شكرا لقرائتكم خبر عن خمس طرق تحصّن بها الصين نفسها مع انهيار وقف إطلاق النار في مضيق هرمز والان مع بالتفاصيل
دبي - بسام راشد - أخبار الفوركس اليوم بدأ وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، الذي كان من المفترض أن يضمن إعادة فتح مضيق هرمز بصورة دائمة، في الانهيار.
وأعادت القوات الأمريكية هذا الأسبوع فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، كما استهدفت عشرات المواقع على الساحل الإيراني، فيما ردّت طهران باستهداف ناقلات نفط تعبر المضيق من دون موافقتها.
وقفز خام برنت، الذي كان قد تراجع إلى منتصف نطاق السبعين دولارًا للبرميل خلال سريان اتفاق السلام في يونيو، مجددًا فوق مستوى 85 دولارًا للبرميل عقب هذه التطورات، مسجلًا أعلى مستوى له منذ توقيع الهدنة.
وتُعد هذه المرة الثانية خلال العام الجاري التي تضطر فيها الأسواق إلى تسعير احتمال توقف كامل لنحو خمس تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم.
وخلال المرة الأولى، في فبراير الماضي، توقّع محللون وصول أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل، إلا أن تلك التوقعات لم تتحقق. ويُعزى جانب كبير من ذلك إلى الإجراءات التي اتخذتها بكين أكثر من ارتباطه بتطورات الخليج، وهي الإجراءات نفسها التي تواجه اختبارًا جديدًا هذا الأسبوع.
خمس طبقات من الحماية بنتها بكين لمواجهة صدمات النفط
أولًا: المستهلكون يستبدلون سياراتهم الخاصة بسيارات الأجرة
في أكبر المدن الصينية، أصبح طلب سيارة أجرة أو استخدام خدمات النقل عبر التطبيقات في كثير من الأحيان أقل تكلفة من قيادة السيارة الخاصة، حتى مع استمرار ارتفاع أسعار البنزين أسبوعًا بعد آخر.
وسجلت الصين 3.05 مليار رحلة عبر سيارات الأجرة وخدمات النقل التشاركي خلال مايو، بزيادة بلغت 6% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، إلا أن السبب لا يرتبط بالحرب بصورة مباشرة.
فقد أدى ضعف سوق العمل إلى دخول أعداد كبيرة من السائقين الجدد إلى قطاع النقل عبر التطبيقات لتأمين دخلهم، كما ساهم انتشار السيارات الكهربائية منخفضة التكلفة في تسهيل ذلك، الأمر الذي أدى إلى استمرار انخفاض أجور الرحلات رغم ارتفاع تكاليف الوقود بالنسبة لمن يقودون سياراتهم الخاصة.
وقال سائق يعمل بدوام جزئي في بكين يحمل لقب "لي" لوكالة رويترز إن أسعار رحلاته انخفضت بين 10% و15% منذ بدأ العمل قبل ستة أشهر.
وأضاف: "المنافسة شديدة."
وفي المقابل، قالت سيدة تبلغ من العمر 45 عامًا تمتلك سيارة تعمل بالبنزين، واكتفت بذكر لقبها "يانغ"، إنها تفضّل استخدام سيارات الأجرة كلما ارتفعت أسعار الوقود، إذ تتجنب بذلك عناء البحث عن موقف للسيارة أو دفع تكلفة ملء خزان الوقود.
ويزداد تأثير هذا الاتجاه مع حقيقة أن غالبية أسطول سيارات الأجرة في الصين أصبح كهربائيًا بالفعل.
فنحو نصف سيارات الأجرة البالغ عددها 1.3 مليون سيارة تعمل بالبطاريات، بينما تقترب هذه النسبة من 100% في أكبر المدن الصينية.
كما ارتفع عدد المركبات غير المعتمدة على الوقود الأحفوري لدى شركة ديدي، بما يشمل السيارات الكهربائية والهجينة، إلى 8 ملايين سيارة العام الماضي، وأصبحت تمثل ثلاثة أرباع إجمالي المسافات المقطوعة عبر التطبيق.
وبالنتيجة، انخفض استهلاك الصين من البنزين بنسبة 10% ومن الديزل بنسبة 14% خلال مايو مقارنة بالعام السابق، رغم ارتفاع حركة الشحن البري بنسبة 2% وتسجيل حركة المرور مستويات قياسية خلال عطلة مايو.
وقال دايزونغ ليو، من معهد سياسات النقل والتنمية، إن الطلب على التنقل لا يزال يتزايد، لكنه ينتقل تدريجيًا من السيارات الخاصة إلى سيارات الأجرة ومترو الأنفاق.
ثانيًا: مخزون ضخم من النفط منح الصين وقتًا ثمينًا
بدأت الخطوة الأكبر والأكثر تخطيطًا قبل اندلاع القتال بوقت طويل.
فعلى مدار أكثر من عام، اشترت المصافي الصينية كميات من النفط الخام تجاوزت احتياجاتها الفعلية، مستفيدة من استقرار الأسعار والخصومات الكبيرة على النفط الروسي والإيراني الخاضع للعقوبات، والذي تجنب معظم المشترين الآخرين شراءه.
ولا توجد أرقام رسمية دقيقة خارج بكين، إلا أن محللين قدّروا حجم المخزون المتراكم بنحو مليار برميل في المخزونات التجارية والاستراتيجية بحلول اندلاع الحرب في فبراير.
وبعد ذلك بدأت الصين في استخدام هذه الاحتياطيات.
فقد تراجعت واردات النفط الخام من 11.39 مليون برميل يوميًا في فبراير إلى 6.36 مليون برميل يوميًا في مايو، بانخفاض تجاوز 44%، بينما واصلت المصافي العمل بمعدلات إنتاج شبه طبيعية.
وجرى تعويض هذا الفارق بالكامل من المخزونات، إذ قدّرت وكالة الطاقة الدولية أن الصين سحبت 41 مليون برميل من احتياطياتها خلال يونيو وحده.
ووصف يانيف شاه، من شركة ريستاد إنرجي، هذا التراكم في تصريحات لشبكة CNN بأنه وضع "حدًا أدنى للأسعار"، لكنه تحول لاحقًا إلى وسادة حقيقية لامتصاص الصدمة بعد اندلاع الحرب.
لكن يبقى السؤال مطروحًا حول قدرة الصين على تكرار هذا الدور مرة أخرى.
فالمخزونات المستهلكة لا تُعاد تعبئتها تلقائيًا، فيما يناقش محللو جيه بي مورجان ما إذا كان تراجع الطلب الصيني مؤقتًا أم أنه يعكس تحولًا دائمًا في احتياجات البلاد من النفط.
ثالثًا: خطوط أنابيب لا تصل إليها الحرب
أدت استثمارات امتدت لعقدين في إنشاء خطوط الأنابيب عبر روسيا وآسيا الوسطى إلى تقليص اعتماد الصين على مضيق هرمز.
وبحسب راش دوشي، مدير مبادرة استراتيجية الصين في مجلس العلاقات الخارجية، فإن المضيق ينقل حاليًا ما بين 40% و50% فقط من واردات الصين النفطية المنقولة بحرًا.
وقال إن بكين "استغلت السنوات العشرين الماضية لتقليل جزء من اعتمادها على النفط المنقول بحرًا."
فالنفط الذي يصل عبر خطوط الأنابيب البرية لا يمكن للحرس الثوري الإيراني اعتراضه، ولا يحتاج إلى تأمين ضد مخاطر الحرب، كما لا يتأثر بالألغام البحرية.
وينطبق المنطق نفسه على الغاز الروسي القادم عبر خط أنابيب قوة سيبيريا، وإن كانت طاقته ليست غير محدودة.
وتقترب خطوط الأنابيب بالفعل من أقصى طاقتها التشغيلية، كما لا تمتلك روسيا عددًا كافيًا من ناقلات النفط لتعويض أي نقص عبر النقل البحري.
وكان محللو بنك OCBC قد أشاروا في مارس إلى أن هذا التنويع يجعل الصين أقل تعرضًا لمخاطر الإغلاق الطويل لمضيق هرمز مقارنة بجيرانها في آسيا، وهو ما يخضع لاختبار عملي جديد مع استمرار تبادل الضربات العسكرية.
رابعًا: الصين ليست في عجلة لشراء النفط الإيراني
عمليًا، أصبحت ناقلات النفط الإيرانية الوحيدة التي لا تزال تتمتع بضمان المرور عبر مضيق هرمز، ويتجه معظم هذا النفط إلى الصين، التي تشتري نحو 90% من صادرات إيران النفطية.
ورغم ذلك، لا تبدو المصافي الصينية متعطشة للحصول على هذه الشحنات.
فعندما تراكمت الشحنات الإيرانية خلال فترة وقف إطلاق النار القصيرة، فضّل المشترون الصينيون الابتعاد عنها بدلًا من التنافس عليها.
فعلى سبيل المثال، اشترت شركة شنغهونغ للبتروكيماويات المملوكة للقطاع الخاص نحو 12 مليون برميل من النفط العراقي والإماراتي والسعودي لتسليمها في يوليو، بعد أن خفض منتجو الخليج أسعارهم لتسويق إمداداتهم.
ومن المتوقع أن تنخفض واردات الصين من النفط الإيراني إلى نحو 556 ألف برميل يوميًا خلال يوليو، وهو أدنى مستوى منذ مطلع عام 2023، في وقت تتراوح فيه كميات النفط الإيراني المخزنة على متن ناقلات عائمة بين 30 مليونًا و34.5 مليون برميل دون مشترين.
وقالت ناتاشا كانيفا، محللة جيه بي مورجان، في مذكرة للعملاء هذا الشهر، إن براميل النفط الخارجة من مضيق هرمز "أصبحت بشكل متزايد لا تجد وجهة سوى الصين، لكن الصين لا تشتري."
وعندما يستطيع أكبر مستورد للنفط الخام في العالم أن يكون بهذا القدر من الانتقائية، فإنه لا يقبل السعر الذي تفرضه السوق، بل يسهم في تحديده.
خامسًا: التحول الكبير بدأ بالفعل
تشكل سيارات الطاقة الجديدة اليوم سيارة واحدة من كل سيارتين جديدتين تُباعان في الصين.
كما سجلت صادرات التكنولوجيا النظيفة، بما في ذلك الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية، مستوى قياسيًا في مارس، بالتزامن مع بداية القتال في إيران.
وتستهدف بكين رفع حصة مصادر الطاقة غير الأحفورية إلى 25% من إجمالي استهلاك الطاقة بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 22% العام الماضي، سواء استمرت الحرب أم لا.
وأشار محللو جيه بي مورجان في وقت سابق من هذا الشهر إلى أن الصراع ربما لم يفعل سوى تسريع التغيرات السلوكية التي كانت جارية بالفعل، ما جعل اعتماد الصين على النفط أقل مما كانت الأسواق تتوقع.
ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان هذا الاتجاه سيستمر مع جولة جديدة من الضربات العسكرية والحصار البحري، وهو العامل الرئيسي الذي يراقبه المستثمرون بعد الارتفاع الأخير في أسعار النفط.
وطرح دون ستريفن، من جولدمان ساكس، احتمال أن يكون جزء ملموس من الانخفاض في واردات الصين النفطية ــ ربما نحو عُشر هذا التراجع ــ لن يعود مطلقًا، سواء تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار أم لا.
وإذا صح هذا السيناريو، فإن الصين، التي بنت بهدوء خمس طبقات من الحماية على مدى سنوات، قد تجد نفسها بحاجة إلى كميات أقل من نفط العالم مقارنة بما كان يتوقعه الجميع، ليس بصورة مؤقتة، وإنما بشكل دائم.
