هذا المسار المالي، الذي يعمل بهدوء خلف واجهات تجارية براقة، حوّل الذهب من ثروة وطنية كان يُفترض أن تدعم الاستقرار والتنمية في السودان إلى وقودٍ وحيد يطيل أمد القتال ويعمّق واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية عالميًا. وبين غياب الرقابة الصارمة وتراخي المساءلة الدولية، يطرح سؤال مشروع: إلى أي مدى يمكن للأسواق العالمية أن تظل بعيدة عن مسؤولية الدم الذي يُسفك في الخرطوم ودارفور؟
الشريك القاتل
تشير بيانات البنك المركزي السوداني وتقارير منظمات دولية، من بينها منظمة سويس أيد (SWISSAID)، إلى أن أبوظبي استحوذت على نحو 90% من صادرات الذهب السودانية خلال النصف الأول من عام 2025، بقيمة تجاوزت 1.97 مليار دولار.
ويرى خبراء اقتصاد موارد، أن هذه الأرقام لا تعكس سوى الجزء الظاهر من التجارة، إذ تُقدَّر الكميات المُهرّبة عبر الحدود البرية والجوية، خصوصًا من دارفور وكردفان، بكميات تفوق الصادرات المُعلنة. وتؤكد «سويس أيد» أن واردات أبوظبي من الذهب السوداني قفزت بنسبة 70% خلال عام 2024 لتصل إلى نحو 29 طنًا، ما عزز موقع دبي كمركز عالمي رئيسي لتجميع وتدوير الذهب القادم من مناطق النزاع في إفريقيا.
شركات أبوظبي العابرة للحدود
لا تقتصر العلاقة على التهريب والتصدير المباشر للذهب السوداني لأسواق أبوظبي، بل تمتد إلى شبكة معقدة من شركات الواجهة المسجّلة في الإمارات، يرتبط بها أو يديرها قادة في قوات الدعم السريع.
ووفقًا لتقرير منظمة ذا سنتري (The Sentry)، فإن هذه الشركات تعمل في قطاعات المجوهرات، والتصميم الداخلي، وإدارة الاستثمارات، وتُستخدم كقنوات لغسل عائدات الذهب السوداني وتحويلها إلى عملات صعبة. هذه البنية المالية المتشابكة مكّنت ميليشيا الدعم السريع من الالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على أفرادها، وتأمين تدفقات مالية مستقرة تُنفق على شراء المسيّرات والأسلحة النوعية، بما عزز قدرتها على الاستمرار العسكري وإطالة الصراع في السودان رغم الضغوط السياسية والدبلوماسية.
حرب موارد لا حرب سياسة
يرى محللون في مركز تشاتام هاوس (Chatham House) أن السيطرة على مناجم الذهب وخاصة في دارفور غيّرت طبيعة الصراع جذريًا، محوّلة إياه من نزاع سياسي على السلطة إلى «حرب موارد» بامتياز.
فالتدفق المستمر للسبائك نحو أسواق أبوظبي يوفر لقوات الدعم السريع سيولة نقدية فورية تُستخدم لدفع رواتب المقاتلين، وتجنيد مرتزقة من دول الجوار مثل كولومبيا، وتأمين الإمدادات العسكرية. وبذلك لم يعد الذهب موردًا اقتصاديًا فحسب، بل أداة إستراتيجية لإطالة أمد الحرب وعرقلة أي مسار تسوية سياسية قد يهدد السيطرة على مناطق التعدين.
مسؤولية دولية
من منظور القانون الدولي، لا يمكن اعتبار هذه التدفقات مسألة تجارية محايدة. فمبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان (UNGPs)، ومعايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الخاصة بسلاسل توريد المعادن من مناطق النزاع، تُلزم مراكز التجارة العالمية بفرض العناية الواجبة المعززة عند استيراد الذهب من بيئات نزاع.
غير أن تقارير أممية ومنظمات رقابية دولية تشير إلى أن هذه الالتزامات لم تُطبّق بفعالية في حالة تهريب وتصدير الذهب السوداني إلى أسواق أبوظبي، ما أتاح لقوات الدعم السريع الاستفادة من فراغ تنظيمي خطير، حوّل الأسواق الإماراتية إلى شريك مباشر في تمويل الصراع.
تحايل على حظر السلاح
رغم أن قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالسودان تركز على حظر توريد الأسلحة، يؤكد خبراء قانون دولي أن السماح بتدفّق عائدات الذهب دون رقابة فعّالة يُشكّل تحايلًا عمليًا على الحظر. فتمويل شراء السلاح، من الناحية القانونية، يُعد جزءًا لا يتجزأ من عملية التسليح نفسها.
وفي هذا السياق، حذّر فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان من أن الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الذهب المهرب والمصدر إلى أسواق أبوظبي، باتت أحد أبرز مصادر تمويل العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع، ما يفرغ قرارات الحظر من مضمونها ويُبقي الحرب دائرة بأدوات مالية بديلة.
أسواق ذهب الدم
على الرغم من الضغوط الدولية المتزايدة، لا تزال أسواق الذهب في أبوظبي ودبي، وفق تقارير حقوقية وصحفية دولية، تفتقر إلى آليات صارمة وشفافة للتحقق من مصدر المعدن النفيس. هذا القصور التنظيمي يسمح بخلط «ذهب النزاعات» بالذهب القانوني، ثم إعادة تصديره إلى الأسواق العالمية على أنه منتج نظيف.
ويرى خبراء أن هذا الواقع يضع الإمارات تحت المجهر، حيث تتحول كل سبيكة غير مُدقّقة إلى حلقة محتملة في سلسلة تمويل العنف داخل السودان.
الثمن الإنساني
القانون الدولي الإنساني يربط بشكل مباشر بين مصادر تمويل النزاعات واستمرار الانتهاكات ضد المدنيين. ومع توصيف الأمم المتحدة للوضع في السودان بأنه أسوأ أزمة إنسانية عالميًا يصبح غضّ الطرف عن ممرات تمويل الحرب، وفي مقدمتها تجارة أبوظبي بالذهب السوداني، عاملًا مباشرًا في إطالة القتل والنزوح والجوع.
وبحسب تقديرات أممية، فإن كل شهر إضافي من تدفق التمويل يعني آلاف الضحايا الجدد وموجات نزوح أوسع، ما يجعل معالجة البعد الاقتصادي للحرب ضرورة إنسانية قبل أن تكون سياسية.
شبكات تمويل الحرب العابرة للحدود
لم يعد الصراع في السودان شأنًا داخليًا معزولًا عن محيطه الإقليمي والدولي، فشبكات تمويل الحرب العابرة للحدود، التي تمر عبر أسواق الذهب في أبوظبي ودبي، جعلت من النزاع قضية دولية بامتياز. إن الاكتفاء بالإدانات السياسية أو المساعدات الإنسانية، دون كسر البنية المالية التي تغذي العنف، يعني عمليًا القبول باستمرار الحرب بصيغتها الحالية.
المجتمع الدولي يقف اليوم أمام اختبار حقيقي لإرادته؛ فإما الانتقال من مرحلة الرصد والتقارير إلى فرض رقابة صارمة وملزمة على تجارة الذهب القادمة من مناطق النزاع، وتفعيل آليات العناية الواجبة والعقوبات الثانوية، أو ترك اقتصاد الحرب يواصل عمله بهدوء خلف واجهات تجارية أنيقة.
وفي ظل هذا التراخي، يتحول كل تأخير في ضبط «ممرات الذهب إلى أبوظبي» إلى رصاصة إضافية في جسد السودان، وكل سبيكة غير مُدقّقة إلى إطالة جديدة لمعاناة ملايين المدنيين.
إن إنهاء الحرب لا يمر فقط عبر طاولات التفاوض، بل يبدأ من تجفيف منابع التمويل. ودون مواجهة صريحة لمسؤولية أسواق أبوظبي في تغذية الصراع، سيبقى السلام في السودان مؤجلًا، بينما تستمر الأرباح في التدفق من ذهبٍ ملوّث بالدماء.
كانت هذه تفاصيل خبر سبائك الدم.. كيف تمول أسواق أبوظبي ميليشيات الدعم السريع لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على الوطن أون لاين وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
