
يحيلنا الحديث عن أوروبا إلى الكثير من المعاني والدلالات، لأن المفهوم لا يرتبط فقط بمرجعية جغرافية وتاريخية، بل بتصورات عديدة تشكّل جزءاً من معجمية الحضارة المعاصرة، إذ إن الكثير من المصطلحات التي يجري تداولها في الدول والمجتمعات المعاصرة، نشأت في شكلها الجنيني في أوروبا، وعندما كنا نقسّم في السياسة العالم إلى شرق وغرب، فإننا كنا ننطلق من الجغرافيا الأوروبية، لأن الصين بوصفها عنصراً محدِّداً للشرق الذي نعرفه حالياً، لم تصبح فاعلاً مؤثراً في موازين القوى في العالم، إلا مع مطلع الألفية الثالثة. والآن، وبعد انصرام أكثر من ثلاثة قرون من الهيمنة الأوروبية، بدأنا نشهد ميلاد نظام دولي جديد يتشكل في أقصى الغرب اعتماداً على القوة الأمريكية المهيمنة، وفي أقصى الشرق بفضل القوة الصاعدة للصين.وتمثل التطورات الراهنة نقطة انعطاف حاسمة بالنسبة للخيارات والأدوار الجيوسياسية لأوروبا، فإمّا أن تتخلص من تبعيتها لواشنطن وتصبح فاعلاً محورياً في المشهد الدولي، وإمّا أن تتخاذل وتستكين وتتحوّل إلى ساحة لصراع النفوذ بين أمريكا والصين. هناك من يعتقد في كل الأحوال، أن عواصم أوروبية، وفي مقدمتها تلك التي هدّد ترامب بفرض رسوم جمركية عليها بسبب رفضها لسياسته الهادفة إلى الاستيلاء على غرينلاند، تسعى إلى إزالة الغبار عن نفسها وإلى استعادة المبادرة السياسية على المستوى الدولي، خاصة أن العواصم المهدّدة بالعقوبات تملك في معظمها إرثاً حضارياً وثقافياً وجيوسياسياً كبيراً لا يمكن لا لبكين ولا لواشنطن تجاهله، كما أن الشعوب الأوروبية تبدي في هذا السياق مقاومة غير مسبوقة في مواجهة غطرسة الإدارة الأمريكية. وعندما نتحدث عن أوروبا، كما يذهب إلى ذلك أوبير فيدرين، فإننا لا نشير إلى شعب واحد أو إلى «دولة قارة» مثل الصين وأمريكا، بل نتحدث عن شعوب مختلفة أنهكتها حروب تاريخية مدمّرة، لأن المدافعين عن «الدولة الأوروبية الفيدرالية»، لا يشكّلون إلا أقلية مقارنة بالعدد الكبير من السكان، ومن المفارقات أن أصحاب هذا التوجه متّهمون بدعمهم للهيمنة الأمريكية على القارة. ويقول باسكال أوسور في السياق نفسه، في تحليله للوضع الأوروبي: إن القارة باتت تعيش حالة من التخبط الجيوسياسي يجعلها تنتقل من موقع مركزي إلى موقع هامشي وتواجه هجمات متتالية من الشرق والجنوب وحتى من الغرب في هذه المرحلة المفصلية، وصارت مقتنعة أن زمن الاستكانة وانعدام المسؤولية والنزعة المسالمة، قد ولىّ إلى غير رجعة.
من الواضح أن الولايات المتحدة هي المسؤول الأول خلال سنة 2025 عن التسارع الحلزوني لهذا التحوّل الذي بدأت تتضح ملامحه الأولى مع بداية الألفية الجديدة، والذي عرف ديناميكية غير مسبوقة خلال العقد الأخير، ولم تكن الحرب الروسية في أوكرانيا سوى أحد تجلياته البسيطة، فقد تخلى ترامب عن دور قيادة العالم الليبرالي، الذي اضطلعت به بلاده خلال ثمانية عقود، بسبب اقتناعه أن النظام الدولي القديم لا يمكن إنقاذه، وأنه أصبح مكلفاً بالنسبة للولايات المتحدة. وقد قام ترامب، بناءً على ما تقدم، بالانضمام إلى المشكّكين في النظام الدولي القديم. ويعمل حالياً، إلى جانب المؤمنين بقانون القوة، على تحطيم التوازنات الحساسة التي كانت تميِّز العالم متعدد الأقطاب، والمؤمن بالقانون الدولي وبالقيم الكونية التي كانت تتبناها وتدافع عنها أوروبا منذ عصري النهضة والتنوير. لقد تبخرت الأوهام الأوروبية، بشأن التحالف التاريخي مع واشنطن، منذ إعلان إدارة ترامب الاستراتيجية الوطنية للأمن الأمريكي. إعلان أفصح من دون لبس عن العقيدة الأمنية الأمريكية الجديدة، التي توضّح من خلالها واشنطن بشكل فج يحمل طابع الابتزاز الاقتصادي، أن على حلفاء بلاده في أوروبا وآسيا أن يدفعوا الأموال إذا أرادوا الحصول على الحماية الأمريكية.يمكننا أن نقول اعتماداً على معطيات التاريخ والجغرافيتين السياسية والاقتصادية: إن عالم البارحة قد انتهى فعلياً، بيد أن عالم الغد مازال في طور التشكّل، وقد تخطئ واشنطن في رأي الكثير من المراقبين، عندما تعتقد أنه بإمكانها أن تفرض على أوروبا قواعد لعبة لا يمكن لشعوبها التسليم بها.
الحسين الزاوي – صحيفة الخليج
اسماء عثمان
محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
كانت هذه تفاصيل خبر الدور الجيوسياسي القادم لأوروبا لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على كوش نيوز وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
