ابوظبي - سيف اليزيد - هالة الخياط (أبوظبي)
يشكّل تخصيص عام 2026 «عام الأسرة» محطة مفصلية في مسار السياسات الاجتماعية والتنموية في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تتكامل الجهود الحكومية لترسيخ مكانة الأسرة بوصفها نواة المجتمع ومحور استدامته. وفي صميم هذا التوجه، يبرز قطاع الإسكان كأحد أكثر القطاعات التصاقاً بحياة الأسرة اليومية، لما له من دور مباشر في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، ودعم جودة الحياة، وتهيئة بيئة معيشية آمنة ومستدامة.
ولا ينفصل الاهتمام بالإسكان في الإمارات عن الرؤية الشاملة التي تنتهجها الدولة، والتي تنظر إلى المسكن باعتباره أكثر من بنية تحتية، بل هو فضاء اجتماعي يحتضن الأسرة، ويمكّنها من النمو والتماسك، ويسهم في بناء مجتمع متوازن وقادر على مواجهة التحديات المستقبلية.
ويتصدر ملف إسكان المواطنين الأولويات الوطنية لدولة الإمارات، حيث يحظى هذا الملف بدعم ومتابعة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وإخوانهما أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد، حكام الإمارات، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، وذلك ضمن رؤية استراتيجية تحرص على تعزيز منظومة الاستقرار الأسري، ورفع مستوى المعيشة والحياة الكريمة للمواطنين.
إطار وطني
ويأتي «عام الأسرة» ليعزّز مساراً قائماً، لا ليؤسّسه من جديد، إذ لطالما شكّل الإسكان أولوية ضمن السياسات الوطنية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الاستقرار السكني هو المدخل الطبيعي للاستقرار الأسري. وخلال هذا العام، يكتسب هذا التوجه بعداً أعمق، حيث يُعاد تسليط الضوء على العلاقة التكاملية بين السكن وجودة الحياة، بوصفها أساساً لبناء أسرة متماسكة ومجتمع مزدهر.
وتؤكد الرؤى والاستراتيجيات الوطنية أن توفير السكن المناسب لا يُقاس بعدد الوحدات السكنية فحسب، بل بمدى قدرتها على تلبية احتياجات الأسرة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، وعلى خلق بيئة داعمة للترابط الأسري والانتماء المجتمعي.
السكن الآمن
وتجمع الدراسات الاجتماعية والتجارب الواقعية على أن المسكن الآمن والمستقر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في استقرار الأسرة. فغياب الاستقرار السكني غالباً ما ينعكس ضغوطاً نفسية واقتصادية، تؤثر في العلاقات الأسرية وجودة الحياة. ومن هنا، حرصت الجهات المعنية بالإسكان في الدولة على تطوير سياسات تعالج هذا الجانب بعمق، من خلال توفير حلول سكنية طويلة الأمد، تقلّل من القلق المرتبط بالسكن، وتمنح الأسرة شعوراً بالطمأنينة والاستقرار.
ويُنظر إلى المسكن في هذا السياق كمساحة حاضنة للقيم الأسرية، ومكان يتيح للأفراد بناء روابطهم الاجتماعية، ويعزز الإحساس بالخصوصية والأمان، وهو ما ينسجم مع أهداف «عام الأسرة» في دعم التماسك الأسري.
سياسات إسكانية
وشهدت بنية الأسرة الإماراتية، كما هو الحال عالمياً، تحولات اجتماعية واقتصادية انعكست على احتياجاتها السكنية. واستجابة لذلك، عمل قطاع الإسكان على تحديث سياساته ومعاييره، بما يراعي تنوّع أحجام الأسر، واختلاف مراحلها العمرية، وتغيّر أنماط الحياة. وشملت هذه السياسات تطوير نماذج سكنية مرنة، وتصاميم قابلة للتكيّف مع نمو الأسرة، إلى جانب اعتماد معايير تخطيط عمراني توازن بين الخصوصية الأسرية والانفتاح المجتمعي. ويعكس هذا التوجه فهماً متقدماً لدور الإسكان في دعم استقرار الأسرة على المدى الطويل، لا كحل مرحلي أو مؤقت.
مبادرات إسكانية ودعم اجتماعي
وفي إطار الاهتمام بالأسرة، أطلقت الجهات المختصة بالإسكان مبادرات وبرامج تستهدف تمكين الأسر من الحصول على سكن مناسب، مع تركيز خاص على فئة الشباب المقبلين على الزواج، والأسر الناشئة. وتتنوّع هذه المبادرات بين برامج تمويلية ميسّرة، ومشاريع إسكانية مدعومة، وخيارات سكنية تراعي التوازن بين التكلفة وجودة المعيشة، بما يخفّف الأعباء الاقتصادية عن الأسرة، ويمنحها فرصة التخطيط لمستقبلها بثقة واستقرار.
إنجازات استثنائية
وشهد قطاع إسكان المواطنين خلال السنوات القليلة الماضية إنجازات استثنائية، تُوّجت خلال العام الماضي «عام المجتمع»، بمشاريع نوعية استهدفت تعزيز بناء واستقرار الأسرة الإماراتية وترسيخ التماسك المجتمعي. وتضافرت الجهود الاتحادية والمحلية لترسيخ الاستقرار السكني كأحد أعمدة جودة الحياة. وفي هذا الإطار، برزت إمارة أبوظبي كنموذج متقدم في حجم الدعم وفعاليته، عبر ضخ أكثر من 15 مليار درهم في منافع إسكانية مباشرة، وصلت إلى أكثر من 10 آلاف أسرة، في تجسيد عملي لسياسة تنموية تضع المواطن في قلب التخطيط وصناعة القرار. وعلى المستوى الاتحادي، واصلت برامج الإسكان تحقيق نتائج متقدمة، حيث تجاوزت القيمة التراكمية للدعم الإسكاني المقدم للمواطنين مئات المليارات من الدراهم، وأسهمت في رفع معدلات تملّك المواطنين للمساكن إلى مستويات من بين الأعلى عالمياً.
المجتمعات السكنية
ولم يعُد التركيز في المشاريع الإسكانية الحديثة مقتصراً على الوحدة السكنية بحد ذاتها، بل امتدّ ليشمل مفهوم المجتمع السكني المتكامل. وقد تبنّت الإمارات هذا النموذج في العديد من مشاريعها، من خلال توفير بيئات سكنية تضم مرافق تعليمية وصحية، ومساحات خضراء، ومراكز مجتمعية، وبنية تحتية داعمة لنمط حياة متوازن. ويُسهم هذا التوجه في تعزيز الترابط الأسري والاجتماعي.
الإسكان وجودة الحياة
ويُعد الإسكان أحد المكونات الرئيسة لمنظومة جودة الحياة، التي تحرص دولة الإمارات على تطويرها ضمن سياساتها الوطنية. فالمسكن الملائم يؤثر بشكل مباشر في الصحة النفسية والجسدية، وفي العلاقات الأسرية، وفي قدرة الأفراد على الإنتاج والمشاركة المجتمعية.
ومن هذا المنطلق، تعمل الجهات المعنية على دمج معايير جودة الحياة في التخطيط الإسكاني، سواء من حيث جودة البناء، أو استدامة المرافق، أو سهولة الوصول إلى الخدمات الأساسية. ويعكس هذا النهج إدراكاً عميقاً بأن الاستثمار في الإسكان هو استثمار في الإنسان والأسرة والمجتمع ككل.
رؤية مستقبلية
في ظل «عام الأسرة»، تواصل دولة الإمارات تطوير قطاع الإسكان بما ينسجم مع رؤيتها طويلة المدى، ويواكب تطلعات الأجيال القادمة. وتبقى الأسرة في قلب هذه الرؤية، باعتبارها الشريك الأساسي في التنمية، والمستفيد الأول من السياسات الإسكانية المتقدمة.
ويؤكد هذا المسار أن الإسكان في الإمارات ليس مجرد ملف خدمي، بل ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار الأسري وجودة الحياة، وأحد أعمدة بناء مجتمع مستدام، ينعم فيه الأفراد بالأمان، وتزدهر فيه الأسرة بوصفها أساس الوطن.
تكامل مؤسسي
يعتمد قطاع الإسكان في الإمارات على نهج تكاملي يجمع بين الجهات الحكومية المختلفة، إلى جانب تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص. ويهدف هذا التكامل إلى توحيد الجهود، ورفع كفاءة البرامج الإسكانية، وتوسيع نطاق الاستفادة منها، بما يحقق أثراً اجتماعياً مستداماً. وقد أسهم هذا النهج في تطوير حلول إسكانية مبتكرة، تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وتخدم الأسرة بوصفها محور العملية التنموية، لا مجرد مستفيد نهائي من الخدمات.
الاستدامة المجتمعية
يتجاوز دور الإسكان في «عام الأسرة» كونه استجابة لحاجة آنية، ليصبح أداة استراتيجية لتحقيق الاستدامة المجتمعية. فاستقرار الأسرة ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويعزّز قدرة المجتمع على التكيّف مع التغيرات المستقبلية. وتؤكد التجربة الإماراتية أن السياسات الإسكانية المتوازنة، حين تُبنى على رؤية اجتماعية واضحة، يمكن أن تسهم في معالجة تحديات أوسع، مثل دعم الزواج، وتعزيز الانتماء، والحد من الضغوط المعيشية التي قد تؤثر في استقرار الأسرة.
ويمثل «عام الأسرة» فرصة لإعادة قراءة دور قطاع الإسكان، وتسليط الضوء على أبعاده الاجتماعية والإنسانية، بعيداً عن الأرقام والمؤشرات التقليدية. فهو عام يعيد الاعتبار للمسكن كفضاء للحياة، ومصدر للأمان، وأساس لبناء أسرة مستقرة ومجتمع متماسك.
وتؤكد السياسات والمبادرات الإسكانية في الدولة أن الاهتمام بالأسرة ليس شعاراً مرحلياً، بل هو نهج مستدام، تُترجم ملامحه على أرض الواقع من خلال مشاريع وبرامج تضع الإنسان في صلب التنمية.
