انطلقت مجلة المانغا «غارو» عام 1964، ونجحت في التميّز عن المجلات التجارية السائدة عبر منحها الحرية الفنية أولوية مطلقة. هذا التوجّه فتح الباب أمام موجة واسعة من التجريب الإبداعي، أسهمت بدورها في ازدهار المجلة وتركَت أثرًا عميقًا في الأجيال اللاحقة من صانعي القصص المصوّرة في اليابان.
شغف بالمانغا
صدر العدد الشهري من مجلة المانغا ”غارو“ في تموز/يوليو عام 1964، في الوقت الذي كانت فيه اليابان تعيش موجة من الحماس بفضل نموها الاقتصادي السريع وتطلعها إلى أولمبياد طوكيو الذي عُقد في العام نفسه. وقد أسس المجلة ناغاي كاتسوئيتشي المحرر الأسطوري الذي أشرف على عدد كبير من أعمال المانغا الناجحة المعدة لخدمات التأجير، بينما كان طريح الفراش بسبب إصابته بالسل. كما قدم شيراتو سانبي، الذي أثار ضجة بعمله التاريخي ”نينجا بوغيتشو: أسطورة كاغيمارو“، تعاونا كاملا من حيث التمويل واتخاذ القرارات التحريرية الأساسية. وكان الهدف توفير منبر ينشر فيه شيراتو عمله الطويل التالي، إلى جانب إتاحة فرصة لرسامي المانغا الذين تقلصت أمامهم الخيارات مع ركود سوق التأجير.
افتتح العدد الأول بأربع قصص لشيراتو، وضم أيضا قصة إضافية لميزوكي شيغيرو، أبرز فناني اليوكاي.
وقد صرح ناغاي لاحقا وهو يستعيد ذكريات تلك الفترة:
”كنت شغوفا بإصدار مجلة مانغا شهرية. أردتُ من رسامي المانغا المفضلين أن يصبوا اهتمامهم في ابتكار ما يحبون داخل هذه المجلة. وعندما أتذكر الأمر اليوم، أجد أنها كانت المرة الأولى التي رغبت فيها بحق في نشر مانغا رائعة“.

الطبعتان الأولى (على اليسار) والثانية من غارو (© ناكانو هارويوكي)
وخصصت المجلة –باقتراح من شيراتو– جائزة شهرية للمبدعين الجدد بهدف اكتشاف مواهب واعدة في ”مانغا القصص“ ذات السرد الروائي، وفي أسلوب ”غيكيغا“ الجاد. وكانت هذه مبادرة استثناء بين مجلات المانغا، إذ عكست رؤية غارو التحريرية التي سعت إلى نشر مانغا تلائم عصرا جديدا، وتؤكد على الأصالة والتفرد.
تاريخ ملحمي
بدأت سلسلة شيراتو الجديدة ”أسطورة كاموي“ بعدد كانون الأول/ديسمبر لعام 1964. وتدور أحداثها في أوائل فترة إيدو (1603-1868) داخل مقاطعة متخيلة تعرف باسم هيوكي، وتتخذ من ثلاث شخصيات محورية مركزا لها: كاموي (نينجا منبوذ) وريونوشين (الذي غادر عشيرته سعيا للثأر لمقتل أسرته) وشوسوكي (مزارع). غير أن السرد التاريخي الواسع يجمع أكثر من 100 شخصية، كما نشر شيراتو أكثر من 100 صفحة في كل عدد.
أما ”أسطورة كاغيمارو“، وهو العمل السابق الذي تعاون فيه ناغاي وشيراتو، فقد كانت تدور أحداثها في أواخر فترة المقاطعات المتحاربة (1467–1568). وفي هذا العمل وقف النينجا كاغيمارو في مواجهة أودا نوبوناغا الذي كان قاب قوسين من توحيد البلاد تحت سلطته. وتصور المانغا زمنا مضطربا كان الثأر فيه هو المحرك للكثيرين.

نينجا بوغيتشو: أسطورة كاغيمارو (يسار) وأسطورة كاموي (© ناكانو هارويوكي)
يصور العملان البنية الاجتماعية ومعاناة الإنسان من خلال شخصيات تكافح داخل النظام الطبقي. وقد وصفا بأنهما ”مانغا مادية تاريخية“، وكسبا قلوب الشباب في زمن كانت فيه الحركات الطلابية تتصدر العناوين. وكان الفيلسوف والمؤرخ تسورومي شونسوكي من بين المفكرين الذين أثنوا على هذين العملين بوصفهما شكلا من أشكال الحراك الأيديولوجي.
غريب عن عالم المانغا
”الرجاء التواصل معي، تسوغي يوشيهارو“.
ظهرت هذه الجملة في عدد أبريل/نيسان عام 1965 من مجلة غارو، حين تواصل شيراتو مع تسوغي بعدما أدرك موهبته في صناعة المانغا.
كان تسوغي ناشطا بالكامل في صناعة المانغا منذ عام 1955، حيث عمل في أنواع مختلفة موجهة لسوق التأجير. وفي عام 1958 بدأ يؤلف أعمالا للمجلات الكبرى، لكنه وجد مطالب المحررين مرهقة فانصرف عائدا إلى المانغا المعدة للتأجير. وعندما نُشرت الرسالة الموجهة إليه في غارو، قيل إنه كان يعيش مأزقا حقيقيا تمثل في عجزه عن كتابة المانغا التي كان يريدها حقا.
وبعد لقائه ناغاي الذي طلب منه أن يكتب شيئا لمجلة غارو، شرع تسوغي بنشر أعمال قصيرة. فظهرت مانغا ”المحارب الزائف“ في عدد أغسطس/آب عام 1965. وتلتها أعمال في عام 1966 مثل ”المستنقع“ و ”تشيربي“، حيث رسخ أسلوبه الخاص المتأثر بمنهج الروايات الذاتية التي يكون النص فيها مستندا إلى حياة الكاتب ذاته. وقد وجد تسوغي أخيرا منبرا يتيح له الحرية الفنية التي كان ينشدها.
ومن ”زهور حمراء“ في عدد أكتوبر/تشرين الاول عام 1967، بدأ تسوغي يقدم مجموعة من الأعمال القصيرة المستوحاة من رحلاته، إلى جانب روائع مثل ”فتاة حانة موكّيرييا“. وقد ركزت طبعة خاصة من غارو صدرت في يونيو/حزيران عام 1968 على أعمال تسوغي، بما فيها ”نيجيشيكي“ التي صورت حلما غير عقلاني بوضوح مباشر ونالت إشادة واسعة.

تعد ”نيجيشيكي“ لتسوغي يوشيهارو إحدى أشهر أعماله. (© تسوغي يوشيهارو/سيرين كوغيشا)
وبعد خمسة أعوام، كانت مانغا ”سيد نزل الصفصاف“ آخر ما قدمه تسوغي في غارو عام 1970. وقد كانت ذات تأثير كبير على رسامي المانغا الشباب، كما أصبحت الأسلوب الطليعي السريالي الذي أسهم في ترسيخه يعرف باسم ”غارو كيي“.
وفي عام 2020 نال تسوغي جائزة شرفية في مهرجان أنغوليم الدولي للقصص المصورة، حيث قُدم على أنه ”جان لوك غودار المانغا“. وقد نشرت أعماله بالفرنسية والإنجليزية، وله معجبون متحمسون في مختلف أنحاء العالم. وكانت غارو المنبر الرئيسي لإبراز أعماله.
شعور أدبي
عند تأسيس غارو، كان ميزوكي شيغيرو –إلى جانب شيراتو سانبي– من أبرز نجومها. وقد شملت أعماله للمجلة إعادة إنتاج لعمل سابق حقق نجاحا في سوق التأجير بطلُه فتى اليوكاي كيتارو، وسلسلة ”الرجل الذي عجز عن التقاط نجمة“ المستوحاة من حياة كوندو إيسامي، المناصر للشوغونية في فترة سقوطها.
ووجد مبدعون موهوبون من خلفية مانغا معدة للتأجير مساحة للنمو في صفحات غارو. فقد صور ناغاشيما شينجي الحياة الداخلية الانعزالية لشباب المدن، في حين كشف تاتسومي يوشيهيرو –الذي يقال إنه صاغ مصطلح غيكيغا– حقيقة الوجود الإنساني بوضوح صارم. وقدم تاكيتا يو سلسلة تبعث الحنين إلى القصص القصيرة بعنوان ”حكايات حي تيراشيما الغامضة“، أما تسوغي تاداو –شقيق تسوغي يوشيهارو– فقد صور الأشخاص الذين تركهم المجتمع خلفه بلمسة خالية من العاطفة.
وعبر شباب فائزون بجائزة المبدعين الجدد عن طموحهم في المجلة. فقد كان لمانغا ”مرثية بلون أحمر“ لهاياشي سيئيتشي تأثير في ثقافة الشباب، حتى إنها ألهمت أغنية ناجحة تحمل الاسم ذاته ألفها ولحنها المغني الشعبي أغاتا موريو.

ظهر مبدعون يعملون في أنواع مختلفة من المانغا داخل غارو. (© ماتسوموتو سوئيتشي)
وكان من إنجازات مجلة غارو في سبعينات القرن الماضي قدرتها على قلب قواعد راسخة، مثل فكرة أن المانغا فن متدنٍ أو موجه للأطفال فقط. وقد رأى الناقد كوري توموفوسا أن المجلة تحتل في عالم المانغا الموقع ذاته الذي يحتله الأدب الخيالي بالنسبة للروايات.
مجلة منافسة
في ديسمبر/كانون الاول عام 1967 أطلقت شركة موشي برو شوجي التابعة لتيزوكا أوسامو مجلة ”كوم“. وقد كانت منبرا أتاح لتيزوكا نشر أعمال تجريبية مثل رائعته ”العنقاء“ التي عُدت ردا على ”أسطورة كاموي“. وظهرت في ”كوم“ أيضا مانغا ”جون“ لإيشينوموري شوتارو و ”فوتين“ لناغاشيما شينجي. وقد عكست عناية المجلة باكتشاف كتاب جدد، إضافة إلى المراجعات وأخبار الصناعة، تأثير مجلة غارو الواضح.

الطبعة الأولى من ”كوم“ (© ناكانو هارويوكي)
ومن بين المبدعين الجدد الذين ظهروا في مجلة كوم كانت تاكيميا كييكو، التي اشتهرت لاحقا بمانغا الفتيات مثل ”قصيدة الريح والأشجار“. وقد تواصل عشاق المانغا في أنحاء اليابان عبر صفحات المجلة وشكلوا شبكات متعددة. وقاد هذا التفاعل إلى إقامة مهرجانات لمحبي المانغا، وإلى تجمعات مثل ”كوميكت“ التي ركزت على تبادل أعمال ”دوجينشي“ أو الأعمال المنشورة ذاتيا.

إصدارات مختلفة من ”كوم“. (© ناكانو هارويوكي)
وفي شباط/فبراير عام 1968 أصدرت دار النشر الكبرى شوغاكوكان مجلة جديدة باسم ”بيغ كوميك“ تستهدف الرجال الشباب، وقد احتوى عددها الأول أعمالا لتيزوكا أوسامو وشيراتو سانبي وإيشينوموري شوتارو وميزوكي شيغيرو وسايتو تاكاو. ويقال إن رئيس التحرير صرح قائلا ”نحن نسعى لصنع نسخة شوغاكوكان من غارو“. وقد نُشرت في المجلة تتمة لـ ”أسطورة كاموي“ الأصلية بدءا من عام 1988.
وبحلول عام 1970 شهدت الساحة موجة من المانغا الجديدة من كبريات دور النشر، وقد بدأ العديد من رسامي المانغا الشباب الذين ظهروا في خضم هذا الازدهار، مسيرتهم إما في غارو أو في كوم.
توسع الآفاق
في عام 1967، تجاوز توزيع أفضل المانغا الموجهة للفتيان حاجز مليون نسخة. وعلى النقيض من ذلك، فقد بقي توزيع غارو وكوم في ذروتهما ضمن نطاق عشرات الآلاف. وبينما كانت غارو تكافح لتحقيق الربح، اشتهرت بدفع مبالغ زهيدة لرسامي المانغا. وتوقفت كوم عن الصدور في نهاية عام 1971. وفي العام نفسه انتهى الجزء الأول من ”أسطورة كاموي“ في غارو، غير أن المجلة كانت بالكاد قادرة على مواصلة مسيرتها وسط تغييرات في إدارتها ووفاة ناغاي في يناير/كانون الثاني عام 1996، ومشاكل أخرى، قبل أن تتوقف فعليا عن النشر في عام 2002.
لعبت غارو دورا كبيرا في تطور المانغا من خلال تركيزها على ما يريد المؤلفون قوله وما يرغبون أن يختبره القراء، أكثر من تركيزها على الجدوى التجارية. فقد نشرت أعمالا أصيلة ومبتكرة ذات طابع مميز تجذب القراء البالغين بما يكفي لمنافسة الأفلام والروايات، ما وسّع أفق التعبير في عالم المانغا.

معرض لأعمال يومورا تيروهيكو، الذي رسم أغلفة غارو في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ويعد مثالا على جمالية ”هيتاؤما (سيئ لكنه جيد)“. التقطت الصورة في يوليو/تموز عام 2025 في طوكيو. (© كينيليفانت)
معلومات حول الأعمال المذكورة أعلاه
يرجى ملاحظة أن تفاصيل الترجمات الانجليزية تعتمد على المعلومات المتاحة بسهولة وقد تكون غير مكتملة.
- تمت ترجمة ”أسطورة كاموي“ لشيراتو سانبي إلى الإنجليزية من قبل ريتشارد ونوريكو روبينغر عن ”كاموي دين“. أما ”نينجا بوغيتشو: أسطورة كاغيمارو“ فلم تترجم بعد.
- تمت ترجمة أعمال تسوغي يوشيهارو من قبل رايان هولمبيرغ ضمن مجموعات متعددة: ”المحارب المزيف (أواسا نو بوشي)“ و ”المستنقع (نوما)“ و ”تشيربي (تشيكو)“ في مجموعة ”المستنقع“، و ”زهور حمراء (أكاي هانا)“ في مجموعة ”زهور حمراء“، و ”نيجيشيكي“ و ”فتاة حانة موكّيرييا (موكّيرييا نو شوجو)“ و ”سيد نزل الصفاف (ياناغييا شوجين)“ في مجموعة ”نيجيشيكي“.
- تمت ترجمة ”مرثية بلون أحمر“ لهاياشي سيئيتشي إلى الإنجليزية من قبل تارو نيتلتون عن ”سيكيشوكي إريجي“.
- تمت ترجمة ”العنقاء“ لتيزوكا أوسامو من قبل فريق داداكاي (جاريد كوك، شينجي ساكاموتو، فريدريك إل شودت) عن ”هي نو توري“.
- تمت ترجمة ”ميلاد كيتارو“ لميزوكي شيغيرو من قبل زاك دافيسون عن ”كيتارو نو تانجو“ كحلقة أولى من مجموعة تحمل الاسم نفسه، مأخوذة من مجلة غارو (بينما الحلقات الأخرى من مجلات مختلفة). ولا تزال ”الرجل الذي عجز عن التقاط نجمة (هوشي أو تسوكاميسوكونيرو أوتوكو)“ بدون ترجمة حتى الآن.
- لا تزال ”حكايات حي تيراشيما الغامضة (تيراشيما تشو كيتان)“ و ”جون“ و ”فوتين“ و ”قصيدة الريح والأشجار (كازي تو كي نو أوتا)“ أعمالا غير مترجمة.
(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية بتاريخ 22 سبتمبر/أيلول عام 2025. الترجمة من الإنجليزية. صورة العنوان: مجلة المانغا الرائدة غارو، © ماتسوموتو سوئيتشي)
كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | غارو… الشرارة التي أشعلت ثورة المانغا الفنية في اليابان لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
