لا أحد يرفض أن يتوقف الموت، وأن تصمت البنادق، وأن يعود البسطاء إلى ديارهم. لا أحد يستمتع بآهات الضحايا، ولا يرغب في أن تطول سنوات اليتم والترمل والتشرد.
الجميع ينشد السلام، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: على أي أسس سيقوم هذا السلام؟ وهنا مربط الفرس وأصل الخلاف.
استهجن البعض تصريحات حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، وقرأوها باعتبارها اقتراب من الموقفين الغربي والأمريكي المتعلقين بمبادرة هدنة الـ(90) يوماً، غير أن قراءة متأنية لطرحه تفتح باب لنقاش أعمق؛ فالقضية ليست رفض الهدنة أو التمسك باستمرار الحرب، وإنما في الأسس التي تقوم عليها، والنتائج التي يمكن الوصول إليها من خلالها.
هل ستكون هدنة إنسانية تمهد لسلام حقيقي، أم مجرد استراحة عسكرية تستغلها المليشيا لإعادة ترتيب صفوفها وتعويض خسائرها؟ وهل تنتهي الهدنة بانسحاب القوات من المناطق التي سيطرت عليها، ومعالجة قضية السلاح خارج مؤسسات الدولة، وعودة النازحين إلى ديارهم، أم تكتفي بتجميد القتال، وتترك أسباب الحرب قائمة تنتظر لحظة الانفجار التالية؟
في السودان، كلما اتجهنا غرباً، ارتفعت التكلفة السياسية لإنهاء الحرب. فالمرارات التي خلفتها المعارك في الخرطوم ليست هي ذاتها التي تراكمت في الفاشر، والذاكرة الجماعية هنا لا تختزن المآسي نفسها التي تختزنها هناك.
في دارفور، لم تبدأ المآسي في أبريل 2023، بل هي امتداد لسنوات طويلة من القتل والنزوح والتهجير، والصراع على الأرض والموارد والهوية.
هناك، لا تتعلق قضية السلام بتوقف القتال وحده، وإنما تمتد إلى حقوق الأرض والملكية، وإعادة النازحين إلى قراهم، ومعالجة آثار التغيير الديموغرافي والاستيلاء على ممتلكات السكان، وهي ممارسات لم تقتصر على المجموعات الأفريقية فحسب، بل طالت مجموعات عربية، من بينها المحاميد.
ولهذا، فإن تكلفة السلام في السودان اليوم ليست هي ذاتها في مايو 2023، تاريخ أول هدنة. فمنذ ذلك التاريخ، اتسع الدمار، وتضاعفت أعداد الضحايا والنازحين، وتعقدت كل القضايا.
والسودانيون فهموا حقيقة الأمر، وهي أن الحرب ليست صراع داخلي، وإنما صراع دولي وإقليمي تقاطع مصالح حول الموارد والساحل، وأهمية الموقع الجيوسياسي للسودان، بوصفه يربط بين الدول الحبيسة في أفريقيا والموانئ السودانية على ساحل البحر الأحمر.
من هنا، تتجاوز تكلفة السلام مجرد هدنة أو وقف لإطلاق النار، إلى فرض سيادة الدولة السودانية على كامل أراضيها، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وتعويض المتضررين، وإعادة إعمار البنية التحتية التي دمرتها الحرب، وإنهاء ظاهرة الجيوش الموازية، وتجفيف مصادر تمويل المليشيات المسلحة الخارجة عن الدولة، ضمن ترتيبات أمنية وسياسية واضحة وقابلة للتنفيذ.
فالهدنة تستطيع أن توقف إطلاق النار، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة بيت إلى صاحبه، أو تعويض أم فقدت أبناءها، أو إزالة الخوف من ذاكرة طفل ولد في معسكر للنزوح. وتلك هي المسافة الشاسعة بين وقف الحرب وبناء السلام.
وفي تقديري، يمكن فهم تصريحات مني أركو مناوي، خلال لقائه المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، من هذه الزاوية.
محبتي واحترامي
هبة علي
محررة بكوش نيوز تهتم بشتى جوانب الحياة في السودان والاقليم، تكتب في المجال الثقافي والفني، معروفة بأسلوبها السلس والجاذب للقارئ.
كانت هذه تفاصيل خبر رشان أوشي تكتب : هذا ما يقصده مناوي! لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على كوش نيوز وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
