اخبار العالم / أخبار السودان اليوم

الكبار.. كنز في كل دار

الكبار.. كنز في كل دار

لفتني حديث للدكتور إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي، خلال مروره ضيفا على إحدى القنوات التلفزيونية المغربية هذا الأسبوع استحضاره للحملة التي أطلقها حزبه عام 2013 تحت شعار “الكبار كنز في كل دار”، وتأكيده أن كبار السن أو كبار القدر ليسوا عبئاً، وإنما شركاء يمكن أن يساهموا بخبراتهم وتجاربهم في تربية الأجيال.

توقفت طويلاً عند هذه العبارة. ليس لأنها شعار جميل فحسب، وإنما لأنها تضع إصبعها على جرح اجتماعي عميق: كيف ننظر إلى الإنسان عندما يتقدم به العمر؟

هل نراه وقد انتهى دوره، وأصبح بحاجة إلى الآخرين؟ أم نراه وقد أصبح أكثر غنى بالتجربة، وأقرب إلى الحكمة، وأقدر على أن يمنح الأجيال الجديدة شيئاً لا يمكن أن تمنحه التكنولوجيا ولا الجامعات ولا الكتب؟ إن الفرق بين النظرتين هو الفرق بين مجتمع يرى الإنسان في قيمته، ومجتمع يراه في قدرته على الإنتاج.

ولعل المقارنة بين عالمنا العربي والإسلامي وبعض المجتمعات الغربية تكشف مفارقة تستحق التأمل.

في الغرب، استطاعت دول كثيرة أن تبني خلال عقود أنظمة أكثر انتظاماً لرعاية كبار القدر، من معاشات التقاعد والتغطية الصحية إلى دور الرعاية والخدمات المنزلية ومراكز الرعاية النهارية. وأصبحت الشيخوخة، في عدد من هذه الدول، ملفاً واضحاً في سياسات الدولة، لا شأناً عائلياً متروكاً للظروف.

 

هناك مؤسسات متخصصة، وقوانين، وخدمات اجتماعية، وموظفون مدربون، وآليات لمتابعة احتياجات المسنين.

لكن الغرب، في المقابل، يدفع ثمناً اجتماعياً آخر. فالفردانية التي تمنح الإنسان مساحة واسعة من الاستقلال قد تترك بعض كبار السن أمام عزلة قاسية. قد يعيش الإنسان في بيت مجهز، ويحصل على معاش وعلاج وخدمات محترمة، لكنه لا يجد ابناً يجلس إلى جواره، ولا حفيداً يطرق بابه، ولا أسرة كبيرة تحيط به في أيام المرض والوحدة.

وهنا لا ينبغي أن نقع في وهم المقارنة السطحية. فليست كل المجتمعات الغربية نموذجاً واحداً، وليست كل مجتمعاتنا العربية والإسلامية عالماً من الدفء العائلي. لدينا أيضاً كبار سن يعيشون الوحدة، وأسر تعجز عن رعاية والديها، ومؤسسات تحتاج إلى التطوير، وسياسات اجتماعية لا تزال في بعض البلدان أقل من حجم التحولات الديموغرافية والاجتماعية.

لكن المفارقة الأجمل والأكثر إيلاماً أن عالمنا العربي والإسلامي يملك في تراثه وقيمه، أساساً أخلاقياً بالغ القوة لرعاية كبار السن.

نحن أبناء ثقافة لم تكن ترى الأب والأم في الكبر عبئاً ينبغي التخلص منه، بل كان الكبر، في الوعي الديني والاجتماعي، مرحلة تستدعي مزيداً من الرحمة والبر. يكفي أن نتأمل قوله تعالى: “إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً”.

ما أعمق هذه الآية. فهي لا تكتفي بالأمر بالرعاية، وإنما تتوقف عند الكلمة. لا تقل لهما “أف”، لا تنهرهما، وقل لهما قولاً كريماً. كأن القرآن

يريد أن يقول لنا إن الإنسان عندما يصل إلى مرحلة الضعف يصبح أكثر حاجة إلى الكرامة، لا أقل.

واللافت أن الآية لم تقل: عندما يحتاج الوالدان إلى المال، بل قالت: عندما يبلغ أحدهما أو كلاهما الكبر. أي إن مجرد الوصول إلى هذه المرحلة من العمر يفتح باباً خاصاً من أبواب المسؤولية الأخلاقية.

وفي الثقافة العربية القديمة، كان الكبير صاحب مجلس ومشورة، وكانت السن الطويلة تمنح صاحبها مكانة اجتماعية. لم تكن التجربة عيباً، ولم تكن التجاعيد علامة على انتهاء الصلاحية. كان الكبير هو الذي يرجع إليه الناس عندما تختلط الأمور، وكانت الذاكرة البشرية أهم من الأرشيف.

لكن أين نحن اليوم من ذلك كله؟ هنا تكمن المفارقة. لدينا نصوص عظيمة، وتراث غني، ومفردات جميلة عن البر والرحمة وصلة الرحم، لكن الواقع الاجتماعي لا ينجح دائماً في ترجمة هذه القيم إلى سياسات ومؤسسات.

 

ومن هنا تصبح مسؤولية الحكومات في العالم العربي والإسلامي مضاعفة. لأن الدولة ليست مطالبة فقط بتقديم الخدمات لكبار السن، بل بتحويل قيم المجتمع إلى سياسة اجتماعية مستدامة.

نحتاج إلى معاشات تضمن حياة كريمة، ورعاية صحية متخصصة، ورعاية منزلية لمن يحتاج إليها، ومراكز اجتماعية وثقافية، ومؤسسات رعاية محترمة، وبرامج لمواجهة الوحدة والعزلة، وحماية قانونية لمن يتعرضون للإهمال أو الاستغلال

وإذا كانت الأسرة هي الحاضن الأول، فلا ينبغي أن تتركها الدولة وحدها أمام أعباء الشيخوخة. فالابن الذي يريد رعاية أمه أو أبيه قد يكون موظفاً يعمل ساعات طويلة، وقد يعيش في مدينة أخرى، وقد يواجه أعباء مالية لا تسمح له بتوفير الرعاية التي يحتاج إليها والداه. لذلك فإن مساعدة الأسرة على رعاية كبيرها ليست تدخلاً في شؤونها؛ إنها حماية للأسرة نفسها.

وهنا يمكن أن تتحول مؤسسات رعاية المسنين ومؤسسات التعاون الوطني إلى جزء من شبكة اجتماعية متكاملة، لا إلى أماكن لإيداع من لم يعد أحد قادراً على رعايته.

إن الفرق كبير بين مؤسسة تقول للمسن: “نحن نعتني بك لأنك عاجز”، ومؤسسة تقول له: “أنت ما زلت جزءاً من المجتمع، ونحن نساعدك على أن تظل كذلك”.

وهذه هي الفكرة التي تستحق أن نبني عليها. كبار السن لا ينبغي أن يكونوا مجرد متلقين للخدمة. يمكن أن يكونوا شركاء. المعلم المتقاعد يمكن أن يعود إلى المدرسة لساعات محدودة ليحكي للتلاميذ عن تجربته. الطبيب المتقاعد يمكن أن يشارك في تدريب الأطباء الشباب. الحرفي القديم يمكن أن ينقل مهنته إلى جيل جديد. ورجل الإدارة يمكن أن يحكي للشباب كيف كانت المؤسسات تعمل قبل أن تتحول الحياة كلها إلى شاشات وأنظمة رقمية. والجد والجدة يمكن أن يكونا جسراً تربوياً بين الطفل وتاريخ عائلته وبلده.

 

إننا بحاجة إلى الانتقال من مفهوم “رعاية المسنين” إلى مفهوم أوسع هو “تمكين كبار السن”. وهنا ربما نستطيع أن نتعلم شيئاً من الغرب في بناء المؤسسات، وأن نعيد نحن اكتشاف شيء من تراثنا في بناء العلاقات. ليس المطلوب أن نختار بين الدولة والأسرة، ولا بين المؤسسة والعائلة، ولا بين الحداثة والتراث.

المطلوب أن نجمع أفضل ما في الاثنين: مؤسسات قوية لا تقتل دفء الأسرة، وأسرة متماسكة لا تُعفى الدولة بسببها من مسؤوليتها. فالرعاية الحقيقية تبدأ عندما يتكامل الاثنان. والأجمل أن قضية كبار السن لا تخص كبار السن وحدهم.

 

إنها تخص أبناءهم وأحفادهم، وتخص الشباب الذين يعتقدون أن الشيخوخة بعيدة، وتخص الدولة التي ينبغي أن تعرف أن مواطنيها لا يفقدون حقوقهم عندما تتقدم بهم السنون. بل ربما تصبح الدولة أكثر امتحاناً في عدالتها عندما يتراجع صوت الإنسان.

 

لا نحتاج إلى كثير من الكلام لندرك مكانة الكبير في وجداننا العربي والإسلامي. يكفي أن نستعيد الصور التي بقيت عالقة من مونديال قطر 2022.

 

كان العالم يتابع لاعبي المنتخب المغربي وهم يصنعون واحدة من أجمل حكايات كرة القدم، لكن أجمل ما في الحكاية لم يكن دائماً في الملعب، بل في المدرجات؛ حيث رأينا أشرف حكيمي يحتضن والدته ويقبّلها، ووليد الركراكي يهرع إلى أمه ويقبّل يدها.

 

لم تكن الكاميرات توثق فرحة عائلية عابرة، بل كانت تلتقط معنى عميقاً: أن تظل قوياً أمام العالم، لكنك تعرف أمام من ينبغي أن تنحني.

كان أولئك الرجال في ذروة القوة والشهرة والنجاح، لكنهم حين رأوا أمهاتهم عادوا أبناءً. فهؤلاء الذين نريد أن نرعاهم اليوم هم الذين رعونا أولاً؛ خلفهم سنوات من التعب والسهر والخوف والدعاء، ووراء كل لاعب أم آمنت به قبل أن يعرفه أحد.

 

لذلك لم تكن قبلة حكيمي لأمه مجرد قبلة ابن لأمه، بل قبلة جيل كامل على رأس الجيل الذي سبقه، وكأن الرسالة تقول لنا جميعاً: لا تنسوا من أوصلكم إلى هنا.

 

رعاية كبار السن لا تعني توفير معاش أو علاج أو دار للرعاية فحسب، على أهمية ذلك، بل تعني أيضاً حفظ مكانتهم في قلوبنا ومجتمعنا، ومنحهم الوقت، والإصغاء إلى حكاياتهم، وطلب مشورتهم، وأخذ أيديهم حين تثقل الخطوات، حتى تكون الشيخوخة مرحلة من الحياة لا غرفة انتظار للموت.

 

لقد عرف الغرب كيف يبني مؤسسات متخصصة للرعاية والضمانات الاجتماعية، ونحن بحاجة إلى الاستفادة من خبرته في التنظيم والتخصص. لكننا نملك رصيداً أخلاقياً ودينياً عظيماً يؤكد أن الكبير ليس رقماً في نظام التقاعد، وأن الأم حين يشتد بها العمر لا تفقد قيمتها، وأن الأب حين تضعف يداه لا يسقط حقه في البر والكرامة.

 

المطلوب ليس الاختيار بين الأسرة والدولة، بل تكاملهما: توفر الدولة ما تعجز الأسرة عن توفيره، وتحافظ الأسرة على ما لا تستطيع المؤسسة منحه، من دفء وانتماء وشعور بأن الإنسان ما زال محبوباً ومهماً.

 

ولعل أجمل ما تعلمنا إياه تلك الصور المغربية أن القوة الحقيقية ليست في الانتصار على الآخرين، بل في معرفة من نعود إليه بعد انتصارنا. فاللاعب الذي هتف له الملايين عاد يبحث عن أمه، والرجل الذي وقف أمام العالم انحنى أمام يد امرأة حملته يوماً وهو لا يستطيع المشي.

وحين نقول إن “الكبار كنز في كل دار”، فنحن لا نردد شعاراً جميلاً، بل نستحضر حقيقة تمس جوهر إنسانيتنا. الذين نجلس اليوم إلى جوارهم وقد ابيضّت شعورهم، كانوا بالأمس يحملوننا على أكتافهم، والذين نمد إليهم أيدينا الآن كانوا أول من مدّ يده إلينا عندما كنا نسقط.

 

وربما كانت أجمل صورة للوفاء أن نعود، مهما كبرنا ونجحنا، لنقبّل رأس أم أو يد أب، ونقول لهما بصمت: لولاكما، لما كنا هنا.

 

فالشيخوخة ليست نهاية الطريق، بل لحظة يعود فيها الأبناء إلى أصل الحكاية. وكل أم مسنة هي بداية بطل، وكل أب أنهكته السنوات صفحة من تاريخ أسرة، وكل كبير نتركه وحيداً جزء من ذاكرتنا التي نسمح لها بأن تموت معنا.

 

لذلك لا تجعلوا كبار السن يسألون: هل ما زلنا مهمين؟ أجيبوا قبل أن يسألوا: نعم، أنتم الذين جعلتمونا ما نحن عليه.

عادل الحامدي – الشرق القطرية

كانت هذه تفاصيل خبر الكبار.. كنز في كل دار لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على كوش نيوز وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

Advertisements

قد تقرأ أيضا