تواجه غرفة «الواشيتسو» اليابانية التقليدية، التي كانت يومًا جزءًا لا يتجزأ من بنية البيت الياباني وثقافته، تحدّي البقاء في ظل تغيّر أنماط الحياة وتراجع حضور المساكن ذات الطابع التقليدي. فقد شكّلت هذه الغرفة، بمرونتها اللافتة وقدرتها على تبديل هيئتها تبعًا لتنوّع استخداماتها اليومية — من النوم إلى استقبال الضيوف وأداء الطقوس — فضاءً عميق الصلة بالوجدان الياباني وبحساسيته الجمالية والروحية. في هذه المقالة، نعود لإلقاء نظرة متأنية على «الواشيتسو»، مستعرضين خصائصها المعمارية ووظائفها المتعددة، ومكانتها في الثقافة اليابانية بين الماضي والحاضر.
الزاشيكي قلب البيوت التقليدية اليابانية
لنقم بإلقاء نظرة على البيت الياباني التقليدي الذي يضم غرفة ”واشيتسو“ (غرفة مفروشة بحصائر التاتامي). عند دخول الزائر إلى المنزل يقوم بخلع حذائه عند المدخل، ثم يسير عبر ممر ذي أرضية خشبية. وبعد ذلك يقوم صاحب المنزل بإرشاده إلى غرفة واسعة تُعرف باسم ”زاشيكي“، حيث تمتد حصائر التاتامي مفروشة على كامل الأرض في اتساع يبعث على الانتعاش. وفي أحد أركان الغرفة هناك ركن يُسمى ”توكونوما“، حيث تستقبل الزائر لفافة معلّقة تعبّر عن روح الموسم وبعض الزهور. ثم يجلس على حصير التاتامي ليستريح قليلًا، وحين يفتح المُضيف أبواب ”الشوجي“ (أبواب خشبية مغطاة بالورق الياباني التقليدي)، تنكشف أمامه حديقة تتوزّع فيها الأشجار وبركة ماء وبعض الصخور، ليستمتع الزائر بمنظرها.

غرفة زاشيكي في مقرّ المزارع الثري ”تشينجوصو“ في بلدة تاغامي بمحافظة نييغاتا (© بيكستا)
وهكذا كان التكوين الفراغي الذي يربط بين داخل المنزل وحديقته بسلاسة من سمات البيت الياباني. وحتى نحو نصف قرن مضى، كانت غرفة ”الزاشيكي“ موجودة في معظم البيوت تقريبًا. فلم يقتصر الأمر على البيوت الريفية الكبيرة في القرى الزراعية والجبلية أو منازل العائلات الغنية، بل حتى المساكن الضيّقة المستأجرة في المدن كانت تحرص على تخصيص غرفة ”زاشيكي“ بوصفها الغرفة الأهم في المنزل. إذ لم تكن غرفة خاصة يشغلها فرد بعينه، بل فضاء تتشاركه الأسرة، وتُقام فيه إلى جانب المناسبات الموسمية طقوس واحتفالات مهمّة لاستقبال محطات الحياة الفاصلة، من الولادة والبلوغ إلى الزواج.

يتم تزيين ركن ”توكونوما“ بالخط الياباني، والبونساي، وتنسيق الزهور وغيره (© بيكستا)
في شهر يناير/كانون الثاني تجتمع العائلة حول مائدة الطعام للاحتفال برأس السنة الجديدة، ويتم تزيين ركن ”توكونوما“ بكعكة الأرز ”كاغامي موتشي“ التي يتم تقديمها كقربان للآلهة، وبلفافة معلّقة تُصوّر شروق الشمس أو طائر الكركي والسلحفاة، رمزَي العمر الطويل والسعادة. وفي الثالث من شهر مارس/آذار، وفي مناسبة ”مومو نو سيكّو“ أو ما يُسمى ”هيناماتسوري“ (مهرجان العرائس)، الذي تتم فيه الصلاة من أجل أن تكبر الفتيات بصحة وسعادة، يتم عرض دمى ”هينا“ (العرائس) وأزهار الدراق في ذلك الركن. أما في الخامس من شهر مايو/أيار فيتم الاحتفال بـ ”دانغو نو سيكّو“ (مهرجان الصبيان)، حيث يتم تزيين ركن ”توكونوما“ بخوذة الساموراي أو دمى محاربي الساموراي، وكان من المعتاد أن تحتفل الأسرة مجتمعة بهذه المناسبات.
حصير التاتامي هو الأساس
بعد ذلك سنقوم بالتعريف بالأجزاء الأساسية التي تُكوّن غرفة الواشيتسو. أولًا حصير التاتامي. يتم جعل الوجه العلوي من حصيرة التاتامي والذي يُسمى ”أموتي هيو“ والمنسوج من نبات إيغوسا (الأسل) إلى الأعلى، أما داخل الحصير فهو مصنوع من قش الأرز المضغوط وغيره. ويتم وضع حافة قماشية تُسمى ”هيري“ على طول الأطراف الطويلة للحصيرة لتزيينها.

حصير التاتامي الذي تم وضعه حديثًا في غرفة الواشيتسو يكون مائلًا للزرقة (© بيكستا)
والحجم الأساسي لحصير التاتامي هو ”كين“ واحد (حوالي 180 سنتيمترًا) للطول، و”هانغين“ (نصف كين، حوالي 90 سنتيمترًا) للعرض. و”كين“ هي وحدة قياس استُخدمت في اليابان منذ زمن طويل، وتعبّر عن المسافة بين عمود خشبي وعمود آخر في داخل البيت. ويعود السبب في اعتماد وحدة القياس هذه إلى أن طول الأخشاب المتاحة بسهولة في اليابان في ذلك الوقت كان في حدود هذا المقاس، ولذلك جرى التعبير عن بنية البيت بأكملها وحجم الغرف أيضًا بوحدة القياس ”كين“.
لقد كان حجم الغرفة يُحدَّد بعدد حصائر التاتامي. فعلى سبيل المثال، يمكن فرش حصيرتين في غرفة مساحتها 1 كين × 1 كين، وثماني حصائر في غرفة مساحتها 2 كين × 2 كين. ويُعبَّر عن ذلك بعبارات مثل ”غرفة ذات حصيرتين (ني جو)“ أو ”غرفة ذات ثماني حصائر (هاتشي جو)“. ويستطيع الياباني الذي لديه خبرة في العيش في غرفة الواشيتسو أن يتخيّل بمجرد سماع ذلك مساحة الغرفة وعدد الأشخاص الذين يمكن أن تستوعبهم تقريبًا وكيفية توزيع الأثاث فيها.
تنوع الأبواب والنوافذ
في البيت الياباني التقليدي تكون الجدران الثابتة قليلة، ويحلّ محلّها، إلى جانب الأبواب الخشبية، فواصل متحركة تُسمّى ”كينغو“ مثل أبواب ”فوسوما“، و”شوجي“ (أبواب مصنوعة من الخشب والورق الياباني التقليدي). وبما أنّ المسافة بين العمود والعمود محدَّدة بـ ”كين“ واحد، فقد كانت مقاسات هذه الفواصل موحَّدة.

أبواب ”فوسوما“ في غرفة الواشيتسو. غالبًا ما تُرسَم عليها مناظر طبيعية أو زخارف (© بيكستا)
تُرسم على أبواب ”فوسوما“ أحيانًا نقوش أو رسوم زخرفية. أما أبواب ”شوجي“ فتتكوّن من إطار خشبي مُشكَّل على هيئة شبكة، ومُثبت عليه ورق الشوجي (الورق الياباني التقليدي). وهو ورق يحجب الأنظار من الخارج مع السماح بمرور ضوء رقيق إلى داخل الغرفة.

حديقة تكسوها خضرة الربيع النظرة يمكن مشاهدتها من بين أبواب الشوجي في معبد أونريوئين الملحق بمعبد سينيوجي في مدينة كيوتو (© بيكستا)
يتم إنشاء رواق خشبي بين غرفة التاتامي والفضاء الخارجي، ويُثبت على الجهة الخارجية منه باب منزلق واق من المطر لحماية الداخل من الرياح والأمطار. ويُفصل الرواق عن الغرفة بأبواب فوسوما المعتمة أو بأبواب الشوجي التي تسمح بمرور الضوء، فتتكوّن مساحة وسيطة تؤدي دور العازل المخفف في مواجهة الهواء الخارجي ذي التقلبات الحادة بين البرد والحر.

الجزء المكسو بألواح خشبية والمطل على الحديقة هو الرواق. منزل عائلة ميكامي القديم في مدينة ميازو بمحافظة كيوتو، والمصنف ضمن الممتلكات الثقافية المهمة على المستوى الوطني (© بيكستا)
يتسم صيف اليابان بالرطوبة والحر الشديد، لذلك جاء البناء في أساسه قائمًا على إعطاء الأولوية لمرور الهواء داخل الغرف. وتجسد الأبواب والفواصل القابلة للتحريك أو الإزالة هذا التوجه بأوضح صورة. فعند فتح الأبواب فوسوما المعتمة أو أبواب الشوجي، أو إزالتها من مكانها، يتشكل ممر يسمح بمرور النسيم. كما استُخدمت فواصل منسوجة من الخيزران أو القصب مخصصة لفصل الصيف، تتيح دخول الهواء، وتقي في الوقت نفسه من أشعة الشمس المباشرة، ومن نظرات الأشخاص في الخارج.

تُعلَّق ستائر منسوجة تحت حافة السقف، فتحجب نظرات الأشخاص في الخارج وأشعة الشمس المباشرة، مع السماح بمرور الهواء (© بيكستا)
إن من سمات غرفة الواشيتسو اليابانية أنها تغيّر هيئتها تبعًا للفصول. فمن خلال تبديل الأبواب والفواصل وضبطها، تتكيف الغرفة مع فصول السنة المتقلبة. ويمكن القول إنها طريقة بناء لا تسعى إلى عزل الطبيعة عزلًا كاملًا، بل إلى التعايش معها جنبًا إلى جنب.
قابلة للتكيف مع استخدامات متعددة
لم يكن فرش حصير التاتامي مقتصرًا على الغرف الخاصة مثل غرفة الزاشيكي فحسب، بل يمكن القول إن معظم أرجاء المنزل، باستثناء المطبخ وأماكن التخزين ونحوها، كانت مفروشة بالتتامي.

عند فتح أبواب فوسوما وأبواب الشوجي، أو إزالتها تتشكل قاعة واسعة واحدة (© بيكستا)
لقد كانت غرفة الواشيتسو قادرة على التكيف مع الاستخدامات المتعددة. ففي الليل يُفرش الفراش فوق حصير التاتامي لتتحول إلى غرفة نوم. ومع حلول الصباح يُطوى الفراش ويُوضع في الخزانة الجدارية. وخلال النهار تُوضع مائدة أو مكتب لتصبح مكانًا لتناول الطعام أو للدراسة، كما تتحول إلى مساحة لاجتماع أفراد الأسرة. وإذا أُزيلت الفواصل المنزلقة مثل أبواب فوسوما، وتم وصل عدة غرف ببعضها، تتحول إلى قاعة فسيحة تستوعب عددًا كبيرًا من الناس. ولم تكن الغرف تُسمى بألفاظ تحدد وظيفة ثابتة مثل ”غرفة نوم“ أو ”غرفة طعام“، بل كانت فضاء مرنًا يتبدل بحسب الحاجة.

داخل أحد المنازل في مجمع سكني يحمل اسم ”مساكن سوا 2 تشومي“ في تاما نيوتاون بطوكيو. في فترة النمو الاقتصادي المرتفع كان يُطلق عليه اسم ”منزل الأحلام الخاص“، 23 يوليو/تموز 2011 (© جيجي برس)
واستمر إنشاء هذا الطراز من غرف الواشيتسو اليابانية زمنًا طويلًا حتى بعد الحرب العالمية الثانية، حين شهدت أنماط المعيشة تحولًا كبيرًا. ومع الزيادة السكانية الحادة، شُيّدت في مختلف أنحاء البلاد مجمعات سكنية عامة من الخرسانة المسلحة عُرفت باسم ”دانتشي“. ورغم أنها وُصفت لاحقُا تهكمًا بأنها ”أقفاص أرانب“ لضيق مساحتها، فإن اعتمادها على غرف التاتامي ذات الاستخدامات المتعددة هو ما أتاح حتى للأسر التي لديها أطفال كثر أن تدبر شؤون حياتها فيها على نحو ما.
تحولات أوضاع السكن
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا كبيرًا في أوضاع السكن في اليابان. فبحسب موقع إحدى شركات بناء المساكن، كانت نحو 60% من المنازل المنفصلة التي شيّدتها الشركة عام 2018 تضم غرفة واشيتسو مفروشة بالتاتامي، إلا أن هذه النسبة انخفضت في عام 2022 إلى ما دون 40%. وفي الأبراج السكنية الشاهقة التي تشهد طفرة في البناء في طوكيو وغيرها من المدن، نادرًا ما يتم تخصيص غرف من هذا النوع.
وربما يعود ذلك إلى شيوع استخدام الكراسي والطاولات، وتراجع نمط الجلوس المباشر على الأرض. كما أصبح من المألوف أن يمتلك كل فرد من أفراد الأسرة غرفة خاصة، مثل غرفة نوم يُوضع فيها سرير، فتحولت الغرف إلى مساحات ثابتة الوظيفة بدلًا من أن تكون فضاءات مرنة تتبدل استخداماتها.

عملية استبدال سطح حصيرة التاتامي المنسوجة من نبات الإيغوسا (© بيكستا)
وقد أثرت تحولات أوضاع السكن أيضًا في الصناعات التي كانت تدعم غرف الواشيتسو. فبحسب ما أعلنته وزارة الزراعة والغابات ومصايد الأسماك في تقرير بعنوان ”أوضاع نبات الإيغوسا وأسطح حُصر التاتامي“، بلغ إنتاج أسطح الحصر عام 1996 نحو 26 مليونًا و940 ألف قطعة، لكنه تراجع في عام 2025 إلى مليون و30 ألف قطعة فقط. وفي عام 1996 كان نحو 70% من الإنتاج يتم داخل اليابان، أما في عام 2025 فلم تتجاوز نسبة الإنتاج المحلي 18%. ويعود ذلك إلى انخفاض الطلب على غرف الواشيتسو مع ازدياد الاعتماد على الواردات، التي يأتي معظمها حاليًا من الصين. أما المنتج الياباني الذي أصبح نادرًا، فيتميّز بجودة عالية، لذلك يبلغ سعره ضعفي أو ثلاثة أضعاف المنتج الصيني، وقد تحول تمامًا إلى سلعة فاخرة.
تزايد الاهتمام في الخارج
لقد أدى التراجع السريع في عدد غرف الواشيتسو إلى تأثير كبير في ثقافة الحياة لدى اليابانيين. فقد اختفى ركن توكونوما الذي كانت تُعلّق فيه لفائف فنية وتُعرض فيه مشغولات تقليدية تبعًا للفصول، ومعه أخذت تضعف تقاليد تنمية الذائقة الجمالية من خلال تأمل تلك الأعمال. وتتجه غرف الواشيتسو اليوم لأن تكون مساحة خاصة تقتصر على المطاعم الراقية وبيوت الضيافة الفاخرة، أو على من يملكون معرفة عميقة بالثقافة اليابانية.
غير أن ثقافة غرف الواشيتسو التي أصبحت في الداخل كأنها شعلة على وشك الانطفاء، أخذت تجذب اهتمام الناس في الخارج. فقد عرضت عليّ طالبة صينية كانت تدرس في مختبري صورة لمقهى أنيق قامت بزيارته أثناء بحث ميداني في الصين. وكان في ذلك المقهى فضاء مفروش بالتاتامي يُخلع فيه الحذاء ويُجلس على الأرض، وهو نمط غير مألوف في الصين. ووفقا لما ذكرته، فإن هذا النوع الجديد من المقاهي يحظى بشعبية بين الشباب، ويمكن الحصول بسهولة على عناصر الطراز الياباني مثل التاتامي والطاولات المنخفضة والوسائد الأرضية عبر مواقع التسوق على الإنترنت.

مقهى بطراز ياباني فُرشت أرضيته بالتاتامي ووُضعت فيه طاولة منخفضة ووسادات أرضية في قرية لوجيو في كونمينغ بمقاطعة أونّان الصينية (تصوير: غاو لو)
في فرنسا توجد كلمة ”تاتاميزه“ (tatamiser)، وتعني ”العيش فوق التاتامي“، وتمتد دلالتها لتشير إلى تبني أسلوب الحياة الياباني. ولعل انتشار رياضة الجودو في فرنسا جعل الناس هناك أكثر ألفة بتاتامي قاعات التدريب.
إن الاهتمام الذي يتجه من الخارج نحو غرف الواشيتسو لا يقتصر عليها وحدها، بل يمتد إلى مجمل الثقافة اليابانية، بما فيها أسلوب العيش الذي يقدِّر الطبيعة ويستوعبها في الحياة اليومية دون تكلف، وكذلك طريقة التفكير الكامنة وراء ذلك.
لقد كانت المساكن اليابانية في الماضي، من القرميد إلى الأعمدة إلى التاتامي، تُصنع كلها من مواد طبيعية، ثم لا تلبث أن تَبلى وتعود إلى التراب. لذلك فإن البيوت اليابانية التقليدية وأسلوب العيش فيها، عبؤهما قليل على البيئة، وجديران بأن يُعاد النظر فيهما اليوم، في زمن تتعرض فيه البيئة العالمية لأزمة حادة، وأتمنى أن يتعرف إليهما الناس في أنحاء العالم على نطاق أوسع.
(النص الأصلي باللغة اليابانية. صورة العنوان الرئيسي: منزل كيشي القديم المسجل ضمن الممتلكات الثقافية المادية الوطنية، مدينة نيشيوكي بمحافظة هيوغو، © بيكستا)
كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | الواشيتسو والتاتامي والتوكونوما… هل تصمد روح البيت الياباني أمام رياح التغيير؟ لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
