ابوظبي - سيف اليزيد - د. عبدالله ماجد آل علي، مدير عام الأرشيف والمكتبة الوطنية
يعكس شعار "الحق في المعرفة الرقمية" الذي اختارته دولة الإمارات للاحتفاء بيوم الطفل الإماراتي رؤيةً متقدمة تنطلق من إيمان راسخ بأن بناء المستقبل يبدأ من الطفولة. فالدولة التي تضع الطفل في قلب سياساتها التنموية إنما تؤسس لمجتمع أكثر وعياً وقدرةً على مواجهة تحديات الغد. وهذا النهج ليس جديداً على دولة الإمارات، بل هو امتداد لنهجٍ أصيل رسخه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، "طيب الله ثراه"، الذي كان يؤكد دائماً أن الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن وأساس تقدمه وازدهاره.
وقد جاءت تغريدة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، على منصة «إكس» بمناسبة يوم الطفل الإماراتي لتؤكد هذا المعنى بوضوح، حين قال سموه إن "توفير بيئة آمنة ومستقرة ومزدهرة لجميع الأطفال في الإمارات وترسيخ حب الوطن والتضحية من أجله في عقولهم ووجدانهم أولوية قصوى واستثمار مهم في مستقبل الوطن". وهي كلمات تحمل دلالات عميقة، إذ تعكس رعاية القيادة لأطفال الإمارات ووعيها بأن الاهتمام بالطفولة هو أساس بناء المستقبل، كما تؤكد في الوقت ذاته مسؤولية الدولة تجاه جميع الأطفال الذين يعيشون على أرضها.
وفي هذا السياق يأتي الدور الحيوي الذي يقوم به المجلس الأعلى للأمومة والطفولة وهيئة أبوظبي للطفولة المبكرة في ترجمة توجيهات القيادة إلى برامج ومبادرات عملية تُعنى بنمو الطفل وتطوره المعرفي والنفسي والاجتماعي. فهذه المؤسسات لا تقتصر مهمتها على الجوانب التنظيمية، بل تمثل منصات وطنية لصياغة سياسات متكاملة تضمن للطفل بيئة آمنة ومحفزة للتعلم والاكتشاف، بما يتوافق مع التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم.
ولا يمكن الحديث عن مسيرة الاهتمام بالطفولة في دولة الإمارات دون الإشادة بالدور الريادي لسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، "أم الإمارات"، التي كرّست جهودها لعقود طويلة في دعم الأسرة ورعاية الأمومة والطفولة، وأسهمت من خلال مبادراتها المتعددة في ترسيخ منظومة متكاملة لحماية الطفل وتمكينه، وتعزيز حقوقه في التعليم والرعاية والتنمية الشاملة، حتى غدت تجربة الإمارات في هذا المجال نموذجاً يُحتذى به على المستويين الإقليمي والدولي.
إن التأكيد على حق الطفل في المعرفة الرقمية يعكس فهماً عميقاً لطبيعة العصر. فالأطفال اليوم يولدون في عالم تتداخل فيه التكنولوجيا مع تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح الوصول إلى المعرفة الرقمية جزءاً من تكوينهم الثقافي والمعرفي. ومن هنا فإن تمكين الأطفال من استخدام الأدوات الرقمية بشكل آمن وواعٍ لا يمثل ترفاً تربوياً، بل ضرورة أساسية لإعداد جيل قادر على الإبداع والمشاركة الفاعلة في اقتصاد المعرفة.
وتتميز التجربة الإماراتية في هذا المجال بأنها لا تنظر إلى الطفل من زاوية ضيقة ترتبط بالجنسية أو الخلفية الاجتماعية، بل تنطلق من رؤية إنسانية شاملة تعتبر أن أطفال الإمارات هم كل الأطفال الذين يعيشون على أرضها، من مواطنين ومقيمين. وهذه الرؤية تعكس جوهر النموذج الإماراتي القائم على قيم التسامح والإنسانية والعدالة الاجتماعية، حيث يحظى جميع الأطفال بفرص متكافئة للتعلم والنمو في بيئة تحترم كرامتهم وتدعم تطلعاتهم.
لقد أدركت القيادة الإماراتية مبكراً أن الاستثمار في الطفولة هو استثمار في المستقبل. ولذلك لم تقتصر الجهود على توفير التعليم والرعاية الصحية، بل امتدت إلى بناء منظومة متكاملة تشمل الثقافة والابتكار والتكنولوجيا والرفاه النفسي. فالطفل في الإمارات ينشأ في مجتمع يؤمن بقدراته، ويهيئ له المسارات التي تمكنه من اكتشاف مواهبه وتنمية مهاراته منذ سنواته الأولى.
ومن هنا تأتي أهمية المبادرات التي تُعنى بالمعرفة الرقمية، إذ تسهم في بناء جيل يمتلك أدوات العصر دون أن يفقد ارتباطه بقيمه وهويته الوطنية. فالتكنولوجيا في الرؤية الإماراتية ليست بديلاً عن الثقافة، وإنما هي جسر يعززها ويوسع آفاقها، ويتيح للأطفال الاطلاع على العالم وهم أكثر ثقة بجذورهم وانتمائهم.
كما أن هذه المبادرات تعزز دور الأسرة والمجتمع في رعاية الطفل، إذ إن بناء وعي رقمي صحي لا يتحقق عبر المؤسسات الرسمية وحدها، بل يحتاج إلى شراكة متكاملة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع.
وفي هذا الإطار تعمل الجهات المعنية على توفير البرامج التوعوية والمواد التعليمية التي تساعد الأهل على توجيه أبنائهم في استخدام التكنولوجيا بشكل إيجابي ومسؤول.
إن الرسالة التي تحملها هذه المبادرات واضحة، وهي أن "مستقبل الإمارات يُبنى اليوم في عقول أطفالها". وكلما كان الطفل أكثر تمكيناً بالمعرفة والمهارات والقيم، كان المجتمع أكثر قدرة على الاستمرار في مسيرة التنمية والازدهار. ولذلك فإن رعاية الطفولة في الإمارات ليست مسؤولية قطاع بحد ذاته، بل هي خيار استراتيجي يعكس رؤية قيادة تؤمن بأن الإنسان هو أساس النهضة.
إن مسيرة دولة الإمارات ستتواصل في ترسيخ نموذج تنموي يجعل من الطفل محور الاهتمام، ويؤكد أن حماية حقوقه وتوسيع آفاق معرفته هو الطريق الأكيد لبناء مجتمع متماسك ومبدع.
وفي ظل قيادة صاحب السمو رئيس الدولة، تمضي الدولة بثقة نحو مستقبل يشارك في صنعه أطفال اليوم، الذين سيحملون غداً مسؤولية مواصلة قصة النجاح الإماراتية.
