريبي التي أُقيمت بين عامي 1939 و1940 حضورًا واسعًا من الجمهور (الصورة مُقدَّمة من مؤسسة تاكاياناغي كينجيرو)
شهدت العروض العامة للبث التلفزيوني التجريبي التي أُقيمت بين عامي 1939 و1940 حضورًا واسعًا من الجمهور (الصورة مُقدَّمة من مؤسسة تاكاياناغي كينجيرو)

غير أنه على خلفية العزلة الدولية التي واجهتها اليابان بسبب الحرب الصينية اليابانية، تم إلغاء الألعاب الأولمبية التي كان من المخطط إقامتها في طوكيو، فتوقّف تحقيق البث التلفزيوني العملي. ومع اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة عام 1941، فُرض حظر على استخدام الموجات اللاسلكية وكذلك على مواصلة الأبحاث. وخلال الحرب العالمية الثانية انخرط تاكاياناغي في أبحاث الرادار ضمن صفوف القوات البحرية اليابانية.

وقد انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945، غير أن القيادة العامة لقوات الحلفاء التي تولّت إدارة اليابان بعد الحرب، حظرت أبحاث التلفزيون داخل البلاد باعتبارها مرتبطة بالتقنيات العسكرية. كما صدر أمر يقضي بمنع من كانوا منتمين إلى الجيش من العمل في مؤسسات البث والإعلام، وهو ما دفع تاكاياناغي إلى الانتقال عام 1946 للعمل في شركة نيبون فيكتور.

أول جهاز تلفاز تم إنتاجه بكميات كبيرة داخل اليابان، طرحته شركة هاياكاوا للصناعات الكهربائية (المعروفة حاليًا باسم ”شارب“) عام 1953. استُخدم فيه أنبوب براون مربع بقياس 14 بوصة وفقًا لمواصفات جهاز الاستقبال القياسي التي وضعها تاكاياناغي مع زملائه في ”نادي التلفزيون“ (الصورة مُقدَّمة من شارب = جيجي برس)
أول جهاز تلفاز تم إنتاجه بكميات كبيرة داخل اليابان، طرحته شركة هاياكاوا للصناعات الكهربائية (المعروفة حاليًا باسم ”شارب“) عام 1953. استُخدم فيه أنبوب براون مربع بقياس 14 بوصة وفقًا لمواصفات جهاز الاستقبال القياسي التي وضعها تاكاياناغي مع زملائه في ”نادي التلفزيون“ (الصورة مُقدَّمة من شارب = جيجي برس)

وبعد ذلك تم رفع الحظر عن الأبحاث، فأطلقت هيئة الإذاعة اليابانية عام 1950 بثًا تجريبيًا، وأصبح بإمكان الشركات الخاصة تطوير أجهزة الاستقبال. وفي هذا السياق أسّس تاكاياناغي ”نادي التلفزيون“ (المعروف حاليًا باسم جمعية هندسة المعلومات والوسائط المرئية)، ليكون منصة يجتمع فيها المهندسون من محطات البث والشركات المختلفة لصقل مهاراتهم وتبادل الخبرات متجاوزين الحواجز المؤسسية. وقد واصل جهوده الحثيثة لتحقيق التطبيق العملي حتى انطلاق البث الرسمي عام 1953، ثم بدء البث الملون عام 1960، ليُعرف لاحقًا بلقب ”الأب الروحي للتلفزيون“. وفي عام 1961 تم تكريمه بوصفه أحد رواد التلفزيون في أول مهرجان عالمي للتلفاز نظّمه الاتحاد الدولي للاتصالات، كما مُنح في عام 1981 وسام الثقافة الياباني.

وعلى الرغم من ترقيته إلى منصب نائب الرئيس في شركة نيبون فيكتور، ظلّ تاكاياناغي حاضرًا في ميدان البحث والتطوير، حيث أسهم في رفع كفاءة أجهزة الاستقبال التلفزيوني، كما شارك في تطوير نظام VHS لأجهزة تسجيل الفيديو المنزلية VTR مسهمًا بذلك في انتشار تقنيات الفيديو على مستوى العالم.

استكشاف تقنيات المستقبل حتى سنواته الأخيرة

لقد قمنا حتى الآن باستعراض مسيرة أبحاث تاكاياناغي كينجيرو، غير أن نقطة انطلاقه نحو تطوير التلفزيون تعود إلى كلمات تلقّاها في أيام دراسته في مدرسة طوكيو الصناعية العليا (أصبحت لاحقًا جامعة طوكيو للتكنولوجيا، وتُعرف اليوم باسم جامعة طوكيو للعلوم)، حين أوصاه رئيس قسم الكهرباء فيها، الأستاذ ناكامورا كونو‌سكي، بقوله ”ابحث عمّا سيحتاجه المجتمع بعد عشر أو عشرين عامًا“، وهي النصيحة التي شكّلت الأساس الذي انطلق منه في مسيرته العلمية.

ظلّ تاكاياناغي موجّهًا أنظاره إلى تقنيات المستقبل طوال حياته، ففي محاضرة ألقاها عام 1970 أشار مبكرًا إلى إمكانية استخدام تقنية EL (الانبعاث الكهروضوئي) في أجهزة التلفزيون المسطّحة مستقبلًا. تم التقاط الصورة في عام 1981 عند حصوله على وسام الثقافة (الصورة مُقدَّمة من مؤسسة تاكاياناغي كينجيرو)
ظلّ تاكاياناغي موجّهًا أنظاره إلى تقنيات المستقبل طوال حياته، ففي محاضرة ألقاها عام 1970 أشار مبكرًا إلى إمكانية استخدام تقنية EL (الانبعاث الكهروضوئي) في أجهزة التلفزيون المسطّحة مستقبلًا. تم التقاط الصورة في عام 1981 عند حصوله على وسام الثقافة (الصورة مُقدَّمة من مؤسسة تاكاياناغي كينجيرو)

وقد حمل تاكاياناغي تلك الوصية في قلبه وواصل السعي وراء تقنيات المستقبل، فبعد تخرّجه من مدرسة طوكيو الصناعية العليا، عمل معلّمًا في مدرسة كاناغاوا الصناعية في يوكوهاما (المدرسة الثانوية الصناعية في محافظة كاناغاوا في الوقت الحالي). وفي أثناء ذلك سعى إلى تحديد موضوع أبحاثه من خلال لقاءات مع أساتذة جامعات ومهندسين أجانب، بل وحتى عبر العمل كمتدرّب مهندس كهرباء على متن سفن الملاحة الدولية خلال العطلات الصيفية. وفي خضم هذه التجارب اطّلع على انطلاق البث الإذاعي في الولايات المتحدة عام 1920، فبدأ يحلم بالتقنية التالية، وهي ”الرؤية عن بُعد لاسلكيًا (tele-vision)“، كما اجتهد في تعلّم اللغات ليطّلع على المصادر الأجنبية. وحين عثر في مجلة فرنسية على رسم تخيّلي للتلفاز كان قد تصوّره هو نفسه، أدرك ضرورة ألا تتأخر اليابان عن العالم، فباشر أبحاثه قبل بدء البث الإذاعي في اليابان عام 1925. وفي وقت كانت فيه الأنظمة الميكانيكية هي السائدة، آمن بإمكانات الأنظمة الإلكترونية، وتمكّن بفضل جهوده الدؤوبة من تحقيق عرض الصور باستخدام الإلكترون، ما أسهم في إحداث قفزة نوعية في تطور تقنيات التلفزيون.

وفي سنواته الأخيرة، أشار تاكاياناغي إلى حدود تقنية عرض الصور باستخدام أنبوب براون التي كان هو نفسه قد مهّد الطريق لها، مؤكّدًا الحاجة إلى تطوير شاشات إلكترونية جديدة. ومن خلال مؤسسة تاكاياناغي كينجيرو التي أسّسها اعتمادًا على عائدات براءات اختراعه، واصل دعم الباحثين الشباب، داعيًا إياهم إلى تجاوز إنجازاته الخاصة، وهو ما مهّد الطريق لاحقًا لتطوير تقنيات عرض الصور الحديثة مثل شاشات الكريستال السائل (LCD) وشاشات OLED العضوية التي تُعد اليوم من التقنيات السائدة.

وانتقلت إنجازاته البحثية إلى تقنيات ”هاي فيجن“ ثم إلى الصور فائقة الدقة ”4K“ و”8K“، كما تطوّرت لتشكّل الأساس التقني للأجهزة المعلوماتية الحديثة مثل الهواتف الذكية والحواسيب. وهكذا لم تقتصر ابتكارات تاكاياناغي على تحقيق رؤية تمتد لعشرة أو عشرين عامًا فحسب، بل تجاوزت ذلك لتستمر حتى يومنا هذا بعد مرور قرن كامل، حيث ما تزال إسهاماته التقنية تدعم الركائز الأساسية لمجتمع المعلومات.

المراجع الأساسية

  • تاكاياناغي كينجيرو ”بدايات التلفزيون: اليوم الذي ظهر فيه حرف ”イ““ (دار يوهيكاكو للنشر، 1/1986)
  • تاكاياناغي كينجيرو ”سيرتي المهنية“ (صحيفة نيهون كيزاي شيمبون، 2/1982)
  • جمعية أبحاث الإدارة الجديدة ”أرشيف FMT، مسيرة الابتكار في اليابان 10، ظهور حرف ”イ“! أعظم لحظة تأثر في حياته – تاكاياناغي كينجيرو“ (جمعية أبحاث الإدارة الجديدة، 1/2014)
  • سوئيماتسو ياسوهارو ”تطوّر جهاز عرض الصور الإلكترونية ليصبح جهازًا أساسيًا في تقنيات المعلومات والاتصالات – أول عرض إلكتروني لحرف ”イ“ على أنبوب براون في مرحلة الريادة التلفزيونية على يد تاكاياناغي كينجيرو وتأثيره“، الصفحات 1564-1568 من العدد 11 من المجلد 59 لـ ”مجلة جمعية هندسة المعلومات والوسائط المرئية“، (11/2005)

(*١) ^ جون لوجي بيرد (John Logie Baird)

(*٢) ^ آلان آرتشيبالد كامبل سوينتون (Alan Archibald Campbell-Swinton)

(*٣) ^ فرانك غراي (Frank Gray)

(*٤) ^ فيلو فارنسورث (Philo Farnsworth)

(*٥) ^ فلاديمير زفوريكين (Vladimir Zworykin)

(*٦) ^ ديفيد سارنوف (David Sarnoff)

كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | تاكاياناغي كينجيرو... الأب الروحي للتلفزيون في اليابان ورائد الشاشات الإلكترونية لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

Advertisements

قد تقرأ أيضا