انت الان تتابع خبر العسكري يتحدث عن أزمة تشكيل الحكومات في العراق: الخلل بتفسير الكتلة الأكبر والان مع التفاصيل
بغداد - ياسين صفوان - وقال العسكري في بيان، "ما يعيشه العراق من أزمات متكررة في تشكيل الحكومات ليس خللاً عابراً، بل نتيجة تفسير دستوري أفرغ العملية الانتخابية من مضمونها"، موضحا أن "الأزمة السياسية التي يعيشها العراق خلال الأشهر الماضية، والتي بدأت ملامح انفراجها تلوح في الأفق بعد ترشيح الإطار التنسيقي للسيد علي الزيدي لتشكيل الحكومة الجديدة، ليست أزمة طارئة".
وأضاف "بل هي أزمة بنيوية، ستتكرر بعد كل انتخابات برلمانية، ما لم يتم التعامل مع جذورها الحقيقية"، مردفا أن "جذر هذه الأزمة يعود إلى التفسير الذي قدمته المحكمة الاتحادية عام 2010 لمفهوم الكتلة الأكبر الوارد في الدستور، وهو التفسير الذي سمح بتشكيل هذه الكتلة بعد إعلان نتائج الانتخابات، وقبل انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب".
ولفت العسكري الى أن "هذا التفسير، وإن بدا منسجماً مع قراءة شكلية للنص، إلا أنه جاء مخالفاً لروح الدستور وأهداف المشرّع"، مضيفا "أقول ذلك لا من موقع التحليل فقط، بل من موقع الشهادة والمشاركة في صياغة هذه المادة الدستورية والتصويت عليها، فحين صيغ النص، كان المقصود واضحاً: القائمة الانتخابية التي تفوز بأكبر عدد من المقاعد، لا التحالفات التي تُصنع بعد ظهور النتائج".
وتساءل العسكري كيف تغيّر معنى الانتخابات، قائلا "ما حدث بعد هذا التفسير هو تحول جوهري في طبيعة النظام السياسي"، مشددا "فبدلاً من أن تكون الانتخابات هي التي تحدد الفائز الذي يتولى تشكيل الحكومة، أصبحت النتائج مجرد محطة أولية تُعاد صياغتها داخل الغرف السياسية المغلقة.
وبذلك، لم تعد الكتلة الأكبر تعبيراً عن إرادة الناخبين، بل نتيجة تفاهمات لاحقة، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية".
ولفت الى أنه "حين يُفرغ مفهوم "الفوز" من معناه، تُفرغ الانتخابات نفسها من قيمتها، نتائج التفسير… أزمات متكررة"، معتبرا أنه "منذ ذلك التفسير، دخل العراق في دائرة مفرغة: انتخابات تفرز نتائج، ثم خلافات على الكتلة الأكبر، ثم مفاوضات طويلة، ثم تسويات، ثم حكومة لا تعكس بالضرورة إرادة الناخبين، ومع كل دورة انتخابية، تتكرر الأزمة نفسها".
وتابع "حتى وصلنا إلى الوضع الحالي، حيث مضت أشهر طويلة على الانتخابات الأخيرة دون تشكيل حكومة، في مشهد بات مألوفاً، رغم خطورته"، مشيرا الى أن "الأمر الأكثر غرابة أن عدداً من رؤساء الحكومات خلال السنوات الماضية لم يكونوا بالضرورة الفائزين في الانتخابات، بل إن بعضهم لم يشارك فيها أصلاً، أو شارك دون أن يحقق نتائج توازي الموقع الذي وصل إليه، وهذا يتناقض مع أبسط منطق الأنظمة البرلمانية، التي تقوم على مبدأ أن من يفوز بثقة الناخبين يجب أن يكون له الدور الأساسي في تشكيل السلطة التنفيذية".
وأشار العسكري الى الحاجة إلى تصحيح المسار، مضيفا "اليوم، لم يعد ممكناً التعامل مع هذه المشكلة بوصفها جزءاً من "التجربة السياسية"، بل يجب الاعتراف بأنها خلل دستوري في التطبيق، ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة التفسير الذي قدمته المحكمة الاتحادية، وإعادة النظر فيه بما ينسجم مع روح الدستور، ويعيد الاعتبار لإرادة الناخبين".
وتحدث العسكري عن ملاحظة بالغة الأهمية، مردفا بالقول "فقد أشار رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، إلى أن ذلك التفسير لم يكن صحيحاً، وهو موقف يعكس إدراكاً داخل المؤسسة القضائية نفسها لحجم الإشكالية التي نتجت عنه، ومع أن تفسير النصوص الدستورية يبقى من صلاحيات المحكمة الاتحادية، إلا أن الموقع الذي يشغله يضع عليه مسؤولية الدفع باتجاه تصحيح هذا المسار، أو على الأقل فتح الباب أمام مراجعة قانونية جادة تعيد الأمور إلى نصابها".
وشدد على أن "المسألة لم تعد خلافاً فقهياً، بل أصبحت قضية تمس جوهر العملية الانتخابية، بل واستقرار النظام السياسي برمته"، مؤكدا أن "الأزمة السياسية في العراق ليست في تعدد القوى، ولا في تعقيد المشهد، بل في القواعد التي تحكم هذا المشهد، وما لم يتم تصحيح مفهوم الكتلة الأكبر، فإن كل انتخابات قادمة ستعيد إنتاج الأزمة نفسها".
واختتم حديثه أن "الديمقراطية لا تُختبر فقط بنزاهة الانتخابات، بل بقدرتها على تحويل أصوات الناخبين إلى سلطة حقيقية، وأي تفسير يعطل هذا التحول، إنما يفرغ النظام كله من معناه".