اخبار العالم / اخبار اليابان

اليابان | بين المحلية والعالمية: كيف تصمد الهوية اليابانية في صناعة الألعاب؟

  • اليابان | بين المحلية والعالمية: كيف تصمد الهوية اليابانية في صناعة الألعاب؟ 1/2
  • اليابان | بين المحلية والعالمية: كيف تصمد الهوية اليابانية في صناعة الألعاب؟ 2/2

كانت اليابان في يوم من الأيام قبلة صناعة ألعاب الفيديو العالمية خلال ذروة نجاح شركة الألعاب نينتندو في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. ورغم أن حضورها اليوم بات هامشياً، إلا أن الجودة المميزة لألعاب حديثة مثل لعبة Death Stranding (ديث ستراندنغ) من تصميم مصمم الألعاب كوجيما هيدييو أو لعبة الرعب المستقلة (The Exit 8) (زا إكزت 8) أمر جعلها تحظى باهتمام دولي.

النمو والتقلب

منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى تسعينياته، سيطرت الألعاب اليابانية، بقيادة جهاز نينتندو إنترتينمنت سيستم، سيطرةً تامةً على السوق العالمية. إلا أن هذا الزخم بدأ بالتراجع منذ بداية الألفية الجديدة. ورغم أن اليابان لا تزال تمتلك سوقًا محلية تُقدّر قيمتها بنحو 3 تريليونات ين اليوم، إلا أنها لم تعد تتمتع بمكانة قوية في الأسواق الخارجية. ومع ذلك، بدأت الخصائص المميزة للألعاب اليابانية تجذب الانتباه مجددًا في السنوات الأخيرة، مع ظهور بوادر اعتراف دولي متجدد. الأمر الذي يستدعي أن نلقى عليها نظرة فاحصة.

على الصعيد العالمي، يمكن وصف صناعة الألعاب بأنها قطاع يشهد نمواً هائلاً. فوفقاً لشركة الأبحاث نيوزو، من المتوقع أن يصل حجم سوق الألعاب العالمي إلى 197 مليار دولار (31 تريليون ين ياباني) بحلول عام 2025. حيث لم تعد الألعاب ثقافة فرعية، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة السائدة.

وفي الوقت نفسه، شهدت السنوات القليلة الماضية عمليات تسريح متكررة وإعادة هيكلة للقوى العاملة، لا سيما بين الشركات الكبرى في أوروبا وأمريكا الشمالية. وأحد الأسباب هو أن العديد من الشركات وسّعت نطاق موظفيها خلال ذروة الطلب على البقاء في المنازل نتيجةً لجائحة فيروس ، لتعود مستويات الطلب إلى طبيعتها بعد انحسار الأزمة، مما جعل الإصلاح الهيكلي أمرًا لا مفر منه. وإضافةً إلى ذلك، أدى الارتفاع الكبير في تكاليف إنتاج الألعاب التي تحمل تصنيف AAA الضخمة الميزانية، إلى جانب دورات التطوير الطويلة والمستمرة، إلى اتساع الفجوة بين النجاحات والإخفاقات. فبينما تجذب بعض الألعاب اهتمامًا عالميًا، مثل (جراند ثفت أوتو 6)، التي يُقال إن ميزانية تطويرها تصل إلى 60 مليار ين ياباني، تُغلق ألعاب أخرى خدماتها بعد فترة وجيزة. بعبارة أخرى، دخلت صناعة الألعاب منعطفًا حاسمًا، حيث يتزامن النضج مع عدم الاستقرار.

أوروبا وأمريكا الشمالية والصين تقود السوق العالمية

يشكل سوق ألعاب الهواتف المحمولة ما يقارب نصف سوق الألعاب العالمي البالغ 30 تريليون ين ياباني، بينما تمثل ألعاب منصات الألعاب المنزلية حوالي 30%، وألعاب الحاسوب الشخصي النسبة المتبقية البالغة 20%. وفي قطاع ألعاب الهواتف المحمولة، رسخت شركات صينية مثل تينسنت ونيت إيز حضورًا قويًا. وبفضل أسلوبها البصري المميز المستوحى من الأنمي، وهياكل التطوير المدعومة باستثمارات ضخمة في رأس المال والموارد البشرية، تُصدر هذه الشركات ألعابًا مصممة منذ البداية لإطلاقها عالميًا في وقت واحد. ومن أبرز الأمثلة على ذلك لعبة غينشين إمباكت، التي طورتها شركة مي هويو في شنغهاي. وفي قطاع الألعاب البسيطة أيضًا، تمارس الشركات الغربية نفوذًا كبيرًا، بقيادة سلاسل ألعاب شهيرة مثل سلسلة كاندي كراش.

وتهيمن أوروبا وأمريكا الشمالية على سوق ألعاب الحاسوب الشخصي وألعاب الخدمات المباشرة، التي تقدم محتوىً بشكل مستمر. وقد ساهمت ألعاب الرياضات الإلكترونية، مثل آبيكس ليجيندز و فالورانت، في ظهور أنماط جديدة من ثقافة الألعاب التي تتمحور حول اللعب المتواصل والمنافسة الشديدة. كما تُساهم ألعاب العالم المفتوح، مثل ماينكرافت، التي تتيح للمستخدمين اللعب بحرية واستكشاف عوالم شاسعة، في توسيع قاعدة مطوري الألعاب. ويدعم هذا التوجه انتشار تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والفنون والرياضيات (STEAM)، وهو نهج متعدد التخصصات يتجاوز الفصل التقليدي بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، في ظل تكيف الألعاب مع عصر الذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت نفسه، تشهد الرياضات الإلكترونية في اليابان نمواً مطرداً، لكن الألعاب الأجنبية أصبحت المحرك الرئيسي لها. حيث تسيطر لعبة ماينكرافت بشكل شبه كامل على مدارس تعليم البرمجة للأطفال.

وتُعيد التغييرات الهيكلية تشكيل سوق أجهزة الألعاب المنزلية. فقد نشأ بلاي ستيشن كجهاز ياباني المنشأ، ولكن مع إطلاق بلاي ستيشن 5، انتقلت قيادة التطوير إلى الولايات المتحدة. لذا، يصعب وصفه بأنه جهاز ألعاب محلي الصنع بأفكار يابانية. وما كان يُعدّ سمة مميزة لقوة اليابان، أي صناعة أجهزة الألعاب المحلية، أصبح الآن مُتركّزًا في يد شركة واحدة، وهي نينتندو.

رؤية كوجيما هيدييو

وسط هذه التحولات في هيكل السوق، تعود الخصائص المميزة للألعاب اليابانية لتجذب الأنظار من جديد. ومن الأمثلة البارزة على ذلك لعبة ديث ستراندنغ (2019). حيث تدور أحداث هذه اللعبة التي ابتكارها كوجيما هيدييو، حول قصة ساعي بريد وحيد يجوب عالمًا مدمرًا، موصلًا الإمدادات ومعيدًا تدريجيًا بناء الروابط بين الناس. وبدلًا من التركيز على القتال مع الأعداء، يقضي اللاعبون معظم وقتهم في تجربة الحركة نفسها، حاملين البضائع عبر الجبال والأنهار. وتبرز في هذه العملية أهمية المباني والأشياء التي يتركها اللاعبون الآخرون المتصلون بالإنترنت في العالم. حتى دون تبادل الكلمات بشكل مباشر، وقد صُممت هذه اللعبة بحيث يدعم اللاعبون بعضهم بعضًا، بهدوء وبشكل غير مباشر، ومن خلال تصرفاتهم.

وبهذه الطريقة، يُقدّم كوجيما هيدييو موضوعي الانفصال والتواصل، وهما موضوعان متأصلان في المجتمع المعاصر، من خلال تجربة اللعب نفسها. وقد اكتسبت رسالة العمل صدىً خاصًا خلال جائحة فيروس كورونا، عندما عانى الناس من التباعد الجسدي والعزلة النفسية في آنٍ واحد. وفي لعبة ديث ستراندنغ 2، التي صدرت عام 2025، طرحت بدورها سؤالًا آخر: هل من المفيد حقًا أن يكون الناس على تواصل بشكل مفرط؟ والسلسلة ككل تُظهر أن الألعاب يمكن أن تكون أكثر من مجرد ترفيه. فهي قادرة على أن تكون وسيلة ثقافية تعكس مخاوف وآمال عصرها، وتُجسّد أسئلةً يُكافح المجتمع نفسه للإجابة عنها.

وفي ألعاب الهواتف المحمولة وألعاب الخدمات المباشرة التي تُشكّل الركائز الأساسية للسوق العالمية، لا يُشترط الإفراط في التعبير الإبداعي. لكن من منظور التأثير الثقافي، فإن وجود أعمال مشبعة بأفكار قوية وطابع فردي مميز أمرٌ يحمل وزنًا كبيرًا. حيث يُمكن اعتبار ذلك مؤشراً على أن الألعاب، كوسيلةٍ إعلامية، تتقدم بثباتٍ نحو مرحلة النضج الثقافي.

صعود ألعاب إندي المبتكرة

يُعدّ ظهور ألعاب إندي (الألعاب المستقلة) التي تُطوّرها فرق صغيرة برأس مال محدود أمرًا لا غنى عنه في أي نقاش حول الألعاب اليابانية. فلعبة زا إكزت 8، التي تم تحويلها إلى فيلم ومن المقرر عرضه في أمريكا الشمالية، مبنية على فكرة بسيطة للغاية. حيث يسير اللاعبون مرارًا وتكرارًا عبر نفس الممر تحت الأرض بحثًا عن ظواهر غريبة خفية بداخله. لكن ما تُصوّره اللعبة هو شعور بالقلق ينتاب اللاعب عندما يتشوّه العالم ولو قليلًا. وتحمل اللعبة حساسيةً تتناغم مع ثقافة الرعب اليابانية كما في أعمال مثل رينغ و سبايرل. فبدلًا من الاعتماد على مشاهد مُبالغ فيها، يستمد جمالها الهادئ للخوف من عالم آخر يُمثّل امتدادًا للحياة اليومية. وهذا النهج المُتحفظ في الرعب بدأ ينتشر ويكون له وزن عبر الحدود الثقافية.

ووراء هذه التطورات يكمن تحول أوسع في كيفية انتشار الألعاب. فمع انتشار ثقافة البث المباشر ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الألعاب مجرد وسيلة للّعب، بل أصبحت أيضاً موضوعاً للمشاهدة والنقاش. حتى الأعمال التي تُنتجها فرق صغيرة باتت قادرة على الانتشار عبر الحدود بفضل دقة أفكارها وقوة حسها الفني. ولهذا السبب تحديداً بدأت الخصائص الفريدة للألعاب اليابانية تجذب اهتماماً متجدداً. وإضافةً إلى ذلك، هناك تغيرات اجتماعية أوسع نطاقاً، تشمل ازدياد السياحة الوافدة إلى اليابان والاهتمام المتزايد بالثقافة اليابانية الذي تغذيه وسائل التواصل الاجتماعي.

المساهمة في تنوع ثقافة الألعاب

ما هي إذن السمات المميزة للألعاب اليابانية؟ أولًا، الشخصيات المتشابكة بعمق مع ثقافة المانغا والأنمي. حيث لا تُعامل الشخصيات كمجرد سطور برمجية أو عناصر مؤقتة، بل ككائنات حية ذات شخصيات وقصص مميزة. ويتفاعل اللاعبون مع هذه الشخصيات ويشاركونها مشاعرها. ثانيًا، عقلية حرفية متميزة تُصقل العمل باستمرار حتى يصل إلى مستوى الكمال. وهذه الصفات ليست مجرد تقنيات تهدف إلى النجاح التجاري، بل تعكس توجهات إبداعية تراكمت على مر السنين كجزء من تراث ثقافي أوسع.

وإضافةً إلى ذلك، يُعدّ الترويج للعلامة التجارية للمطورين أنفسهم أحد العناصر التي تُمثّل ثقافة الألعاب اليابانية. فإلى جانب كوجيما هيدييو، غالبًا ما يتم الحديث عن أسماء لامعة مثل مياموتو شيغيرو (مبتكر لعبة سوبر ماريو)، وميازاكي هيديتاكا (مبتكر دارك سولز)، وساكوراي ماساهيرو (مبتكر سوبر سماش بروس) جنبًا إلى جنب مع الألعاب التي ابتكروها. وبالطبع، لا تُبنى جميع الألعاب اليابانية على نهجٍ يُركّز على المؤلف. إلا أن الصورة الثقافية التي تُشير إلى أنّ العمل يحمل مجموعةً واضحةً من الأفكار أو شخصيةً مميزةً للمطور، أصبحت أحد العوامل التي تُعزّز التقدير الكبير للألعاب اليابانية.


بعض من الزوار يلعبون لعبة ماريو كارت من شركة نينتندو في باريس غيمز وييك، أكبر معرض لألعاب الفيديو في فرنسا، في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2025. (© AFP/ جيجي برس)

ويُعدّ حضور شركة نينتندو بارزًا أيضًا. فمنذ انتشار أجهزة الألعاب المنزلية في ثمانينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، ركّزت الشركة باستمرار في تطوير ألعابها على تجربة اللعب نفسها. فبدلًا من الاعتماد فقط على أحدث التقنيات أو السعي وراء أعلى أداء، شدّدت نينتندو على العناصر الحسية، مثل متعة لمس وحدة التحكم، ولحظات المفاجأة، وسهولة الاستخدام. وقد أصبح هذا النهج أحد أهمّ ركائز ثقافة الألعاب اليابانية. وكما ذُكر سابقًا، تنفرد نينتندو اليوم بمواصلة هذا النهج الثقافي من خلال أجهزة الألعاب الوحيدة المصنّعة محليًا.

وفي المقابل، طورت الشركات الغربية، المدعومة برؤوس أموال ضخمة، ألعابًا تفاعلية مباشرة وألعابًا جاهزة للمنافسات الإلكترونية. وتلعب الصين وكوريا الجنوبية دورًا محوريًا بفضل ثقافتهما في مجال الألعاب الإلكترونية واستثماراتهما المتواصلة في التكنولوجيا. وفي السنوات الأخيرة، بدأت المملكة العربية أيضًا باستثمارات واسعة النطاق مدفوعة بثروتها النفطية، وتبرز كقوة جديدة مؤثرة في صناعة الألعاب. وفي الوقت نفسه، يتنافس مطورو الألعاب حول العالم بشدة في تطوير الألعاب باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي.

وفي هذا السياق، تحظى اليابان بتقدير متزايد في مجالات مثل عمق السرد، وتجسيد الشخصيات، والجودة الشاملة، والإبداع في التأليف. وبعبارة أخرى، تحافظ ثقافة الألعاب العالمية على تنوعها الغني، مدعومة بمناطق متعددة، تُسهم كل منها بنقاط قوتها المميزة.

كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل ثقافة الألعاب

أخيرًا، دعونا نتطلع إلى مستقبل صناعة الألعاب بدءًا من عام 2026. فمن المرجح أن يخضع الهيكل الحالي، بتركيزه الكبير على الألعاب الضخمة، لإعادة تقييم. كما ستواجه ألعاب الخدمات الحية ضغوطًا لتقديم أشكال جديدة من القيمة مع نضوج السوق. وفي الفترات الفاصلة بين هذه التوجهات، من المتوقع أن تزداد أهمية الألعاب متوسطة الحجم والأعمال المستقلة. وفي الوقت نفسه، سيسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي في سرعة توسع وانتشار تطوير الألعاب من قِبل الأفراد. ومع ظهور المزيد من الأعمال التي تُشبه القصص المصورة المنشورة ذاتيًا أو الروايات السيرية، ستعزز الألعاب أهميتها ليس فقط كمنتجات استهلاكية، بل كوسيلة إعلامية تعكس الثقافة والأفكار.

وفي هذا السياق، من المرجح أن تستمر الألعاب اليابانية في لعب دور حيوي في دعم تنوع ثقافة الألعاب العالمية، من خلال تقديمها كشكل من أشكال الثقافة، حتى وإن ظلت في وضع غير مواتٍ من حيث حجم السوق. فعناصر مثل ثقافة الشخصيات، والإبداع في التأليف، والحرفية، وتراث أجهزة الألعاب المنزلية، كلها عناصر يصعب على الدول الأخرى استبدالها. ومع ترسيخ الألعاب في المجتمع كشكل ثقافي ناضج، ستحافظ الألعاب اليابانية على حضورها الهادئ ولكنه سيكون مستمر.

(النص الأصلي نُشر باللغة اليابانية في 30 يناير/ كانون الثاني 2026، الترجمة م الإنكليزية. صورة الموضوع: جناح ترويجي للعبة براغماتا من شركة كابكوم اليابانية، المقرر إصدارها في أبريل/ نيسان 2026، في معرض طوكيو للألعاب في مركز ماكوهاري في مدينة تشيبا في سبتمبر/ أيلول 2025. © AFP/ جيجي برس)

كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | بين المحلية والعالمية: كيف تصمد الهوية اليابانية في صناعة الألعاب؟ لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

Advertisements

قد تقرأ أيضا