اخبار العالم / أخبار السودان اليوم

العدل وإن تأخر لا يموت

العدل وإن تأخر لا يموت

ليس كل ظلم يُوثَّق في الأوراق، ولا كل مظلوم يستطيع أن يرفع صوته مطالبًا بحقه. فهناك أنواع من الظلم لا تراها العيون، لكنها تعيش في أعماق النفوس، تُثقل القلب، وتسرق الطمأنينة، وتترك ندوبًا لا يمحوها الزمن بسهولة. والظلم، في جوهره، ليس مجرد حرمان إنسان من حقه، بل هو اعتداء على كرامته، وإهانة لإنسانيته، وكسر لثقته بمن حوله.

منذ أن عرف الإنسان الحياة، وهو يبحث عن العدل، لأنه يدرك بفطرته أن العدالة تمنح الأمان، وأن الإنصاف يزرع الطمأنينة في القلوب. فالإنسان يستطيع أن يتحمل مشقة العمل، وقسوة الظروف، وضيق المعيشة، لكنه يصعب عليه أن يتحمل شعورًا بأنه عومل بغير حق، أو اتُّهم بما لم يفعل، أو أُهملت جهوده، أو ضاعت حقوقه دون سبب.

وللظلم وجوه كثيرة، بعضها واضح، وبعضها يختبئ خلف كلمات عابرة أو مواقف يظن أصحابها أنها لا تستحق الاهتمام. فقد يكون الظلم كلمة قاسية تُقال في لحظة غضب، أو حكمًا متسرعًا يصدر دون معرفة الحقيقة، أو تفضيلًا غير مبرر بين الأبناء، أو تجاهلًا لإنسان يستحق التقدير. وقد يكون حرمان شخص من فرصة عمل لأنه لا يملك من يدعمه، أو نسبة نجاحه إلى غيره، أو التقليل من جهوده حتى يفقد ثقته بنفسه.

وفي الأسرة، يبدأ العدل من أبسط التفاصيل. فالطفل الذي يشعر بأن أخاه يُعامل معاملة أفضل قد يحمل في قلبه ألمًا يكبر معه عامًا بعد عام. والكلمة التي تُقال بقصد المقارنة قد تترك أثرًا لا يمحوه الاعتذار بسهولة. فالعدل بين الأبناء ليس في توفير الطعام والملبس فقط، بل في الاهتمام، والحنان، والإنصاف، والاحتواء.

وفي المدارس، قد يكون الظلم سببًا في ضياع موهبة أو قتل حلم. كم من طالب اجتهد ولم يجد من يشجعه، أو تعرّض لسوء فهم جعله يكره الدراسة، أو حُكم عليه من خلال خطأ واحد، بينما كانت بداخله قدرات كبيرة تنتظر من يكتشفها. فالمعلم العادل لا يغيّر درجات الطلاب فحسب، بل يغيّر مستقبلهم أيضًا.

أما في بيئات العمل، فإن الظلم يأخذ أشكالًا مختلفة؛ حين يُكرَّم من لم يتعب، ويُنسى من بذل الجهد، أو حين تُوزَّع الفرص وفق العلاقات لا وفق الكفاءة، أو عندما يُطالَب الموظف بالإخلاص بينما لا يجد تقديرًا لما يقدمه. ومثل هذا الظلم لا يقتل الحماس فقط، بل يقتل الإبداع، لأن الإنسان إذا شعر أن جهده لا قيمة له، فقد رغبته في العطاء.

ومن أشد أنواع الظلم قسوةً، ظلم الإنسان لنفسه. يحدث ذلك عندما يسمح لليأس أن يهزمه، أو يستهين بقدراته، أو يعيش أسيرًا للماضي، أو يحمّل نفسه ذنبًا لم يرتكبه. فالإنسان يحتاج إلى أن يكون منصفًا مع نفسه كما يكون منصفًا مع الآخرين، وأن يمنحها فرصة للبدء من جديد، وألا يجعل أخطاء الأمس سجنًا دائمًا لأيامه القادمة.

ولعل أكثر ما يؤلم في الظلم أن المظلوم غالبًا لا يبحث عن الانتقام، بل يبحث عن كلمة واحدة تعيد إليه شعوره بالكرامة: “لقد أُخطئ في حقك.” فالاعتراف بالخطأ فضيلة، والاعتذار الصادق لا يُنقص من قيمة صاحبه، بل يرفعه في أعين الناس. وما أجمل أن يراجع الإنسان نفسه قبل أن يراجع الآخرين، وأن يسأل: هل جرحت أحدًا؟ هل ظلمت إنسانًا دون قصد؟ هل أصدرت حكمًا قبل أن أعرف الحقيقة؟

إن كثيرًا من المآسي كان يمكن تجنبها لو منح الناس بعضهم بعضًا فرصة للكلام، ولو استمعوا بقلوبهم قبل آذانهم، ولو أدركوا أن الحقيقة لا تُبنى على الظنون، وأن العدل يحتاج إلى صبر وحكمة، لا إلى تسرع وانفعال.

وقد أثبتت التجارب أن الظلم لا يقف عند حدود المظلوم، بل يمتد أثره إلى كل من حوله. فالبيت الذي يسوده الظلم يفقد دفئه، والعمل الذي يغيب عنه الإنصاف يفقد نجاحه، والعلاقات التي تُبنى على التحيز لا تدوم. أما العدل، فهو الذي يمنح الحياة توازنها، ويجعل الإنسان يشعر بالأمان حتى في أصعب الظروف.

ولا يعني العدل أن يكون الجميع متساوين في كل شيء، وإنما أن يأخذ كل إنسان حقه دون انتقاص، وأن يُقاس الناس بأعمالهم وأخلاقهم، لا بأسمائهم أو مكانتهم أو ظروفهم. فالعدل قيمة تبدأ من الضمير قبل أن تكون قانونًا، ومن الأخلاق قبل أن تكون واجبًا.

كم من إنسان عاش سنوات وهو يحمل في قلبه أثر موقف ظالم لم ينسه، وكم من كلمة عادلة غيّرت حياة شخص ومنحته الأمل من جديد. لذلك، فإن مسؤولية كل واحد منا أن يكون مصدر عدل ورحمة، لا سببًا في ألم الآخرين. فالكلمة الطيبة صدقة، والإنصاف عبادة، واحترام حقوق الناس خلق عظيم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة.

وفي النهاية، قد يستطيع الظالم أن يخفي ظلمه عن الناس، لكنه لا يستطيع أن يخفيه عن ضميره، ولا عن ميزان العدل الذي لا يختل. أما المظلوم، فقد يطول صبره، لكنه يبقى متمسكًا بالأمل بأن الحق لا يضيع، وأن الأيام تدور، وأن العدل، وإن تأخر، لا يموت.

فلنجعل من العدل منهجًا في بيوتنا، ومدارسنا، وأعمالنا، وعلاقاتنا، ولنتذكر دائمًا أن أعظم قوة يملكها الإنسان ليست في قدرته على الانتصار لنفسه، بل في قدرته على ألا يظلم أحدًا، مهما امتلك من سلطة أو نفوذ أو قدرة. فالحياة أقصر من أن نقضيها في إيذاء الآخرين، وأجمل من أن نترك خلفنا قلوبًا مكسورة بسبب كلمة أو موقف أو قرار لم يكن فيه شيء من الإنصاف.

د. أماني الصقور – الشرق القطرية

كانت هذه تفاصيل خبر العدل وإن تأخر لا يموت لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على كوش نيوز وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

Advertisements

قد تقرأ أيضا