الرياص - اسماء السيد - نستعرض في عرض الصحف البريطانية والأمريكية بعض مقالات الرأي التي لا تزال تسلط الضوء على العملية العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة في فنزويلا وأفضت إلى إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو عن السلطة وما وصف بـ "اعتقاله"، ومحاكمته على الأراضي الأمريكية، من بينها مقال يرى أن العملية "فضحت" هشاشة القوانين الدولية، وآخر يرى أن ما حدث جعل أمن الدول الأخرى في "خطر"، وأخيراً مقال يبرز مخاطر "فرط الثقة" الأمريكية بقدراتها العسكرية على المشهد السياسي العالمي.
نبدأ بصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية ومقال رأي كتبته هيئة التحرير بعنوان "اعتقال مادورو يفضح زيف القوانين"، الذي يشير إلى أنه من بين الانتقادات الموجهة إلى العملية الأمريكية الهادفة إلى اعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، إمكانية أن تؤدي إلى تشجيع دول أخرى على خرق القانون الدولي.
ويرى المقال أن القانون الدولي، الذي يحظر عموماً استخدام القوة العسكرية باستثناء حالات الدفاع عن النفس، لم يكن في أي وقت فعالاً من حيث قدرة المجتمع الدولي على تطبيقه، فضلاً عن كون الرئيس دونالد ترامب يسلط الضوء على بعض الحقائق غير المريحة المتعلقة بكيفية سير النظام العالمي.
ويضيف أن إدارة ترامب سعت بعناية إلى تقديم العملية على أنها تهدف إلى إنفاذ القانون، وليست هجوماً عسكرياً، وذلك من خلال الإعلان عن لائحة اتهام جنائية جديدة بحق مادورو عقب إلقاء القبض عليه، وأوضح رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكي، بحسب المقال، أن عملاء فيدراليين كانوا على الأرض في العاصمة كاراكاس إلى جانب عناصر عسكرية، مشيراً إلى مادورو وزوجته بصفتهما "المتهمين اللذين ورد اسماهما في لائحة الاتهام".
ويلفت المقال إلى أن المدّعين العامين الأمريكيين باستطاعتهم توجيه لوائح اتهام إلى العديد ممن وصفهم بالحكام المستبدين في العالم على خلفية ارتكابهم جرائم يعاقب عليها القانون الأمريكي، وهذا ما حدث بالفعل عندما وجه المستشار الخاص روبرت إس. مولر اتهامات إلى عناصر من الحكومة الروسية بعد اختراق رسائل بريد إلكتروني خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016.
وأضاف المقال أن الصين تلعب دوراً محورياً في ادعاءات إدخال مادة الفنتانيل المخدرة إلى الولايات المتحدة، وعلى الرغم من ذلك يظل تنفيذ غارة جوية أمريكية على موسكو أو بكين لاعتقال مسؤولين حكوميين أمراً غير قابل للتصور، ومن المؤكد أن واشنطن لا تستطيع تبرير مثل هذا الهجوم واعتباره "إنفاذاً للقانون"، بمعنى آخر، فإن نطاق تطبيق القانون الأمريكي داخل الدول المعادية يتوقف على قوة الدولة المستهدفة ومكانتها.
بيد أن الإشكالية القانونية، وفقاً للمقال، تتمثل في مبدأ الحصانة السيادية الممنوحة لرؤساء الدول، وهو مبدأ يدركه ترامب جيداً في ضوء قرار المحكمة العليا الأمريكية الصادر عام 2024، الذي أقرّ له بحصانة جزئية أمام المحاكم الأمريكية، وإن كانت لائحة اتهام مادورو تشير إليه بوصفه لا يُعد الرئيس الشرعي لفنزويلا بسبب ما نسب إليه من تزوير الانتخابات، إلا أن القانون الأمريكي لا يفرض شرطاً يقضي بأن يتولى حكام الدول الأجنبية مناصبهم عبر آليات ديمقراطية.
ويرى المقال أنه من غير المستبعد أن يُقدم ترامب في مرحلة لاحقة على إبرام صفقة مع مادورو لوضع حد لمسار قانوني أمريكي يُتوقع أن يكون طويل الأمد، وفي حال حدوث انتقال ديمقراطي في فنزويلا، قد يجري تسليم مادورو إلى بلاده لمواجهة المحاكمة على الجرائم المنسوبة إليه.
ويختتم المقال مشيراً إلى سعي إدارة ترامب إلى تحقيق أهداف واضحة في سياستها الخارجية تجاه فنزويلا، من بينها إخراج النفوذ الروسي والإيراني والصيني من البلاد، بيد أن إدارة ترامب وضعت لهذه الأهداف تبريراً قانونياً مثيراً للجدل، وأدرجتها ضمن ممارسة أمريكية تقليدية لسياسة القوة، وكانت النتيجة أن القانون الدولي لا يُنتهك دون رادع فحسب، بل أصبح قيداً ضعيفاً على تصرفات الدول.
"تحرك جعل العالم أقل أمناً"
ننتقل إلى صحيفة "الغارديان" البريطانية ومقال رأي كتبه فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، بعنوان: "بسبب العمل العسكري الذي قام به ترامب في فنزويلا، جعلت الولايات المتحدة كل دولة أخرى أقل أماناً"، ويستهله الكاتب مشيراً إلى أن العملية تُضعف الآلية الوحيدة المتاحة لمنع الصراعات العالمية، ألا وهي الأمم المتحدة، مؤكداً على ضرورة أن يدافع المجتمع الدولي عن سيادة القانون.
ووفقاً لتورك إن العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا تقوّض مبدأ جوهرياً من مبادئ القانون الدولي، أُقر عقب مآسي حربين عالميتين ومحرقة، ومفاده أن الدول لا يجوز لها استخدام القوة لتحقيق مطالب إقليمية أو أهداف سياسية.
ويقول تورك إن فريق عمله دأب منذ سنوات على إدانة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ترتكبها السلطات الفنزويلية، فضلاً عن توثيق الأوضاع ورصدها والتحذير منها داخل البلاد، والدعوة باستمرار إلى وضع حد للمحاكمات الجائرة، والاحتجاز التعسفي، والاختفاء القسري، واضطهاد المعارضين السياسيين، والقيود الشاملة المفروضة على حرية التعبير والتجمع.
ويرى تورك أنه على النقيض تماماً من كونه انتصاراً لحقوق الإنسان، فإن هذا التدخل العسكري، الذي يتعارض مع سيادة فنزويلا وميثاق الأمم المتحدة، يقوّض منظومة الأمن الدولي ويجعل العالم بأسره أقل أمناً، كما يبعث رسالة خطيرة مفادها أن الدول القوية قادرة على التصرف دون قيود، ويُضعف الآلية الوحيدة المتاحة لمنع اندلاع حرب عالمية ثالثة، ألا وهي الأمم المتحدة، ولا يمكن لأي محاولات تهدف إلى التضليل أو التشتيت أن تغيّر من هذا الواقع.
ويقول الكاتب إنه بعيداً عن الحجج القانونية، أظهرت لنا التجارب التاريخية أن محاولات تغيير الأنظمة، وإن استُقبلت في بداياتها بشيء من الارتياح، غالباً ما تفضي إلى انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وفوضى خطيرة، وصراعات عنيفة ممتدة.
ويشدد تورك على أن حقوق الشعب الفنزويلي لا ينبغي أن تكون أداة للمساومة أو ساحة لتسجيل النقاط السياسية، بل يجب أن تحتل حقوق الإنسان موقع الصدارة في مستقبل فنزويلا، لا أن تُهمّش لصالح مفاوضات تتعلق باستغلال موارد الوقود الأحفوري، كما أن تقرير مصير البلاد يجب أن يكون بيد شعبها.
ويختتم تورك مقاله مشيراً إلى عدم جواز التعامل مع حقوق الإنسان باعتبارها أداة أيديولوجية متغيرة، إذ لا يمكن السماح بتسليع الحقوق أو توظيفها انتقائياً، أي استحضارها حين تخدم المصالح، وانتقادها عندما تعترض سبيلها، معرباً عن قلقه إزاء شعوب المنطقة والعالم الذين ينظرون بقلق شديد إلى ما يعنيه هذا الانتهاك للقانون الدولي بالنسبة لأمنهم الشخصي والجماعي، وفقاً لتورك.
"ثقة زائدة ومخاطر جسيمة"
نختتم جولتنا بصحيفة "التايمز" البريطانية ومقال رأي كتبه وليام هيغ، وزير الخارجية البريطاني السابق، بعنوان: "عملية أمريكية بارعة، لكن الخطر الحقيقي يبدأ الآن في فنزويلا"، ويستهله بالإشادة بما وصفه البراعة الاستثنائية والتنفيذ المحكم لعملية اعتقال رئيس فنزويلا، التي تظهر أمرين معاً: القوة العسكرية الأمريكية الكبيرة، والمخاطر المحتملة التي قد تنجم عن لجوء الرئيس ترامب إلى تكرار استخدامها.
ويقول وليام هيغ إن ادعاء ترامب بأن أي دولة أخرى في العالم لم تكن لتنجح في تنفيذ مثل هذه العملية هو صحيح، فمن دون فقدان جندي أمريكي واحد، حلّقت نحو 150 طائرة فوق أرض دولة معادية، وجرى خلالها إدخال قوات برية وإخراجها بنجاح، وكانت هذه القوات كافية للسيطرة على رئيس دولة تحيط به عشرات العناصر الأمنية ويتحصن داخل ملجأ فولاذي محصّن.
ويضيف الكاتب أن هذه العملية استلزمت عملاً استخباراتياً رفيع المستوى، وتنسيقاً بالغ الدقة بين القوات البرية والبحرية والجوية، من دون وقوع أي خلل أو خطأ، فلكي تتمكن الولايات المتحدة من إلقاء القبض على نيكولاس مادورو بهذه الطريقة، لم يكن يكفي امتلاك أسلحة متقدمة فحسب، بل كان لا بد من تخطيط متقن، ومعلومات استخباراتية فعّالة، وجنود يتحلون بالشجاعة، وكل ذلك متوافر لديها.
ويرى أنه لا عجب في أن يظهر ترامب واثقاً جداً من أن خلفاء مادورو سينفذون تعليماته، في الوقت الذي يشير فيه إلى ضرورة الحصول على غرينلاند ويحذّر الرئيس الكولومبي قائلاً "انتبه لنفسك"، ويأتي ذلك على خلفية أداء عسكري ملفت قبل ستة أشهر فوق إيران، وضرب أهداف نووية بدقة فائقة، دون أي خسائر أو أخطاء.
ويقول هيغ إنه بالنسبة لنا في بريطانيا، يمثل امتلاك الأمريكيين لمثل هذه القدرات خبراً مطمئناً أكثر من امتلاك أي طرف آخر لها، وعلى الرغم من ذلك، إذا استخلص البيت الأبيض الدرس القائل بأن القوة الهائلة يمكن نشرها بلا تكلفة وبدون محاسبة، فإن المخاطر المرتبطة بهذا النهج ستتفاقم.
ويفسر أن هناك مخاطر رئيسية من هذا النهج، أولها أنه بينما يمكن التنبؤ بتداعيات الضربات العسكرية السريعة، فإن مسار التحولات السياسية التي تليها يبقى غير محسوب النتائج، وقد عُرف هذا بالخبرة المكلفة، فعلى سبيل المثال أصبحت طالبان حاكمة لأفغانستان رغم كل الدماء والموارد التي استُنفدت هناك، بينما كان العراق شاهداً على زوال تجربة سابقة من الثقة الأمريكية.
وفي ليبيا، بحسب هيغ، فإنه على الرغم من التدخل بتفويض كامل من مجلس الأمن الدولي لحماية أرواح المدنيين وإنقاذ المعارضة الداخلية من المجازر، فلم تكن هناك قدرة على التنبؤ بأن ما بعد القذافي سيكون سلسلة لا تنتهي من الحروب الأهلية التي مزّقت البلاد إلى نصفين. لذا فإنه عند إسقاط رأس الديكتاتورية، لا يمكن أبداً معرفة طبيعة القوة التي ستظهر بعد ذلك.
ويتساءل هيغ ماذا ستفعل الولايات المتحدة إذا لعبت الرئيسة الجديدة والموالية لمادورو، ديلسي رودريغيز، لعبة مزدوجة مع ماركو روبيو، تُرضيه علناً وتُحبطه سراً؟ أو إذا استمر القمع المتمثل في التعذيب والسجن والقضاء المسيّس؟ أو إذا دفعت المعارضة، التي اعتبرها محللون مستقلون الفائز الأكبر في الانتخابات الأخيرة، نحو السلطة؟ وماذا إذا اجتمعت كل هذه السيناريوهات واندلع العنف؟، وفقاً للكاتب.
ويتساءل تحت أي ظرف سيقرر البيت الأبيض إعادة إرسال القوات، أو اعتقال مسؤولين حكوميين آخرين، أو خنق ما تبقى من اقتصاد هذا البلد المأساوي؟ ستكون الخيارات القادمة أصعب بكثير من إصدار أمر بغارة عسكرية مبهرة.
ويختتم هيغ مقاله مشيراً إلى أن البعض يبالغ بالقول إن ما حدث سيشجع روسيا والصين على شن هجمات مستقبلية مماثلة، لكن الواقع أن روسيا تتجاهل القانون الدولي بالفعل وقد انتهكت معظم بنوده في حربها على أوكرانيا، والقانون لن يكون أبداً رادعاً لبوتين، أما الصين، فهي تعتبر مستقبل تايوان شأناً داخلياً لا وزن فيه للقانون الدولي، وعلى الرغم من ذلك، تتيح أحداث فنزويلا لكلتا الدولتين فرصاً لتعزيز مواقعهما العالمية، والاستعداد لأزمات مستقبلية، ولا سيما عبر استغلال الانقسامات داخل الغرب وتعزيز المشاعر المعادية للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وفقاً للمقال.

