اخبار الخليج / اخبار الإمارات

تمكين الأسرة في الإمارات.. سياسات واستراتيجيات وطنية

  • تمكين الأسرة في الإمارات.. سياسات واستراتيجيات وطنية 1/2
  • تمكين الأسرة في الإمارات.. سياسات واستراتيجيات وطنية 2/2

ابوظبي - سيف اليزيد - هالة الخياط (أبوظبي)

منذ تأسيسها، اختارت دولة العربية المتحدة أن تجعل الأسرة نقطة انطلاق لكل مشروع وطني يهدف إلى بناء الإنسان وتنمية المجتمع.
ولم تنظر الدولة إلى الأسرة بوصفها مجرد وحدة اجتماعية تقليدية، بل بصفتها نواة تستمد منها الأجيال قيمها، وتشكل عبرها المجتمع روابطه، وتستدام من خلالها هويته وثقافته. هذا الإدراك المتقدم ظهر بوضوح في توجهات الدولة وسياساتها وخططها الاستراتيجية التي تجعل الإنسان محوراً، والرفاه الاجتماعي هدفاً، والاستقرار الأسري أساساً.
هذا الاهتمام تأطر على مدى السنوات برؤية منهجية تتجسد في تطوير منظومة تشريعية حديثة، وتبني سياسات اجتماعية مستدامة، وإطلاق مبادرات داعمة لمختلف جوانب الحياة الأسرية.
وفي سياق هذا النهج، خصصت دولة الإمارات هذا العام ليكون «عام الأسرة»، بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تأكيداً على مكانة الأسرة وأهميتها في مسار التنمية، وترسيخاً لمفهوم أن الاستثمار في الأسرة استثمار في مستقبل الوطن.

البناء الوطني 
تُعد الأسرة في فكر القيادة الإماراتية حجر الأساس في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وتعزيز اللحمة الوطنية، فالأسرة هي البيئة التي تنشأ فيها القيم، وتتشكل فيها الهوية، ويتلقى فيها الأبناء أولى صور الانتماء. ومن هنا، حرصت الدولة على توفير أشكال الدعم كافة التي من شأنها الحفاظ على الأسرة وحمايتها، ورفع مستوى جودة حياتها.
وهذا التوجه الوطني ليس وليد السنوات الأخيرة، فقد امتد عبر عقود من العمل المؤسسي، والتي شهدت وضع التشريعات المنظمة لشؤون الأسرة، وتطوير سياسات اجتماعية واقتصادية داعمة، وتمكين المرأة شريكاً في بناء الأسرة والمجتمع، إلى جانب توفير خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية متكاملة، وتشجيع الاستقرار الأسري والسكني، وتعزيز التوازن بين العمل والحياة؛ وبذلك تحول الاهتمام بالأسرة من قيمة ثقافية إلى إطار عمل حكومي متكامل يستند إلى بيانات وقياسات ومؤشرات.

تشريعات داعمة للأسرة
عملت الإمارات، خلال العقدين الماضيين، على تحديث منظومتها التشريعية المرتبطة بالأسرة، بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية والمعايير الدولية دون الإخلال بقيمها الحضارية. وقد شمل ذلك تطوير قوانين الأحوال الشخصية، وتنظيم الزواج والطلاق والحضانة والنفقة والوصاية وغيرها، وهو ما انعكس في تحديث قوانين الأسرة والأحوال الشخصية، حيث تم تطوير أطر قانونية حديثة تعزز الاستقرار الأسري وتنظم العلاقات بشكل عادل ومتوازن، وتمنح الأسر مسارات قانونية واضحة لتسوية المنازعات.
كما ضمنت التشريعات تعزيز العدالة الأسرية، عبر توفير مراكز تسوية المنازعات الأسرية قبل اللجوء إلى القضاء، واعتماد أنظمة تسهل الإجراءات وتراعي مصالح الأطفال والنساء وكبار السن.
وكانت حماية حقوق الطفل دائماً محور التشريعات الوطنية، والتي كان أبرزها قانون «وديمة»، وتوسيع نطاق الحماية والرعاية الاجتماعية، وتوفير خدمات ضمان الحماية والدعم للأطفال، وتنظيم حضانة ورعاية الأبناء بما يكفل مصلحة الطفل الفضلى، ويحافظ على الروابط الأسرية ويحمي استقرار الطفل النفسي والاجتماعي.

استراتيجيات الأسرة
تبنت دولة الإمارات عدداً من السياسات والاستراتيجيات التي استهدفت الأسرة بشكل مباشر، أبرزها: السياسة الوطنية للأسرة، التي تهدف إلى تمكين الأسرة الإماراتية، وتعزيز تماسكها وزيادة مشاركتها في التنمية المستدامة.
وتأتي استراتيجية وزارة الأسرة (2025 - 2027)، ركيزة للتنمية المستدامة، وأحد أبرز الأدوات التي تعتمدها الدولة لتنظيم العمل الحكومي في هذا المجال، حيث ترتكز على محاور رئيسة تشمل: الاستقرار الأسري، وجودة الحياة، والتوازن بين العمل والحياة، والدعم الاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى تعزيز الصحة النفسية والجسدية لأفراد الأسرة. 
وتسعى هذه الاستراتيجية إلى بناء منظومة دعم متكاملة، تشارك فيها الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لضمان تكامل الأدوار، واستدامة الأثر، وتحقيق نتائج ملموسة تنعكس مباشرة على حياة الأسر.
وتهدف الاستراتيجية إلى تعزيز الاستقرار الأسري، ورفع مستويات الرفاه، وتطوير منظومة متكاملة من السياسات والبرامج التي تستجيب للتحولات الاجتماعية والديموغرافية، وتدعم الأسرة في مختلف مراحلها، ضمن رؤية متوسطة المدى قابلة للقياس والتقييم.

الأجندة الوطنية لنمو الأسرة 
بلغ المسار الاتحادي ذروته في نوفمبر الماضي، خلال الاجتماعات السنوية لحكومة الإمارات، مع الإعلان عن إطلاق «الأجندة الوطنية لنمو الأسرة 2031»، التي وضعت نمو الأسرة في صميم التوجهات الوطنية حتى نهاية العقد. 
وتركز الأجندة على رفع معدلات المواليد والزواج بين المواطنين، وخفض متوسط عمر الزواج، وتوفير بيئة داعمة للأسرة، من خلال سياسات اجتماعية واقتصادية وصحية متكاملة، تعزز الاستقرار الأسري، وتدعم الخيارات الأسرية المستدامة.

تمكين المرأة 
لا يمكن الحديث عن دعم الأسرة في الإمارات دون الإشارة إلى دور الدولة في تمكين المرأة، ليس فقط في المجال المهني أو العام، بل في إطار بناء الأسرة ذاتها. فقد تم اعتماد سياسات تدعم مشاركة المرأة في سوق العمل مع ضمان حقوق الأمومة، ومنح إجازات أمومة وساعات رضاعة مرنة، وتوفير حضانات في أماكن العمل، وتشجيع مشاركة المرأة في صنع القرار، ودعم دورها في رعاية الأسرة وتربية الأبناء.
وقد جاء هذا المسار بقيادة وجهود سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، التي شكلت رمزاً للحراك الاجتماعي الإيجابي في دعم المرأة والأسرة على السواء، عبر إطلاق مبادرات وبرامج متخصصة، وتعزيز حضور المرأة في التعليم والوظائف القيادية والعمل التطوعي والخدمة الوطنية. وأسهمت هذه الجهود في بناء نموذج وطني تتوازن فيه أدوار المرأة بين المساهمة في التنمية والمشاركة في تربية الأجيال والحفاظ على تماسك الأسرة.
ومع تراكم هذه الإنجازات، أصبحت المرأة الإماراتية شريكاً رئيسياً في القرار الأسري والمجتمعي والاقتصادي، وهو ما انعكس على مؤشرات التعليم والعمل والتمثيل السياسي، وصولاً إلى مشاركة النساء في مجلس الوزراء والمجلس الوطني الاتحادي ومجالس الإدارة، إلى جانب دورهن الحيوي داخل الأسرة.
وبهذه الشراكة المتوازنة، حققت الإمارات مستوى متقدماً من التكامل بين أدوار المرأة والرجل، بما يعزز متانة الأسرة واستقرار المجتمع.

خدمات اجتماعية وصحية 
وتولي الإمارات أهمية خاصة لنوعية الخدمات التي تشكل بيئة داعمة للأسر على امتداد دورة حياتها، بدءاً من تكوين الأسرة، ووصولاً إلى مراحل التعليم والتنشئة والدعم المستمر. وتشمل هذه الخدمات، الرعاية الصحية الإنجابية وبرامج الأمومة،
حيث توفر الجهات الصحية خدمات متابعة الحمل، والولادة الآمنة، والفحوص المبكرة للأم والطفل، وبرامج التثقيف الصحي، مع إدماج خدمات الصحة النفسية أثناء الحمل والمرحلة التالية للولادة.
الصحة النفسية والدعم الأسري، إذ يجري دمج خدمات الإرشاد الأسري والنفسي ضمن منظومة الرعاية الصحية والتعليمية؛ بهدف تعزيز الاستقرار النفسي للوالدين والأبناء، والوقاية من الاضطرابات الأسرية.
وتنمية الطفولة المبكرة من خلال برامج متخصصة تشرف عليها مؤسسات حكومية محلية، مثل هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة، والتي تضع الطفل والأسرة في صدارة سياسات النمو المجتمعي، وتوفر برامج تنموية تراعي الاحتياجات النفسية والمعرفية والحركية.
وإلى جانب الخدمات سالفة الذكر، تقدم الدولة خدمات أصحاب الهمم حيث يتم توفير نظم تعليم وتأهيل ودعم اجتماعي وصحي متكاملة، لتحقيق الدمج الكامل في المجتمع، وتعزيز القدرة على الاستقلال والمشاركة الفاعلة.
وهذه الشبكة من الخدمات تكرّس نموذجاً اجتماعياً يقوم على الوقاية والدعم وتمكين الفئات المختلفة داخل الأسرة بصورة، تسهم في رفع مستوى جودة الحياة.

الإسكان 
ضمن إطار دعم الأسرة، عملت الإمارات منذ سنوات على توفير منظومة إسكانية متقدمة تراعي احتياجات الأسر الإماراتية، سواء من حيث التخطيط العمراني أو الخدمات أو المرافق العامة. وقد شهد قطاع الإسكان إطلاق برامج إسكان وطنية ومبادرات لمشاريع سكنية تمتد عبر الإمارات المختلفة، تتيح للأسر بيئات معيشية آمنة ومتوازنة.
ويُضاف إلى ذلك، منظومة متكاملة من الحدائق والمساحات الخضراء ومسارات المشي والدراجات الهوائية والمرافق ، التي تشجع على نمط الحياة الصحي، وتوفر للأسر أماكن آمنة للترفيه والتواصل الاجتماعي، بما يحقق أحد أهداف الدولة في تعزيز الترابط الاجتماعي وجودة الحياة.

التوازن بين العمل والحياة الأسرية

إدراكاً للتحديات التي تفرضها الحياة المهنية الحديثة، تبنت الإمارات نهجاً متقدماً لدعم التوازن بين الأسرة والعمل. وتمثلت أبرز السياسات في إجازات أبوّة وأمومة محسّنة، ساعات عمل مرنة للأمهات، توفير حضانات في المؤسسات الحكومية، وتشجيع القطاع الخاص على تبني سياسات داعمة للأسرة.
وتتيح هذه السياسات للوالدين أداء دورهما الأسري دون الإخلال بمتطلبات العمل، بما يعزز الاستقرار الأسري ويرفع معدل الرضا الوظيفي والاجتماعي.

عام الأسرة

في سياق هذا المسار الطويل من الاهتمام بالأسرة، جاء تخصيص العام الحالي عاماً للأسرة، ليشكل تتويجاً عملياً لجهود متراكمة، ومرحلة جديدة لتسريع المبادرات والسياسات والبرامج التي تصب في دعم الأسرة. ويرتكز هذا الإعلان على مجموعة من الأهداف، أبرزها وضع الأسرة في قلب الخطط التنموية، تعزيز المشاركة المجتمعية في دعم الأسرة، توفير حوافز وبرامج تشجع على الاستقرار الأسري، تعزيز الصحة النفسية والإنجابية، إضافة إلى تعزيز حضور الأسرة في الحوارات الوطنية. ويُنتظر أن يسهم هذا العام في إطلاق مبادرات وطنية موسعة، وورش سياسات، ومشاريع بحثية، وبرامج مجتمعية تُعنى برفع جودة الحياة الأسرية، ودعم المشاركة بين القطاعات الحكومية والخاصة والمجتمع المدني.
وتركز الأولويات الاستراتيجية، خلال عام الأسرة، على ثلاثة محاور أساسية، أولها: الجذور وتقوم على تمكين الأسرة من ممارسة القيم الإيجابية بشكل يومي وبطرق بسيطة قابلة للتكرار، بما يعزز المعايير الاجتماعية والصحية ويقوي الترابط بين الأجيال.
وثانياً: الروابط من خلال تشجيع السلوكيات اليومية التي تعزز التقارب الأسري، وتفعيل أنماط التواصل الإيجابية لتصبح جزءاً من حياة الأسرة اليومية.
 وثالثاً: النمو عبر تزويد الأسر بالإرشادات والأدوات العملية التي تساعدها على إدارة تفاصيل الحياة اليومية بثقة، بما يدعم نمو الأسرة بشكل صحي ومستدام.
وخلال هذا العام، ستتجسد الأولويات عبر مبادرات وطنية وقصص وتجارب حقيقية للأسر والمجتمعات الإماراتية؛ بهدف تعزيز دور الأسرة كمحور أساسي للاستقرار والتنمية في الدولة.
وبذلك، تتجه الإمارات بخطى ثابتة نحو ترسيخ نموذج عربي وعالمي في بناء المجتمعات عبر تعزيز الأسرة، ودعمها بسياسات وتشريعات وبرامج قائمة على العلم والبيانات والاحتياجات الفعلية للمجتمع.
وتوفر تجربة الإمارات في دعم الأسرة، نموذجاً متكاملاً يقوم على الرؤية القيادية، والسياسات المتقدمة، والتشريعات العادلة، والخدمات الشاملة، والبيئة الحضرية، وتمكين جميع أفراد الأسرة. وبذلك تؤكد الإمارات أن بناء مجتمع قوي يبدأ من الأسرة، وأن الاستثمار في الأسرة هو استثمار في مستقبل الأمة بأجيالها وقيمها واستقرارها.

دور المجتمع المدني 
لم يقتصر دعم الأسرة في الإمارات على الدولة وحدها، بل اتسع ليشمل الجمعيات الأهلية والمؤسسات المجتمعية والمراكز المتخصصة في الإرشاد الأسري وحماية الأطفال وتمكين النساء والرجال، وتعزيز المعرفة الاجتماعية. كما أن المؤسسات الثقافية والإعلامية بدورها تسهم في نشر الوعي حول القضايا الأسرية، وإبراز أهمية دور الأسرة في حماية النسيج الاجتماعي.

الأسرة وترسيخ الهوية الوطنية
 تعتبر الإمارات أن الأسرة تلعب الدور المحوري في الحفاظ على الهوية الوطنية والمنظومة القيمية. فمن خلالها يتعلم الأبناء قيم الاحترام، والانتماء، والعطاء، والعمل، والتسامح، والتعاون. ومن أجل ذلك، تدعم الدولة البرامج التعليمية والتربوية التي تعزز هذه القيم، وتربطها بالسياق الوطني والثقافي.
كما أن المبادرات الوطنية والمناسبات الاجتماعية، مثل يوم الطفل الإماراتي ويوم المرأة الإماراتية، تسهم في تعزيز الوعي العام بدور الأسرة، وتكرّس مكانتها رافعة أساسية لمشروع الدولة الحضاري.

 

 

 

Advertisements

قد تقرأ أيضا