الاقتصاد

ارتفاع أسعار البنزين ليس إلا بداية لأزمة طاقة أعمق بكثير

ارتفاع أسعار البنزين ليس إلا بداية لأزمة طاقة أعمق بكثير

شكرا لقرائتكم خبر عن ارتفاع أسعار البنزين ليس إلا بداية لأزمة طاقة أعمق بكثير والان مع بالتفاصيل

دبي - بسام راشد - أخبار الفوركس اليوم عندما تقع صدمة نفطية كبرى، فإن معظم الأمريكيين يلاحظونها أولًا عند محطات الوقود.

وهذا تحديدًا ما يحدث الآن. فمنذ هجوم 28 فبراير على إيران وما تبعه من اضطراب في حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، ارتفعت أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة بشكل حاد. كما بدأت أسعار المواد الغذائية في الارتفاع تدريجيًا مع انتقال تأثير تكاليف النقل عبر سلاسل الإمداد. وجاء تقرير التضخم لشهر مارس أعلى بكثير من التوقعات.

بالنسبة لكثير من الأمريكيين، يبدو أن القصة تنتهي عند هذا الحد: أسعار أعلى، لكن سلاسل الإمداد ما تزال تعمل.

لكن على المستوى العالمي، هذه ليست مجرد أزمة أسعار، بل بدأت تتحول إلى أزمة إمدادات بالفعل.

نقطة اختناق عالمية تحت الضغط

يُعد مضيق هرمز أهم شريان للطاقة في العالم. إذ يمر عبر هذا الممر الضيق نحو خُمس استهلاك النفط العالمي، أي ما يقارب 20 مليون برميل يوميًا. كما يُعد طريقًا رئيسيًا لصادرات الغاز الطبيعي المسال، خاصة من قطر.

عندما تتعطل حركة المرور عبر هرمز، يكون التأثير فوريًا، ليس فقط بسبب حجم التدفقات، بل لغياب البدائل الواقعية. فلا يمكن لناقلات النفط تغيير مسارها ببساطة دون زيادة الوقت والتكلفة والتعقيد اللوجستي، وفي بعض الحالات لا يمكنها تغيير المسار أصلًا.

والنتيجة هي ما نشهده الآن: إعادة تسعير حادة للمخاطر في أسواق الطاقة العالمية، تليها حالة من تشديد الإمدادات الفعلية.

خارج الولايات المتحدة: التأثير أشد بالفعل

تتمتع الولايات المتحدة بدرجة من الحماية بفضل كونها منتجًا رئيسيًا للنفط واعتمادها المحدود نسبيًا على واردات الخليج. لكن معظم دول العالم لا تمتلك هذا الحاجز.

في الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، بدأت الضغوط تظهر بالفعل.

في جنوب وجنوب شرق آسيا، بدأت تأخيرات شحنات الوقود وارتفاع تكاليف الاستيراد تؤثر على توافر الإمدادات. ويعتمد نحو 90% من واردات غاز البترول المسال في الهند، الذي تعتمد عليه ملايين الأسر في الطهي، على المرور عبر مضيق هرمز. وقد أدى الاضطراب الحالي إلى أزمة إمدادات داخلية، ما دفع الحكومة إلى فرض نظام حصص لتوزيع الغاز على الأسر.

أما الزراعة فهي نقطة ضغط أخرى. إنتاج وتجارة الأسمدة يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالغاز الطبيعي والمدخلات البتروكيماوية. ويمر نحو 30% من تجارة الأسمدة العالمية، وجزء كبير من الكبريت والأمونيا المستخدمة في أسمدة الفوسفات، عبر مضيق هرمز.

ويأتي أكثر من 40% من واردات الهند من الأسمدة من الشرق الأوسط. ومع اقتراب موسم الأمطار الزراعي، اندفع المزارعون في مناطق البنجاب وهاريانا إلى الشراء خوفًا من النقص. وإذا لم يستقر إمداد الأسمدة بحلول مايو، تحذر وكالة الطاقة الدولية من تهديد مباشر لإنتاج المحاصيل.

أوروبا: هشاشة مختلفة لكن واقعية

تبدو هشاشة أوروبا مختلفة، لكنها لا تقل خطورة. فرغم تقليل اعتمادها على النفط الروسي منذ عام 2022، ما تزال تعتمد على الأسواق العالمية في المنتجات المكررة. وكان نحو نصف واردات وقود الطائرات في أوروبا يأتي سابقًا من الشرق الأوسط.

وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من احتمال مواجهة أوروبا نقصًا حادًا في وقود الطائرات بحلول يونيو. وبدأت بالفعل عدة شركات طيران في إعطاء الأولوية للرحلات الدولية على حساب إلغاء بعض الرحلات المحلية والإقليمية لتوفير المخزون المتناقص.
شرق آسيا: مشكلة الحجم والاعتماد

في شمال شرق آسيا، تتمثل المشكلة في الحجم والاعتماد. تؤكد البيانات أن اليابان تستقبل نحو 11%، وكوريا الجنوبية نحو 12% من إجمالي شحنات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز. ويظل الاعتماد على نفط وغاز الخليج مرتفعًا للغاية في البلدين.

وقد اتجهت الشركات هناك إلى تأمين مصادر بديلة واستخدام الاحتياطيات، لكن هذه الإجراءات مكلفة وتكشف مدى محدودية البدائل في النظام العالمي.
امتداد الأزمة إلى التصنيع

في المراحل التالية من سلسلة القيمة، تمتد التأثيرات إلى قطاع التصنيع. إذ ترتفع أسعار المواد البتروكيماوية المشتقة من النفط والغاز، ما يضغط على صناعات مثل البلاستيك والمنسوجات.

وفي الاقتصادات المعتمدة على التصدير، يؤدي ذلك إلى تباطؤ الإنتاج، وضغط على هوامش الربح، وارتفاع التكاليف على المشترين العالميين.

أما في الاقتصادات النامية، فالمخاطر أكثر حدة. فكثير منها لا يمتلك المرونة المالية أو الاحتياطيات أو البنية التحتية اللازمة لامتصاص اضطرابات طويلة. ويمكن أن تؤدي زيادة تكاليف الطاقة سريعًا إلى ضغوط على العملة، وتراجع الإنتاج الصناعي، وأحيانًا إلى نقص فعلي في السلع.

لماذا نجت الولايات المتحدة حتى الآن؟

يعود الاستقرار النسبي في الولايات المتحدة إلى عاملين: الإنتاج والجغرافيا.

إنتاج النفط المحلي لا يزال قريبًا من مستويات قياسية، كما أن اعتماد الولايات المتحدة على واردات الخليج أقل من كثير من الدول الأخرى، ما يوفر حاجزًا ضد اضطرابات الإمداد المادية.

كما تمتلك الولايات المتحدة واحدة من أكثر أنظمة التكرير تعقيدًا وتطورًا في العالم، ما يسمح لها بتلبية جزء كبير من الطلب المحلي على البنزين والديزل.

لكن “الحاجز” لا يعني “الحصانة”.

فالنفط يُسعَّر عالميًا، وعندما يؤدي اضطراب ما إلى سحب — أو حتى تهديد بسحب — ملايين البراميل يوميًا من السوق، فإن الأسعار ترتفع عالميًا.

ولهذا بدأ المستهلكون في الولايات المتحدة بالفعل برؤية ارتفاع في أسعار الوقود. وضمن ذلك، يرتفع سعر الديزل بوتيرة أسرع من البنزين لأسباب هيكلية، إذ يُعد الديزل أساس النقل والشحن والزراعة والصناعة، وغالبًا ما يكون عرضه أكثر محدودية. وعندما يتحرك الديزل، يتبعه الاقتصاد كله.

المرحلة التالية لم تبدأ بعد

ما تشهده الولايات المتحدة الآن — ارتفاع أسعار الوقود وبداية التضخم — هو عادة المرحلة الأولى من صدمة الإمدادات.

أما عالميًا، فقد بدأت بالفعل المرحلة الثانية: تشدد في الإمدادات واضطراب تشغيلي.

ومع استمرار الأزمة، تصبح المرحلة التالية أصعب في التجنب. فقد يبدأ المصافي في تقليص الإنتاج مع تراجع الهوامش وصعوبة الحصول على الخام. وتشتد أسواق المنتجات النفطية. ويمكن للاحتياطيات الاستراتيجية أن تساعد، لكنها حل مؤقت فقط.

وفي النهاية، يتكيف النظام عبر ما يُعرف بـ"تدمير الطلب"، حيث تدفع الأسعار المرتفعة المستهلكين والشركات إلى تقليص الاستهلاك، ما يؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي، وهو ما يخفض الأسعار لاحقًا، لكن بتكلفة اقتصادية واضحة.
الصورة الكبرى

من السهل النظر إلى الوضع الحالي من زاوية محلية: أسعار بنزين أعلى، وضغط إضافي على أسعار الغذاء، وشعور عام بارتفاع التكاليف.

لكن هذا المنظور يتجاهل الواقع الأوسع.

في أجزاء كثيرة من العالم، لم تعد هذه مجرد أزمة تضخم، بل أصبحت اضطرابًا في سلاسل الإمداد يؤثر على الوقود وإنتاج الغذاء والتصنيع والنقل.

وقد كانت الولايات المتحدة أكثر عزلة حتى الآن، لكن التاريخ يشير إلى أن ذلك لا يدوم طويلًا. ومن المرجح أن تظهر تداعيات إضافية لاحقًا.

فصدمات الطاقة نادرًا ما تبقى محصورة داخل حدود واحدة، بل تنتقل عبر التجارة العالمية والتسعير وسلاسل الإمداد قبل أن تظهر بشكل أوضح داخل الاقتصادات المحلية.

وما يعيشه الأمريكيون اليوم هو المرحلة المبكرة فقط، بينما يعيش بقية العالم مراحل أكثر تقدمًا من الأزمة.

Advertisements

قد تقرأ أيضا