ابوظبي - سيف اليزيد - سامي عبد الرؤوف، دينا جوني (دبي)
أكد كوكبة من العلماء الحائزين جائزة نوبل وجوائز عالمية مرموقة، أن دولة الإمارات أصبحت ملتقى العلماء والباحثين من مختلف دول العالم، مما جعلها مقصداً لمختلف العلماء والعلوم، مشيرين إلى أن احتضان الإمارات للعلماء ورعايتهم يعودان بالنفع على العالم بصفة عامة، والعالم العربي بصفة خاصة.
وقالوا في تصريحات خاصة لـ «الاتحاد»، على هامش اليوم التمهيدي الأول للقمة العالمية للحكومات في دبي: إن «دولة الإمارات أصبحت رائدة في استقطاب العلماء من مختلف دول العالم وفي جميع المجالات العلمية، وفي الوقت نفسه تعمل على تكوين أجيال من العلماء الإماراتيين، وهو ما يعني أنها تخدم العلماء عالمياً ومحلياً». وثمّنوا إعلان تأسيس قاعدة جديدة لرابطة الحائزين الجوائز العالمية في دولة الإمارات، مؤكدين أن هذه المبادرات تفتح نافذة مهمة للتعرف عن قرب على ما يجري في المشهد العلمي المحلي. وشددوا على أهمية اهتمام الحكومات بدعم العلماء وخاصة الشباب منهم، لتكوين أجيال متلاحقة من العلماء في مختلف مجالات العلوم والتخصصات، داعين إلى توفير مزيد من الاهتمام الرسمي والحكومي على مستوى العالم لتبنّي الاختراعات والابتكارات، بما يساعد العالم على تجاوز التحديات التي تواجهه وتصنع حاضراً مميزاً للعالم ومستقبل أفضل.
رابطة عالمية
أكد البروفيسور روجر كورنبرغ، الحائز جائزة نوبل في الكيمياء عام 2006، أن تأسيس قاعدة جديدة لرابطة الحائزين الجوائز العالمية في دولة الإمارات خطوة ستسهم في استقطاب عدد أكبر من كبار العلماء لزيارة الدولة، وتقديم الاستشارات، وربما تنفيذ أبحاث علمية داخلها.
ورأى أن هذه المبادرة من شأنها تمكين دولة الإمارات من أن تُصبح مشاركاً فاعلاً في رسم مستقبل العلوم، وليس مجرد متابع لمسارها العالمي.
وفي رده على سؤال حول ما إذا كان هذا التوجه سيغير أولويات البحث العلمي على مستوى العالم، أوضح كورنبرغ أنه لا يتوقع تغييراً في الأولويات، لكنه يرى أن الأثر الحقيقي سيكون في تسريع وتيرة التقدم العلمي.
وعن نصيحته للجيل الجديد الراغب في دراسة العلوم، شدد كورنبرغ على أن الدافع الحقيقي لدخول هذا المجال لا ينبغي أن يكون السعي إلى الثراء أو المتعة، بل الإشباع الشخصي والفكري الذي يمنحه العمل العلمي، مؤكداً أن ممارسة العلم تمنح الباحث شعوراً عميقاً بالإنجاز والمعنى، وهو ما يجعلها مساراً مستداماً لمن يختاره عن قناعة.
وأوضح أن التحدي المشترك الذي تواجهه جميع العلوم، سواء كانت ناشئة أو راسخة، يتمثل في الفشل المتكرر، مشيراً إلى أن هذا الجانب جزء أصيل من العملية العلمية. وأضاف: الإصرار على مواجهة الفشل هو السمة الأساسية التي تميز العمل العلمي الحقيقي، وهو ما يدفع المعرفة إلى الأمام.
المشاركة المحلية
بدوره، أكد العالم دانكن هالدين، الحائز جائزة نوبل للفيزياء في 2016، أن التوجّه لافتتاح مركز جديد لرابطة العلماء الحائزين جوائز عالمية في دولة الإمارات من شأنه أن يعزز من حضور الدولة على الخريطة العلمية العالمية، مشيراً إلى أن هذه المبادرات تفتح نافذة مهمة للتعرف عن قرب على ما يجري في المشهد العلمي المحلي.
وقال: «إن هذه الفعاليات تمثل فرصة حقيقية لتشجيع المشاركة المحلية في البحث العلمي، ومن المهم أن يكون في كل دولة علماء يشاركون في أبحاث من الطراز العالمي، لما لذلك من أثر إيجابي مباشر على تطوّر البحث العلمي في الجامعات والمؤسسات الوطنية». وأشار هالدين إلى أن من غير الواقعي أن تتمكن كل دولة من التميّز في جميع فروع العلم، لافتاً إلى أن بناء عدد محدود من مراكز التميّز العلمي يمكن أن يكون له أثر بالغ في تطوير الجامعات وإعداد كوادر مؤهلة تكنولوجياً. وأكد أن هذا النوع من التفاعل المباشر يلعب دوراً مهماً في إلهام الطلبة والباحثين، وتشجيعهم على الانخراط في المجتمع العلمي العالمي.
وبالنسبة لما يمكن للإمارات أن تقدّمه للعلماء، أوضح هالدين أن العلماء في الإمارات يمكنهم الاستفادة بشكل كبير من الانفتاح والتعرّض المباشر للتجارب العلمية العالمية، لافتاً إلى أن العِلم ليس نشاطاً نظرياً أو عملية تلقائية تقوم فقط على قراءة الأبحاث. وقال: «العلم نشاط إنساني في جوهره، ويتقدّم من خلال النقاشات والتفاعل الشخصي بين الباحثين، لا عبر قراءة الأوراق العلمية فقط».
وأضاف أن تطور العلوم يحدث عندما يلتقي أشخاص من خلفيات ووجهات نظر مختلفة، ويتمكنون من اكتشاف خيوط مشتركة بين مجالات علمية متعددة، ما يؤدي إلى تقدم متبادل في أكثر من تخصص.
ورغم التطور الرقمي، يرى هالدين أن الاعتماد على «الإنترنت» وحده لا يكفي لبناء بيئة علمية حقيقية، موضحاً أن حضور الندوات، والاستماع إلى محاضرين عالميين، وإتاحة الفرصة للنقاش المباشر بعد المحاضرات، يظل عنصراً أساسياً في تطور البحث العلمي.
وأفاد أن المستقبل سيعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا، ومن المهم لأي دولة ألا تكتفي بدور مستورد للتكنولوجيا، بل إن تطور فهماً محلياً وقدرات علمية ذاتية تدعم هذا التوجه.
السلام ضرورة
من جهتها، شددت كارين هالبرغ، الأمين العام لمنظمة بوغواش، الحاصلة على جائزة نوبل للسلام عام 1995، على أهمية الحوار والتواصل بين الشرق والغرب، لتجنب الوضع المحفوف بالمخاطر عالمياً.
وحول حاجة العلماء إلى دعم، أم أنهم يعرفون كيف يجعلون المجتمع الدولي يتقبّلهم، أجابت بوغواش: «بلا شك، إن العلماء في مختلف البلدان بحاجة إلى دعم من الحكومات، فنحن بحاجة ماسة لدعم العلم لكي يُسهم في مساعدة الحكومات، ولكي تستفيد الحكومات من العلم، سواء على المستوى الوطني أو الدولي».
وأضافت: «العلم شبكة من الباحثين، وهذا أمر بالغ الأهمية للحفاظ على تماسك المجتمع الدولي». ودعت إلى الاستفادة من تجربة دولة الإمارات في مساعدة الدول النامية على التفوق العلمي، مؤكدة أن العلم من الأنشطة الإنسانية الأساسية ذات الطابع الدولي، ولهذا السبب يُطلق على هذا النوع من العمل اسم الدبلوماسية العلمية.
من جانبها، قالت دانييلا بارجيليني رودس، العالمة في مجال البيولوجيا التركيبية والجزيئية، والحائزة على جائزة جمعية الحائزين جوائز العالم لعام 2023 في علوم الحياة والطب: «انبهرت بما رأيت في دولة الإمارات بصفة عامة ودبي بصفة خاصة، حتى إنني أرى منذ قدمت إليها، أشياء تتفوق على أفضل مدن العالم».
وأضاف: «أبرز ما لفت انتباهي هو الاستثمار في العلم والعلماء والاهتمام الكبير بمجال العلوم والتقدم العلمي، مما يعني أن الإمارات خلال سنوات معدودة سوف تكون في مقدمة الدول المتقدمة في مختلف المجالات العالمية».
وأشارت إلى أنها من خلال محاضرتها في جامعة نيويورك في أبوظبي، تشهد اهتماماً متنامياً بالاستثمار العلمي في دولة الإمارات، مؤكدة أهمية توفير مزيد من الاستثمارات في المجالات العلمية، بالإضافة إلى الاستثمار أكثر في الشباب.
ولفتت إلى ضرورة الاستثمار في الشباب الإماراتيين لخوض غمار العلوم، ليكونوا علماء المستقبل، لتُصبح الإمارات متميزة باستقطاب العلماء العالميين، وتكوين جيل جديد من العلماء الشباب المواطنين.
العلم أولاً
من جانبه، أكد العالم الأميركي جون هوبكروفت، الحائز جائزة تورنغ لعام 1986، أن التعليم هو السمة الفارقة التي ميّزت الإنسان عن باقي الكائنات الحية، وجعلته قادراً على تحقيق إنجازات غير مسبوقة في تاريخ البشرية، من بينها تطوير التكنولوجيا التي مكّنت البشر من الوصول إلى القمر وإعادة روّاد الفضاء إلى الأرض بسلام. وأوضح أن أي إنجاز بهذا المستوى من التعقيد يستحيل أن يتحقق دون منظومة تعليمية راسخة، مشدداً على أنه لا توجد أي منظومة أخرى تمتلك هذه القدرة على نقل المعرفة وتطويرها جيلاً بعد جيل. ودعا هوبكروفت، الأفراد، ولا سيما الشباب، إلى عدم إهدار حياتهم في مطاردة المال فقط، مؤكداً أن الحياة قصيرة ويجب استثمارها فيما يحبّه الإنسان حقاً. وقال: «إن بناء المسار المهني ينبغي أن يقوم على الشغف والاهتمام الحقيقي، لا على السعي وراء الوظائف التي يظن أنها تُدرّ دخلاً أكبر؛ لأن شراء حياة جيدة بالمال، ليس طريقاً مضموناً للسعادة أو النجاح الحقيقي». وأفاد أن التركيز على ما يستمتع به الإنسان في عمله يجعله لا يشعر بأنه «يذهب إلى العمل» بالمعنى التقليدي، بل يمارس ما يحب يومياً، مستشهداً بتجارب عدد من العلماء والباحثين الذين نالوا جوائز كبرى.
وأوضح أن كثيرين منهم لم تكن لديهم «استراتيجية» صارمة للنجاح، بل كانوا يقتنصون الفرص حين تبدو لهم مثيرة للاهتمام، ويمضون فيها، وإذا لم تكن كذلك، يتركونها ويمضون إلى غيرها.
وخلص هوبكروفت إلى أن القاسم المشترك بين هؤلاء الناجحين أنهم كانوا يفعلون ما يحبون، وهو ما قادهم في النهاية إلى تحقيق إنجازات كبيرة والنجاح في مسيرتهم العلمية والمهنية، مؤكداً أن الشغف، إلى جانب التعليم، يظلّان المحرّك الأساسي للتقدم الإنساني.
العلماء الشباب
بدوره، قال العالم المصري، الدكتور هشام عمران، الحائز جائزة «اليونيسكو»- الفوزان للعلماء الشباب، وهو أستاذ بكلية الهندسة في جامعة عين شمس في مصر: «إنه حصل على جائزة (اليونيسكو) في سن الثامنة والثلاثين، وتم اختياره أفضل عالم من العالم العربي، وذلك في عام 2023».
وأشار إلى أنه جائزته تتعلق بأتمتة رقائق السيليكون وتصميمها لتكون أداة توصيل أعلى أداء وأقل وقتاً، موضحاً أنه أول مرة يزور دولة الإمارات ويشعر بالسعادة لما أصبحت تمثّله من نموذج عربي رائد يضاهي أفضل دول العالم في مختلف المجالات.
وأكد أن عقد القمة العالمية للعلماء يُوجد مجتمعاً علمياً عالمياً يضم كوكبة من علماء العالم في مختلف المجالات.
تميز إماراتي
قال دميتري بونكراتوف، الحائز جائزة لاندريني العالمية في مجال الأبحاث البيئية، وهي أرفع الجوائز في هذا المجال، إنه يهتم في أبحاثه العلمية بأن يكون لدينا صناعة عالمية لبناء وتشغيل السفن البحرية خالية تماماً من الانبعاثات بحلول عام 2050.
وحول نظرته إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ودعمها للعلماء والبيئة وغيرها، أجاب: «أجد هذا الأمر مثيراً للإعجاب، كيف تُهيئ الإمارات العربية المتحدة منصة رائعة تجمع مختلف الجهات المعنية، من باحثين وعلماء وصنّاع سياسات وبيئة أعمال وشركات ناشئة، في مكان واحد وعلى مقربة من بعضها».
وأضاف: «أعتقد أن هذا التواصل الوثيق بين مختلف الجهات يفتح آفاقاً فريدة لكم كدولة، ولنا أيضاً كممثل عالمي، لذا، من هذا المنطلق، إنها حقاً مكان رائع».
