في وقت تتعالى فيه الأصوات داخل الساحة السياسية اليابانية، من مختلف التيارات، مطالِبةً بتقديم تخفيضات ضريبية لتخفيف الأعباء عن السكان في سنّ العمل، يطلق الكاتب جرس إنذار من مغبة الانجراف وراء ما يصفه بـ«شعبوية قصيرة النظر». فمثل هذه الدعوات، وإن بدت جذابة على المدى القريب، قد تُقوّض أسس نظام الضمان الاجتماعي الذي تعتمد عليه شرائح واسعة من المجتمع، وتؤدي في نهاية المطاف إلى تعميق فجوات عدم المساواة الاقتصادية بدل معالجتها.
صعود الشعبوية قصيرة النظر
استجابة لقلق الرأي العام من ارتفاع تكاليف المعيشة، تتسابق الأحزاب السياسية في اليابان على زيادة صافي دخل العمال من خلال خفض أعباء الضرائب والضمان الاجتماعي. ومن بين التدابير المطروحة زيادة الحد الأدنى للدخل الخاضع للضريبة، وخفض معدل ضريبة الاستهلاك، والأكثر إشكالية خفض أقساط التأمين الاجتماعي.
الدافع الكامن وراء هذا التوجه مفهوم. فمع تسارع ارتفاع تكاليف المعيشة مقارنة بزيادة الأجور، تتصاعد حالة الإحباط بسبب تقلص الدخل المتاح للإنفاق، ويسعى السياسيون إلى الاستجابة عبر إجراءات ملموسة. غير أن السياسات الحكومية لا تقتصر على معالجات سريعة لمشكلات آنية. فالضرائب ومساهمات التأمين الاجتماعي قد تكون أعباء، لكنها مرتبطة أيضا بمنافع. وتجاهل أهمية تلك المنافع أثناء التنافس على تخفيف الأعباء يمثل نمطا من الشعبوية قصيرة النظر التي تفرغ ديمقراطيتنا من مضمونها وتؤدي إلى تآكلها.
ما الغاية من الضمان الاجتماعي، ولماذا ترسخ بوصفه أحد أركان مجتمعنا الحديث؟ إن فقدان البوصلة تجاه هذه الغاية الأساسية يعرض استقرار سبل عيش الناس وازدهار الأمة برمتها للخطر. وفيما يلي، أود إعادة تأطير هذه القضية المشحونة عاطفيا على أساس حقائق دامغة.
عبء الضمان الاجتماعي في اليابان مستقر
الطريقة الصحيحة لقياس حجم نظام الضمان الاجتماعي في أي دولة (أي الإنفاق الحكومي على المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية وغيرها من البرامج الاجتماعية) ليست باعتباره قيمة مطلقة، بل بوصفه نسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي. وعند القياس بهذه الطريقة، يتبين أن الإنفاق الاجتماعي ينمو بوتيرة متواضعة للغاية. ففي عام 2024، ووفقا لتوقعات الحكومة اليابانية، سيبلغ هذا الإنفاق نحو 24% من إجمالي الناتج المحلي، أي ما يعادل 1.1 مرة فقط (10%) مقارنة بمستواه في عام 2015.

صحيح أن مستوى المنافع الاجتماعية ارتفع بشكل ملحوظ في وقت سابق من هذا القرن، إذ ازداد بمقدار 1.46 مرة كنسبة من إجمالي الناتج المحلي، ما يعني أن العبء قد ارتفع بدوره بصورة كبيرة. غير أن النمو في المنافع الاجتماعية كنسبة من إجمالي الناتج المحلي سيتباطأ بشكل واضح بين الآن وحتى عام 2040، إذ لن يزيد في مجموعه على ما يربو قليلا عن نقطتين مئويتين. وسيبلغ متوسط الزيادة السنوية في المنافع خلال تلك الفترة نحو 2% فقط. وبالنظر إلى أن عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 75 عاما أو أكثر من المتوقع أن ينمو بمقدار 1.37 مرة خلال الفترة نفسها، فإن هذا المعدل من الزيادة يعد مقيدا إلى حد كبير.
تقف وراء هذا التوجه مجموعة من العوامل، من بينها تراجع عدد السكان، فضلا عن سياسات متعددة صممت بهدف ”التحسين الهيكلي“ لبرامج الضمان الاجتماعي الوطنية مثل التأمين الصحي وتأمين الرعاية طويلة الأجل والمعاشات التقاعدية العامة. وقد لعبت إصلاحات معاشات التقاعد، بما في ذلك اعتماد صيغة ”الانزلاق الاقتصادي الكلي“ (التي تحد من زيادات تكاليف المعيشة)، دورا مهما على نحو خاص في هذا السياق، إذ أسهمت في خفض مستوى المنافع التقاعدية المصروفة كنسبة من إجمالي الناتج المحلي. ومن أجل خوض نقاش مثمر حول هذه القضية، يتعين علينا النظر إلى مجمل الأرقام، لا الاكتفاء بترديد الحديث عن اتجاهات الماضي.
الأقساط أيضا تحت السيطرة
فيما يتعلق بعبء أقساط التأمين الاجتماعي على جيل العاملين، فإن مساهمات المعاشات التقاعدية العامة محددة بالفعل عند معدل 18.3% من الأجور، ولن تشهد أي ارتفاع اضافي.
كما أن أقساط التأمين الصحي مستقرة إلى حد ما. فمنذ عام 2012، ظلت أقساط المشتركين في خطط جمعية التأمين الصحي اليابانية، المتاحة لموظفي الشركات الصغيرة والمتوسطة، مستقرة عند نحو 10% من الأجر الشهري في المتوسط. علاوة على ذلك، سجلت هذه الخطط فائضا إجماليا قدره 658.6 مليار ين في السنة المالية الماضية. أما الأقساط في الخطط التي ترعاها الشركات الكبرى (التأمين الصحي المدار من الجمعيات) فهي أقل من ذلك، إذ تتراوح بين 9% و9.5% من الدخل (في العام الماضي، سجلت هذه الخطط عجزا إجماليا بنحو 380 مليار ين، ويبلغ متوسط المعدل اللازم لتحقيق التعادل 9.6%).
وبالطبع، من المتوقع أن تميل معدلات التأمين الصحي إلى الارتفاع تدريجيا مع تقدم المجتمع في العمر وتطور العلوم الطبية. وهذه مشكلة عالمية. فلا توجد اليوم دولة صناعية متقدمة تمكنت من منع تكاليف الرعاية الصحية من النمو بوتيرة أسرع من إجمالي الناتج المحلي على المدى المتوسط إلى الطويل. وفي المقابل، تعود التطورات الطبية بالنفع على المجتمع وأفراده من خلال تحسين النتائج الصحية. والطريق الوحيد لمنع زيادة عبء التأمين الصحي يتمثل في تقييد المنافع على نحو يتعارض مع المبادئ الأساسية لنظام التغطية الصحية الشاملة.
تسليط الضوء على عدم المساواة الاقتصادية
يرتبط قدر كبير من الإحباط الاقتصادي الذي نشهده في اليابان اليوم باتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. ويعكس الوضع السياسي الراهن في اليابان انقسامات اجتماعية حادة يغذيها تنامي عدم المساواة الاقتصادية. وتتمثل إحدى الوظائف الأساسية للضمان الاجتماعي في التخفيف من هذا التفاوت الاقتصادي عبر إعادة توزيع الدخل.
وفقا لمسح إعادة توزيع الدخل الذي أجراه المعهد الوطني لأبحاث السكان والضمان الاجتماعي، فإن معامل ”غيني“ قبل فرض الضرائب في اليابان، والذي يقيس عدم المساواة في الدخل الأولي (أو دخل السوق)، يشهد اتجاها تصاعديا. غير أن معامل الدخل المتاح بعد إعادة التوزيع ظل مستقرا تقريبا منذ عام 1990. ويجري معظم هذا التوزيع عبر الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية وغيرها من المنافع الاجتماعية.

وعلى الرغم من إعادة توزيع الدخل هذه، فقد اتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء بسبب التوزيع غير المتوازن للثروة في السوق، أي القيمة المتولدة عن النشاط الاقتصادي. وقد أدت العولمة إلى تركيز الثروة في شرائح معينة وفي قطاعات أعمال محددة. ويشكل السخط المتراكم لدى أولئك الذين ”تخلفوا عن الركب“ بفعل العولمة السبب الجذري للصراعات السياسية التي تجتاح اليابان ودولا أخرى.
وقد أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مرارا إلى أن اتساع الفوارق في الدخل والثروة يؤثر سلبا في النمو الاقتصادي على المديين المتوسط والطويل. ولا تؤدي هذه الفوارق إلا إلى زيادة الحاجة إلى برامج اجتماعية تعيد توزيع الدخل. إن التركيز المفرط على عبء الضمان الاجتماعي ينطوي على مخاطر إضعاف وظيفته في إعادة التوزيع، بما يفضي إلى تفاقم عدم المساواة الاقتصادية وانهيار الطبقة الوسطى. وسيكون ذلك على نقيض الالتزام المعلن للحكومة بتعزيز طبقة وسطى واسعة وقوية في صميم المجتمع الياباني، وكذلك هدفها المتمثل في بناء نظام ضمان اجتماعي يخدم جميع الأجيال.
خفض أقساط التأمين سيصب في مصلحة الأغنياء
إن معظم الضرائب والأقساط التي تمول نظام الضمان الاجتماعي تمثل نسبة ثابتة من الدخل (أو من التكلفة في حالة ضريبة الاستهلاك)، ما يعني أن ذوي الدخول المرتفعة يدفعون مبالغ أكبر. أما المنافع، فتقدم وفقا للحاجة. وفيما يتعلق بالرعاية الصحية وغيرها من المنافع الاجتماعية العينية، لا توجد فروق كبيرة في حجم المنافع بين فئات الدخل المختلفة. وهذا يعني أن الشرائح ذات الدخل الأعلى تتحمل عبئا أكبر مقارنة بما تتلقاه من منافع. ويشكل هذا أحد السبل التي يعيد من خلالها الضمان الاجتماعي توزيع الدخل.
في كتابه ”رأس المال في القرن الحادي والعشرين“، يوضح المؤرخ الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي أن إعادة التوزيع في العصر الحديث لا تقوم على نقل الأموال من الأغنياء إلى الفقراء“. بل إنها –حسب قوله– ”تستند إلى مجموعة من الحقوق الاجتماعية الأساسية: الحق في التعليم والصحة والتقاعد“.
إن خفض عبء الضمان الاجتماعي سيستلزم تخفيضا مماثلا في المنافع، وهو ما من شأنه إضعاف الوظائف الأساسية للضمان الاجتماعي. وبينما ستوزع تخفيضات المنافع بشكل متساو على جميع الفئات، بمن فيهم دافعو الضرائب من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، فإن خفض المساهمات سيعود بفائدة غير متناسبة على دافعي الضرائب من ذوي الدخل المرتفع وعلى الشركات (التي تتقاسم كلفة الأقساط مع موظفيها). وبهذه الطريقة، من شأن مثل هذا الإصلاح أن يؤدي إلى تفاقم الفوارق الاقتصادية.
معالجة التوزيع غير المتوازن في السوق
باختصار، إن خفض الضرائب وأقساط التأمين الاجتماعي بهدف زيادة صافي الدخل سيؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض إحدى الوظائف الأساسية للضمان الاجتماعي، وهي دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي عبر التخفيف من الفوارق في الدخل والثروة. وعلى المدى المتوسط إلى الطويل، من شأن مثل هذا الإصلاح أيضا إبطاء النمو الاقتصادي.
ينبغي تحقيق الأمان المالي لجيل العاملين لا من خلال خفض الضرائب، بل عبر تصحيح التوزيع غير المتوازن للثروة في السوق. فالمشكلة الأساسية التي تواجه اليابان تتمثل في أن نمو الإنتاجية والربحية لم ينعكس على الأجور بالشكل الكافي. وهذا الخلل الجوهري في توزيع الثروة داخل السوق هو القضية التي يتعين على السياسيين وصناع السياسات معالجتها اليوم.
(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية، الترجمة من الإنجليزية. صورة العنوان: مشارك في تجمع عيد العمال لعام 2023 في متنزه يويوغي يحمل لافتة تدعو الحكومة إلى خفض ضريبة الاستهلاك، وكان التجمع من تنظيم الاتحاد الوطني لنقابات العمال. © جيجي برس)
كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | خفض الضرائب أم تقويض الضمان الاجتماعي؟ معادلة صعبة تهدد الاستقرار في اليابان لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
