يشهد مسرح الكابوكي اليوم اهتمامًا متزايدًا بفضل الشعبية الكبيرة التي حققها فيلم ”كوكوهو“. وفي هذه المقالة، نلتقي مع ناكامورا كيوزو، أحد أبرز نجوم الكابوكي، الذي شقّ طريقه بخلفية استثنائية، إذ لم ينحدر من أسرة فنية عريقة تتوارث هذا الفن، بل دخل عالم الكابوكي من خارجه ونجح في ترسيخ مكانته فيه.
حكاية صبي صغير مع مسرح الكابوكي
وُلد ناكامورا كيوزو عام 1955 في أسرة عادية لا تنتمي إلى عالم الكابوكي، ومع ذلك شق طريقه الفني بوصفه ممثلا من فئة ”أونّاغاتا“، وهم الممثلون الرجال المتخصصون في أداء الأدوار النسائية. وقد جسد طيفا واسعا من الشخصيات، بدءا من النساء المسنات في المسرحيات التاريخية من نوع ”جيدايمونو“، وصولا إلى الزوجات في مسرحيات ”سيوامونو“ المنزلية. وتلقى تدريبه في معهد المسرح الوطني للتدريب على الفنون الأدائية التقليدية، ويقف على خشبة مسرح الكابوكي منذ أكثر من 40 عاما.
يقول ناكامورا مستعيدا ذكرياته الأولى مع الكابوكي في طفولته المبكرة ”كان والداي يعملان، وكانت جدتي التي تعشق الكابوكي، تصطحبني إلى المسارح لمشاهدة العروض. ومنذ أبعد ذكرى أستطيع استحضارها، كنت أرغب في أن أصبح ممثلا في الكابوكي. كنت صغيرا جدا على فهم القصص، لكن العروض كانت تؤثر في نفسي رغم ذلك. بل إنني كنت أتغيب عن المدرسة أحيانا لأذهب لمشاهدة الكابوكي“.

(© يوكوزيكي كازوهيرو)
وبعد إلحاح متواصل على والديه، بدأ في تلقي دروس في الرقص الياباني الكلاسيكي ”نيهون بويو“ عندما كان في العاشرة تقريبا من عمره. وفي أوائل سنوات مراهقته، قادته المصادفة إلى التردد على غرفة تبديل الملابس الخاصة بأسطورة أدوار الأوناغاتا ناكامورا أوتايمون السادس (1917-2001). وهناك عمل مساعدا مسرحيا ”كوروغو“، فكان يساعد أوتايمون في مهامه، لكنه بدأ تدريجيا يبتعد عن عالم الكابوكي.
ويقول ”كان أوتايمون وسائر الممثلين يعاملونني بلطف كبير، لكنني بدأت أدرك شيئا فشيئا أن النسب الفني له أهمية قصوى في عالم الكابوكي. وبالنسبة لشخص مثلي يعد من خارج هذا الوسط، لم يكن الطريق سهلا. ولم أكن أرى لنفسي مستقبلا كممثل في ذلك العالم. لذلك اقتنعت بأن أبقى مجرد متفرج، وقررت أن أواصل دراستي الجامعية“.
في مواجهة المستحيل
درس ناكامورا في الجامعة الأدب الياباني الحديث، وهناك تعرف إلى كتّاب مثل أويدا أكيناري (1734-1809) وإيهارا سايكاكو (1642-1693)، وهما من الأدباء الذين ابتكروا أنواعا جديدة من الأدب الشعبي. ويقول ”كنت ما أزال أواظب على حضور عروض الكابوكي، وهناك أصبحت مفتونا تماما بناكامورا جاكوئمون الرابع (1920-2012). فقد كان ممثلا واعدا في أدوار ”تاتشيياكو“، أي الأدوار الرجالية الشابة، لكنه جند في الجيش الإمبراطوري الياباني وقضى 6 أعوام في القتال على جبهات بعيدة خلال الحرب العالمية الثانية“. ويوضح ناكامورا أنه بعد تسريحه من الخدمة العسكرية، بدأ جاكوئمون في سن 27 عاما التدريب على أداء أدوار الأوناغاتا، ثم أصبح لاحقا حاملا للقب كنز وطني حيّ وحصل على وسام الثقافة تقديرا لأدائه الاستثنائي في هذه الأدوار.
ويضيف ”كان مذهلا بكل معنى الكلمة. فقد كان يرقص بمهارة فائقة، وفي الوقت نفسه يفيض إحساسا مرهفا. وغالبا ما يوصف الكابوكي بأنه ”جمال الشكل“، لكنه يحتاج في جوهره أيضا إلى قدر من الواقعية. وقد نجح جاكوئمون في المزج بين هذين العنصرين بانسجام ليصنع أسلوبا شديد التميز في أداء أدوار الأوناغاتا. لقد أثر ذلك في نفسي بعمق، وأصبحت من أشد المعجبين به“.
وفي تلك الفترة، كان ناكامورا عضوا في فرقة كابوكي كان يقودها الناقد المسرحي والمخرج المسرحي والسينمائي تاكيتشي تيتسوجي (1912-1988). ويتذكر قائلا ”لم يعد مجرد مشاهدة الكابوكي يرضيني كما في السابق. وبدأت أشعر بالأسف لأنني تخليت عن حلمي بأن أصبح ممثل كابوكي. وعندما طلبت النصيحة من الأستاذ تاكيتشي، قال لي ”بدلا من أن تندم لأنك لم تحاول أبدا، من الأفضل أن تحاول، وإن لم تنجح فلتتقبل الفشل“. عندها أدركت أنه لا بد لي من السعي وراء حلمي في نهاية المطاف“.
وكان معهد المسرح الوطني للتدريب على الفنون الأدائية التقليدية يقبل دفعة جديدة من المتدربين مرة كل عامين فقط، لذلك اضطر ناكامورا إلى الانتظار عاما كاملا قبل أن يتمكن من التقديم. وخلال تلك الفترة عمل في وظائف بدوام جزئي، ثم تقدم بطلب الالتحاق عام 1980. ومن بين 20 متقدما، كان واحدا من 10 فقط جرى قبولهم، وبدأ تدريبه ضمن الدفعة السادسة للمعهد.
ويقول ”امتد برنامج التدريب 22 شهرا، وشمل جميع جوانب أداء الكابوكي. كان علينا تعلم أدوار تاتشيياكو والأوناغاتا معا، إلى جانب دراسة الموسيقى والرقص، مثل رقص نيهون بويو، وموسيقى ناغاؤتا وغيرها من موسيقى الشاميسين، وفن الإلقاء السردي غيدايو، والعزف على طبول التايكو الصغيرة والكبيرة، وكذلك آلة كوتو الوترية الشبيهة بالقيثارة. كما تدربنا على تاتشيماواري، وهو القتال المسرحي بالسيوف، وتعلمنا كيفية وضع مساحيق التجميل الخاصة بمختلف أدوار الكابوكي، إضافة إلى التعرف على طقوس تقديم الشاي اليابانية. وبعد الأشهر الستة الأولى كانت تجرى اختبارات عملية، وكان من الممكن أن يرسب المتدرب تبعا لمستوى تقدمه. ومن أصل 10 متدربين في دفعتنا، لم يبق بعد تلك المرحلة سوى 5 فقط“.
ولم يكن امتلاك معرفة سابقة أو خبرة في أي من هذه الفنون ضمانا للنجاح. فكثير من المتدربين الذين بدأوا من الصفر كانوا يستوعبون الدروس بسرعة ويحرزون تقدما ملحوظا. أما كيوزو، الذي كان يتعلم نيهون بويو منذ طفولته، فقد طلب منه أن ينسى كل ما تعلمه وأن يبدأ من جديد. وبعد تخرجه من المعهد، اختار دون تردد أن يتتلمذ على يد ناكامورا جاكوئمون الرابع.
ويقول ”في نهاية المقابلة التي أجريتها مع جاكوئمون، سألني ”هل تعرف ما أهم شيء بالنسبة للممثل؟“. ظننت أنه يقصد الصلابة النفسية، لكنه قال ”يجب أن يكون الممثل قويا بدنيا. تبدو ضعيف البنية بعض الشيء، لذا من الأفضل أن تعمل على تحسين لياقتك البدنية““.
وبعد أن اجتاز الاختبارات العملية بنجاح، منح اسم ”كيوزو“ أملا في أن يبني ”مخزونا“ زاخرا بالفن والإبداع، إذ إن المقطع ”زو“ في اسمه يرمز إلى معنى المخزن. وقد أرشده أستاذه في كل خطوة من خطوات التحول إلى ممثل أوناغاتا، بدءا من طريقة الوقوف وحمل الجسد والسلوك العام، وصولا إلى كيفية وضع مساحيق التجميل المسرحية.

كيوزو في إنتاجه المسرحي الخاص لمسرحية ”تاكي نو شيرايتو (خيوط الشلال البيضاء)“. (© تاغوتشي ماسامي)
ويقول ”لكي أكتسب رشاقة المرأة، طُلب مني أن أرخي ركبتي وأن أجعل الحركة تنطلق من الوركين. ولكي تبدو كتفاي مائلتين، كان عليّ أن أرخيهما مع تقريب لوحي الكتف من بعضهما، وإبقاء الذراعين بمحاذاة الجسد، ودفع الصدر إلى الأمام. وظللت أتدرب على هذه الحركات مرارا وتكرارا حتى أصبحت طبيعية بالنسبة لي“. ويشرح ناكامورا أن هذه الوضعية ضرورية أيضا لارتداء أزياء الأوناغاتا بطريقة صحيحة. فهذه الأدوار تتطلب استخدام عضلات لا يستعملها الإنسان عادة، وذلك لحمل الأزياء الثقيلة والشعر المستعار، وسرعان ما أدرك أنه بحاجة إلى تقوية الجزء السفلي من جسده.
وكان جاكوئمون يردد لكيوزو باستمرار ”حرك ما تحت عظامك، حرك أعضاءك الداخلية“، مؤكدا أن ”ذلك سيجعلك تشعر كما لو أنك امرأة. وهذه خطوة أساسية“. ومن خلال مراقبة جاكوئمون أثناء وضع مكياج المسرح، تعلم كيوزو هذه المهارة بالمشاهدة.
ويختتم قائلا ”إنه أمر غريب جدا، لكن عندما يضع الممثل مساحيق التجميل الخاصة به، فإنه ينتهي إلى التشبه بأستاذه. وهذا ينطبق عليّ أيضا. فعلى الرغم من أن ملامحي وملامح جاكوئمون مختلفة، فإن كثيرا من الناس يقولون إننا متشابهان. وأنا أعد ذلك مجاملة بحق“.
كيوزو سفيرا للثقافة
حظي كيوزو بفضل تدريبه الدؤوب بتقدير واسع لمهارته الفنية، وبدأ يتلقى عروضا للمشاركة في أعمال تتجاوز إطار مسرح الكابوكي التقليدي. ومن بين تلك الأعمال، أدى أدوارا في مسرحيات أجنبية أعيد تقديمها بأسلوب الكابوكي، كما شارك في عروض إلى جانب راقصي الفلامنكو. وفي عام 2015، جسد أدوار الساحرات الثلاث جميعها في مسرحية ”ماكبث نيناغاوا“ التي أخرجها المخرج المسرحي الشهير نيناغاوا يوكيو (1935-2016). وفي عام 2023، أنتج بنفسه مسرحية ”فيدرا“ المستندة إلى أسطورة يونانية تروي قصة الحب المحرم الذي تكنه البطلة لابن زوجها، وتولى فيها أداء الدور الرئيسي.

كيوزو في دور البطلة المأساوية فيدرا. (© تاغوتشي ماسامي)
ومنذ عام 1998، عندما بدأ كيوزو العمل سفيرا ثقافيا لمؤسسة اليابان ومبعوثا للثقافة اليابانية لدى وكالة الشؤون الثقافية، جاب أنحاء العالم للتعريف بالثقافة اليابانية من خلال الكابوكي. وحتى اليوم، زار 60 مدينة في 34 دولة. وقد قدم أدوار الأوناغاتا الراقصة في مسرحية ”ساغيموسومي“ التي تحظى بشعبية كبيرة لدى الجماهير الأجنبية بسبب طابعها الدرامي، إضافة إلى أعمال أخرى. كما أدى رقصة لبدة الأسد في مسرحية ”شاكّيو“، وشرح للجمهور كيف يعبر ممثلو الأوناغاتا عن المشاعر الأنثوية من خلال حركات أسلوبية منمقة.

ساغيموسومي، عذراء مالك الحزين التي وقعت في حب جارف، والأسد في ”شاكيو“ وهو يهز لبدته بعنف. وغالبا ما يفاجأ الجمهور عندما يعلم أن الدورين يؤديهما الشخص نفسه. (بإذن من ناكامورا كيوزو)
وفي عروضه التوضيحية، يقول ”أشرح كيف يجسد ممثلو الأوناغاتا مشاعر المرأة. فعلى سبيل المثال، تقوم الشابة بتغطية فمها بطرف كمها في حياء وهي تضحك برقة. وعندما تشعر بالحزن، تنهمر دموعها بغزارة بينما تكتم شهقاتها وتضغط الكم على عينيها. وأطلب من الحضور تقليد حركاتي، ويبدو أن الجميع يستمتعون بذلك كثيرا“.

(© يوكوزيكي كازوهيرو)
وإلى جانب محاضراته التي تشجع الجمهور على المشاركة التفاعلية، يقدم كيوزو عروضا يبين فيها كيف يمكن لرجل مسن يبدو عاديا أن يتحول إلى شخصية تجسد مشاعر فتاة استبد بها الحب من خلال الرقص. وهذه العروض تترك دائما أثرا قويا في نفوس المشاهدين الأجانب الذين يتعرفون إلى الكابوكي للمرة الأولى، فيعبرون عن إعجابهم بتصفيق حار. ويقول إنه كثيرا ما يلتقي دبلوماسيين شاهدوا عروضه في إحدى الدول، ثم يدعونه لاحقا لإلقاء المحاضرات وتقديم العروض في دول أخرى انتقلوا للعمل فيها حديثا.
تنامي الفردية
يقول ناكامورا ”منذ زمن بعيد، قال لي الباحث في الكابوكي وأستاذ جامعة واسيدا غونجي ماساكاتسو (1913-1998) إن الكابوكي يحتاج إلى مسارين: مسار يحافظ على التقاليد ويحترمها، ومسار آخر ينأى عنها. ولا شك في أن إتقان الأعمال الكلاسيكية أمر أساسي، لكننا في الوقت نفسه يجب أن نستخدم تقنيات الكابوكي لإبداع أعمال جديدة. وفي جوهر الأمر، ينبغي لنا أن ننظر إلى الفن الذي طوره أسلافنا، وأن نستوعبه بأجسادنا ونتعلمه من خلال تقليدهم. لقد تعلمنا نحن الممثلين الأصغر سنا بالمشاهدة والممارسة الجادة، وبعد ذلك فقط أصبحنا قادرين على تطوير أساليبنا الخاصة، أو ما يمكن وصفه بـ”كسر القالب“. وعندها بدأ تفردنا الفني يتجلى بوضوح“.

نشر كيوزو مجموعة من المقالات يستعيد فيها ذكرياته مع أستاذه ناكامورا جاكوئمون الرابع، ويشرح تقاليد الكابوكي التي حافظ عليها طوال مسيرته الفنية، كما يتناول الأعمال الجديدة التي طورها. (© يوكوزيكي كازوهيرو)
وإلى جانب نشاطه على خشبة المسرح، يعمل كيوزو حاليا محاضرا في معهد التدريب، حيث يشرف على إعداد جيل جديد من الممثلين. وخلال السنوات الأخيرة، لم يكن عدد المتقدمين في كل دفعة يتجاوز شخصا واحدا أو شخصين في الغالب، إلا أن الشعبية الكبيرة التي حققها فيلم ”كوكوهو“ جذبت 6 متدربين جدد إلى أحدث دفعة. ولا شك في وجود فروق كبيرة في الكفاءات بين أبناء أسر الكابوكي العريقة وبين الممثلين الذين التحقوا بالمعهد وتلقوا التدريب فيه وهم بالغون. وعندما ينظر كيوزو إلى هذه المسألة من منظور خبرته الممتدة لأكثر من 40 عاما في الكابوكي، يتبادر إلى الذهن التساؤل عما يشعر به تجاه ذلك.
ويجيب من دون تردد مع ابتسامة على شفتيه ”نعم، صحيح أن الفتيان الذين ولدوا في أسر الكابوكي وبدأوا الأداء منذ سنواتهم الأولى يتمتعون بميزة واضحة. لكن موهبة المتدربين في المعهد واجتهادهم وطموحهم، يمكّنهم بالتأكيد من التغلب على هذا الفارق مع مرور الوقت“.
ووجه كيوزو هذه الرسالة الختامية إلى الراغبين في الاستمتاع بالكابوكي ”تحدثوا إلى شخص ملم بهذا الفن، وشاهدوا مسرحيات سهلة تناسب المبتدئين. وعندما يثير الكابوكي اهتمامكم، ابدؤوا بدراسته. وعندما تفهمونه جيدا، آمل أن تتمكنوا من تقديره حقا“.

كيوزو يحيي الجمهور بعد انتهاء أحد عروضه في المكسيك. (بإذن من ناكامورا كيوزو)
(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية، الترجمة من الإنجليزية. صورة العنوان: يظهر ناكامورا كيوزو في الجهة اليسرى في إعلان تلفزيوني لبرنامج محاسبة، كما يظهر في دور ”فوجيموسومي (فتاة الوستارية)“، بإذن من ناكامورا كيوزو.)
كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | كيف صنع «ناكامورا كيوزو» مكانته في عالم فن الكابوكي الياباني؟ لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
