نجح صانع أعمال الغموض المقنع ’’أوكيتسو‘‘ في الانتقال من عالم الشهرة على الإنترنت إلى تحقيق مبيعات ضخمة في سوق النشر الياباني، ثم إلى النجاح بلغات متعددة في الخارج. وفي هذه المقالة، يكتب مترجم أعماله إلى اللغة الإنكليزية جيم ريون عن قصة اكتشافه لهذا الكاتب ونجم اليوتيوب، وما الذي تقدمه أعماله لقرائها.
سر نجاحي؟ الإصغاء إلى زوجتي
كان أول لقاء لي مع أوكيتسو في عام 2022. كانت زوجتي قد أصبحت من معجبي قناته على يوتيوب، ونظرا لمعرفتها بشغفي بكل ما هو غريب ومثير للرعب، ظنت أنني سأستمتع بمحتواه. وكانت على حق تماما، وقد أعجبت بشكل خاص بالقصص الطويلة التي كان ينشرها ذلك الرجل المقنع.
لكنني أميل إلى قراءة النصوص أكثر من مشاهدة مقاطع الفيديو، لذا توجهت إلى المكتبة فور علمي بأن أوكيتسو قد أصدر كتابين.

المترجم جيم ريون مع عمله المرشح للجائزة (بإذن من جيم ريون)
كنت قد انتهيت للتو من ترجمة رواية ”أكوما غا كيتاريتي، فوي أو فوكو (جرائم قتل مزمار الشيطان)“ للكاتب يوكوميزو سيشي والتي نشرت لأول مرة على حلقات بين عامي 1951 و1953، وعندما قرأت رواية ”هين نا إيي (منازل غريبة)“ للكاتب أوكيتسو الصادرة عام 2021، لمست على الفور روابط واضحة بينها وبين الأعمال اليابانية الكلاسيكية المبكرة في أدب الرعب والغموض. ومن دون الخوض في أي تفاصيل قد تفسد متعة القراءة، فإن الرواية الأولى لأوكيتسو تحمل أصداء واضحة للثراء الفاحش والعزلة الريفية والأسرار العائلية المروعة التي طالما تناولها يوكوميزو في كتاباته.
لكن رواية ”هين نا إي (صور غريبة)“ الصادرة عام 2022 هي التي أثارت إعجابي حقا. فالأسلوب البسيط في الكتابة واستخدام الرسوم بوصفها وسائل إرشاد وأدلة في الوقت نفسه، كانا أمرين غير مألوفين بلا شك، لكن أكثر ما شدني هو البنية السردية المعقدة التي تكمن خلف هذه البساطة الظاهرية. كما لفتت انتباهي الطريقة التي انتقل فيها أوكيتسو من الجذور الواضحة لأدب الغموض الياباني التي بدت جلية في رواية ”صور غريبة“ إلى إثارة نفسية أكثر تأثرا بالتقاليد الغربية، واضعا القيم الاجتماعية المعاصرة في صميم الأحداث.
اقترحت عليّ زوجتي أن أحاول ترجمة هذين الكتابين، فوافقتها الرأي على الفور. رشحت الكتب للمحرر الذي أعمل معه في دار النشر ”بوشكين فيرتيغو“، وبالفعل بدأ العمل على الترجمة الإنكليزية في أواخر عام 2023، وصدر كتاب باللغة الإنكليزية من رواية ”صور غريبة“ بعد ذلك بعام واحد تقريبا.
وأستطيع القول إن جميع من شاركوا في هذا المشروع اتخذوا القرار الصائب.
من الإنترنت إلى رفوف المكتبات
لم تكن زوجتي الوحيدة التي اكتشفت أوكيتسو عبر يوتيوب. فمن بين ملايين المتابعين كان هناك محرر في دار النشر ”أسوكا شينشا“، شاهد مقطع الفيديو الذي يحمل عنوان ”لغز عقاري: منازل غريبة“ وتواصل مع أوكيتسو مقترحا تحويله إلى كتاب. وكانت النتيجة رواية ”هين نا إيي (منازل غريبة)“ التي حققت نجاحا كبيرا، ثم جاء النجاح مع الكتاب التالي، والذي يليه... وهكذا وصلنا إلى ما هو عليه اليوم.
لقد أصبح هذا المسار، من الإنترنت إلى النجاح في عالم النشر، أمرا شائعا بشكل متزايد. ففي اليابان يشهد أدب الرعب حاليا ازدهارا لافتا بفضل كتّاب بدؤوا مسيرتهم بنشر أعمالهم على مواقع مجانية مثل ”كاكويومو“ التابع لشركة ”كادوكاوا“، والذي يمنح عقود نشر للقصص الأكثر شعبية كل عام. ومن بينهم”سيسوجي“ مؤلف رواية ”كينكي تشيهو نو أرو باشو ني تسويتي (مكان ما في منطقة كينكي)“ الذي بدأ مسيرته هناك، وكذلك ”ناشي“ منظم فعاليات الرعب الشهير والمؤلف المعروف، الذي نشر أعماله على كل من موقع ”كاكويومو“ والنسخة اليابانية من موقع ”مؤسسة SCP“ وهو مشروع يمكن وصفه بأنه مزيج بين مسلسل ”الملفات السرية“ وموسوعة ويكيبيديا، وذلك قبل أن يبدأ مسيرته في كتابة الروايات.
بالطبع، فقد جاء هؤلاء بعد سلسلة طويلة من ”الروايات الخفيفة“ التي بدأت كمنشورات على شبكة الإنترنت، فضلا عن التاريخ الأطول لروايات الهواتف المحمولة التي انتشرت قبل ظهور الهواتف الذكية. لذا، فإن الإنترنت ليس وسيلة جديدة لتحقيق النجاح في عالم النشر، لكن يبدو أن هناك تحولا ملحوظا في طبيعة هذا النجاح. فما كان يُعد في السابق حكرا على الأنواع الأدبية المتخصصة أصبح اليوم أقرب إلى التيار السائد، وكان للنجاح الاستثنائي الذي حققه أوكيتسو دور مؤثر في هذا التحول.
التحول نحو العالمية
حتى بعد أن شاهدت ذلك يحدث أمامي، ما زلت أجد صعوبة في استيعاب مدى الشعبية الهائلة التي أصبح يتمتع بها أوكيتسو وكتبه.
تضم قناة أوكيتسو على يوتيوب مليوني مشترك، وتحصد معظم مقاطع الفيديو التي ينشرها أكثر من 5 ملايين مشاهدة. كما ظهر وجهه المقنع على أغلفة المجلات، وفي أكشاك التصوير اليابانية ”بوريكورا“، وحتى في مسلسل الرسوم المتحركة للأطفال ”كرايون شين تشان“. وقد حقق كل واحد من كتب سلسلة ”هين نا“ الأربعة مبيعات ضخمة، وفي عام 2024، استحوذ أوكيتسو على ثلاثة مراكز ضمن قائمة الكتب الروائية العشرة الأكثر مبيعا في اليابان.
وخارج اليابان يبدو الوضع مشابه، فقد احتفلت دارا النشر الناطقتان بالإنكليزية ”بوشكين فيرتيغو“و”هاربر فيا“ مؤخرا ببيع مليون نسخة من كتب أوكيتسو باللغة الإنكليزية. كما ترجمت كتبه إلى 36 لغة وبيع منها ما يقرب من 8 ملايين نسخة حول العالم.
لماذا؟ وكيف حدث ذلك؟
لست خبيرا، لكن لدي بعض الأفكار.
أعتقد أن بدايته المعتمدة على الإنترنت ولا سيما التناغم بين مقاطع الفيديو على يوتيوب والمحتوى المكتوب الذي كان ينشر في الوقت نفسه، إلى جانب توقيت ذلك، كانت عوامل جوهرية في بناء قاعدة متينة للنجومية.

يظهر الكاتب المقنع ”أوكيتسو“ مع الترجمات الإنكليزية لأعماله في مؤتمر صحفي عقد في يناير/كانون الثاني 2025 في نادي المراسلين الأجانب في اليابان بطوكيو (© كيودو)
بدأ أوكيتسو مسيرته بالكتابة لموقع الترفيه الياباني ”أوموكورو“. ونظرا لأن القصص المنشورة على الإنترنت غالبا ما تتطلب صورا، فإن عنصر الجانب البصري الذي اشتهر به في أعماله أكثر من غيره كان، بحسب أوكيتسو نفسه، ببساطة الطريقة التي تعلم بها الكتابة. وكان نشر نسخ فيديو من مقالاته في ”أوموكورو“ اقتراحا من أحد المحررين هناك بهدف استقطاب جمهور أوسع، لكن هذه الاستراتيجية تطورت لاحقا لتصبح أكثر عمقا. ففي إحدى المقابلات، أوضح أنه يريد لقناته على يوتيوب أن تجذب الأشخاص الذين لا يهتمون بالقراءة أو الذين يقلقون من شراء الكتاب الخطأ. وهذا يفسر سبب نشره مؤخرا لنسخة معاد صياغتها بالكامل من عمله ”منازل غريبة“ على كل من موقع ”أوموكورو“ ويوتيوب.
وأنا على قناعة بأن جائحة كوفيد-19 لعبت أيضا دورا في ذلك. فقد نُشر الفيديو الذي منح مسيرته المهنية دفعة هائلة، والذي أصبح لاحقا ”منازل غريبة“، في أكتوبر/تشرين الأول عام 2020، عندما كان ملايين الأشخاص حول العالم عالقين في منازلهم ويستهلكون المحتوى عبر الإنترنت. وقد جذبت مقاطع الفيديو المتكررة والغريبة على نحو فريد هذا الجمهور الملازم للمنازل، وقادته في نهاية المطاف إلى الكتب التي حققت مبيعات ممتازة منذ طرحها مباشرة.
وقد بنيت شعبيته في الخارج في البداية على هذا النجاح المحلي. ويبدو أن دور النشر الدولية تهتم كثيرا بالمبيعات المحلية الكبيرة وسهولة تسويق الأعمال، وهذان العاملان متوفران لدى أوكيتسو بلا شك. أما الكاتب نفسه، فهو بمثابة حلم لأي مسوّق، إذ إن بدلته السوداء وقناعه الأبيض يجعلان منه مادة مثالية للانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي ولتصميم المنتجات الترويجية المرتبطة بأعماله.
كما أن هذه العناصر سهلت أيضا جذب اهتمام وسائل الإعلام التقليدية. ففي الفترة التي سبقت إطلاق أعمال ”أوكيتسو“ باللغة الإنكليزية، نشرت صحف كبرى في لندن تقارير وصفته فيها بأنه ”أبرز كاتب لأدب الجريمة في اليابان“ و”النظير الياباني لريتشارد عثمان“. كما ساهمت حملة ترويجية واسعة شملت عروضا في المكتبات ومنتجات تجارية وملصقات في وسائل النقل العام ومقاطع فيديو ترويجية، في جذب انتباه القراء أيضا.
لكن بطبيعة الحال، كانت كل تلك التغطية الإعلامية والحملات التسويقية ستذهب سدى لو لم يُعجب الناس بالكتب، ويبدو أنهم أعجبوا بها فعلا. فقد شقت إصدارات أوكيتسو الإنكليزية طريقها إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعا في أماكن تمتد من سنغافورة إلى كندا، كما أن أحدث أعماله، ”مباني غريبة“، دخل مباشرة قائمة الأكثر مبيعا في كل من صحيفة نيويورك تايمز وصحيفة تايمز اللندنية. ورُشح ”صور غريبة“ للقائمة القصيرة لجائزة كتاب العام من ووترستونز عام 2025، وكذلك لجائزة ”الخنجر“ لأدب الجريمة المترجم لعام 2026، التي تمنحها رابطة كتّاب أدب الجريمة البريطانية.
ولا يسعني إلا أن أفترض أن ما جذبني إليه في البداية هو البساطة الخادعة والرؤية الموحشة للعالم والاستخدام المبتكر للصور، قد أثارت اهتمام الآخرين بالقدر نفسه.
الأيام الغريبة مستمرة
إن النجاح العالمي لأوكيتسو ينعكس عليّ أيضا. فقد أصبح اسمي يظهر إلى جانب أوكيتسو على أغلفة الكتب التي تُقرأ في أنحاء العالم، ويُدرج في إعلانات الترشيح للجوائز. ويبدو ذلك غريبا بالفعل بالنسبة لشخص اعتاد على حالة الخصوصية التي توفرها الترجمة عادة. لكن لا تخطئوا الفهم، فأكثر من أي شيء آخر، أشعر بأنني محظوظ. محظوظ لأن زوجتي نبهتني إليه، ومحظوظ لأنني وثقت بها وبحدسي، ومحظوظ لأننا وصلنا إلى هذه المرحلة قبل أي شخص آخر.
ونظرا للنجاح الذي حققه ”مباني غريبة“ والترقب المحيط بـ”خرائط غريبة“، وهو الكتاب الرابع لأوكيتسو المقرر إصداره باللغة الإنكليزية في أبريل/نيسان عام 2027، فلا أرى أي نهاية تلوح في الأفق لهذه الرحلة الطويلة والغريبة.
(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: © بوشكين فيرتيغو)
كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | من الأدب الياباني إلى العالمية: ترجمة عالم أوكيتسو الغامض لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
