اخبار العالم / اخبار اليابان

اليابان | بعد سنوات من صدوره.. لماذا لا يزال «بابريكا» حيًا في ذاكرة السينما؟

  • اليابان | بعد سنوات من صدوره.. لماذا لا يزال «بابريكا» حيًا في ذاكرة السينما؟ 1/6
  • اليابان | بعد سنوات من صدوره.. لماذا لا يزال «بابريكا» حيًا في ذاكرة السينما؟ 2/6
  • اليابان | بعد سنوات من صدوره.. لماذا لا يزال «بابريكا» حيًا في ذاكرة السينما؟ 3/6
  • اليابان | بعد سنوات من صدوره.. لماذا لا يزال «بابريكا» حيًا في ذاكرة السينما؟ 4/6
  • اليابان | بعد سنوات من صدوره.. لماذا لا يزال «بابريكا» حيًا في ذاكرة السينما؟ 5/6
  • اليابان | بعد سنوات من صدوره.. لماذا لا يزال «بابريكا» حيًا في ذاكرة السينما؟ 6/6

رغم رحيله المبكر عام 2010 عن عمر ناهز 46 عامًا، لا يزال المخرج الياباني كون ساتوشي يُعد أحد أكثر صناع الأنيمي تأثيرًا في العالم. وبمناسبة مرور 20 عامًا على صدور فيلمه الأخير «بابريكا»، نعود إلى عمل يجسد أبرز القضايا التي شغلت فكره، وفي مقدمتها انقسام الذات، وتلاشي الحدود الفاصلة بين الأحلام والواقع، بأسلوب بصري وفلسفي ترك بصمة عميقة في تاريخ السينما اليابانية.

تحليل الأحلام

بعد أن بدأ مسيرته رساما لقصص المانغا عام 1985، صقل كون ساتوشي مهاراته ضمن فرق إنتاج الأنيمي التي أشرف عليها أوشي مامورو وأوتومو كاتسوهيرو، ثم سجل أول تجربة له في إخراج فيلم روائي طويل من خلال فيلم ”بيرفكت بلو“، الذي عرض في اليابان عام 1998. أما فيلمه الروائي الطويل الرابع، ”بابريكا“ الصادر عام 2006، فهو اقتباس عن الرواية التي تحمل الاسم نفسه للكاتب تسوتسوي ياسوتاكا. وكان كون قد عبّر عن إعجابه بهذه الرواية على الملأ، ويقال إنه كان يطمح منذ أعماله السابقة في الأنيمي إلى تقديم ”شيء يشبه رواية بابريكا“. وبالفعل، فإن اقتباس كون لرواية ”بابريكا“ يشترك في كثير من العناصر مع أعماله السابقة.

كون ساتوشي في مدينة البندقية في سبتمبر/أيلول عام 2006، عندما كان فيلم ”بابريكا“ مشاركا في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي الدولي. (© رويترز)
كون ساتوشي في مدينة البندقية في سبتمبر/أيلول عام 2006، عندما كان فيلم ”بابريكا“ مشاركا في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي الدولي. (© رويترز)

درس تسوتسوي علم النفس في الجامعة، وتظهر بصورة متكررة في رواياته موضوعات وأفكار مستمدة من التحليل النفسي لدى فرويد ويونغ. ويؤدي تحليل الأحلام دورا محوريا في قصة ”بابريكا“. وفي التحليل النفسي، يُعتقد أن المواد النفسية المكبوتة تنتقل إلى اللاوعي قبل أن تعود إلى الظهور في الأحلام بصيغة مختلفة. ولهذا ينظر إلى تحليل الأحلام بوصفه وسيلة قيمة لمعالجة المشكلات النفسية، عبر إخراج ما هو مكبوت.

تدور أحداث ”بابريكا“ في يابان تنتمي إلى مستقبل قريب، حيث أصبح من الممكن مراقبة أحلام الآخرين عبر شاشة. والشخصية الرئيسية هي معالجة نفسية تدعى تشيبا أتسوكو، تقدم العلاج من خلال شخصيتها الأخرى ”بابريكا“، وهي محققة متخصصة في عالم الأحلام. غير أن هذه التقنية يساء استخدامها، ما يجبر الناس على اختبار كوابيس، قبل أن تفيض تلك الكوابيس في نهاية المطاف إلى العالم الواقعي.

ورغم أن كون يلتزم بالخطوط العريضة للرواية الأصلية، فإن اقتباسه يتضمن العديد من التغييرات. وأبرز هذه التغييرات هو الموكب الفوضوي الذي يضم أجهزة إلكترونية وتماثيل القطط الجالبة للحظ (مانيكي نيكو) وتماثيل بوذية وبوابات توري وأشياء أخرى. ويجسد هذا الموكب الكوابيس التي خرجت عن السيطرة، إلا أن الرواية الأصلية لتسوتسوي لا تتضمن أي مشهد مماثل. وقد أوضح كون أن هذا الموكب يتألف من أجهزة منزلية قديمة، إلى جانب عناصر دينية وتقليدية طواها النسيان.

في مقالة ”الغرابة المألوفة“ لفرويد، يصف الكاتب المفهوم الوارد في العنوان بأنه شيء مألوف أصبح غريبا نتيجة الكبت. وفي الفيلم، أصبحت العناصر المشاركة في الموكب غريبة عن الوعي لدى الناس في العصر الحالي، لكنها تعود إلى الظهور من جديد، لتجسد الطبيعة الغريبة للكوابيس.

الموكب الذي يغزو أحلام المرضى (© 2006 مادهاوس/سوني بيكتشرز إنترتينمنت اليابان المحدودة).
الموكب الذي يغزو أحلام المرضى (© 2006 مادهاوس/سوني بيكتشرز إنترتينمنت اليابان المحدودة).

دمج الذات

إلى جانب العناصر المستمدة من أفكار فرويد، يكشف فيلم كون ”بابريكا“ أيضا عن تأثير واضح لأفكار يونغ. فقد كان كارل يونغ يرى أن أفضل نهج لا يتمثل في إخضاع الجوانب المكبوتة من النفس للسيطرة، بل في دمجها داخل الذات. ويمكن ملاحظة عملية الدمج هذه في عدد من شخصيات الفيلم.

وأثناء بحث كوناكاوا، وهو أحد الشخصيات التي تعاني من القلق، داخل أحلامه برفقة بابريكا، يدرك أن الشخص الغامض الذي يلتقيه مرارا هو صديق قديم كان يتشارك معه في الماضي حلم أن يصبح مخرجا سينمائيا. ويظهر هذا الصديق، الذي توفي بسبب المرض، في أحلام كوناكاوا بوصفه ذاته الأخرى، أي ذلك الجانب منه الذي كان يطمح إلى أن يصبح مخرجا. ويتمكن كوناكاوا من التغلب على قلقه عندما يعترف بذاته المكبوتة والمنسية، التي يجسدها صديقه القديم، ويتصالح معها.

ويشبه الانقسام والصراع القائم بين تشيبا أتسوكو وشخصيتها الأخرى بابريكا ما يظهر بين كوناكاوا وصديقه القديم. ففي الرواية الأصلية، لم تكن بابريكا سوى تشيبا متنكرة في هيئة محققة للأحلام، أما في نسخة كون من الأنيمي فتبدوان وكأنهما شخصيتان مختلفتان تماما. وفي المشهد الختامي، عندما تبدأ الأحلام في التدفق إلى العالم الواقعي، تنفصل الشخصيتان انفصالا كاملا، وتوجدان في الوقت نفسه داخل المكان ذاته. وبعد هذا الانفصال، تعود تشيبا لتتحد مؤقتا مع بابريكا المنطلقة، عندما تكف عن كبح مشاعر الحب التي كانت تحملها تجاه زميلها توكيتا كوساكو.

تشيبا أتسوكو مع ذاتها المنقسمة بابريكا المنعكسة على الزجاج. (© 2006 مادهاوس/سوني بيكتشرز إنترتينمنت اليابان المحدودة)
تشيبا أتسوكو مع ذاتها المنقسمة بابريكا المنعكسة على الزجاج. (© 2006 مادهاوس/سوني بيكتشرز إنترتينمنت اليابان المحدودة)

في حين أن تشيبا لا تنفصل عن بابريكا في رواية تسوتسوي، كما أن صديق كوناكاوا القديم لا يمثل ذاتا أخرى. ولهذا يمكن النظر إلى فكرة الذات المنقسمة، التي أضافها كون خلال عملية الاقتباس، على أنها إحدى الموضوعات المستوحاة من فكر يونغ.

وقد حظيت كتب الراحل كاواي هاياو، الذي اشتهر بوصفه خبيرا في علم النفس اليونغي، بانتشار واسع في اليابان خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وكان كون من بين قرائه. ويقال إنه أصبح لفترة قارئا نهما لأعمال عالم النفس هذا، لأنه أراد فهم موسيقى وكلمات أغاني هيراساوا سوسومو، المغني السابق لفرقة التكنو بوب ”بي-موديل“، الذي تأثر بأفكار كاواي. وفي وقت لاحق، وضع هيراساوا الموسيقى التصويرية لعدد من أعمال كون في الأنيمي، ومنها ”بابريكا“.

كما صرح كون بأنه تأثر أيضا بروايات موراكامي هاروكي، الذي نشأت بينه وبين كاواي علاقة ودية من خلال المقابلات واللقاءات المختلفة. ويقال إن كون كان يؤكد أنه الشخص الوحيد القادر على تحويل روايتي ”مطاردة الخروف البري“ و ”وقائع طائر الزنبرك“ إلى أعمال أنيمي.

موضوعات كون

يمكن النظر إلى أنيمي ”بابريكا“ بوصفه مرحلة متأخرة من موجة انتشار علم النفس اليونغي في اليابان بقيادة كاواي، كما يمكن اعتباره تتويجا للموضوعات التي تميز أعمال كون. فعلى سبيل المثال، تتكرر الجوانب التالية بصورة لافتة في أعماله.

أولا، هناك تصوير الذات الأخرى. ومن أمثلة ذلك تشيبا وبابريكا في ”بابريكا“، وتشييوكو والعجوز التي تظهر في اللحظات الحاسمة وترمز إلى ذات تشييوكو المستقبلية في ”الممثلة الألفية“ (2002)، وكذلك ميما، مغنية البوب التي أصبحت ممثلة، والطيف الذي يجسد شخصيتها السابقة بوصفها نجمة بوب في ”بيرفكت بلو“.

ثانيا، هناك الخروج عن الأنماط التقليدية للعلاقات بين الجنسين. ففي ”بابريكا“، تعلن الشخصية الرئيسة زواج توكيتا وتشيبا، إلا أن ذلك يحافظ في الوقت نفسه على وجود ”محققة الأحلام“ ذات الروح الحرة، ما يجعل نهاية الفيلم تنحرف بشكل طفيف عن النهاية التقليدية المغلقة التي تتمثل في الزواج بين الرجل والمرأة. أما نهاية ”الممثلة الألفية“، فتشير إلى أن رحلة تشييوكو الطويلة في البحث عن الفنان الذي التقت به في شبابها كانت هي الغاية في حد ذاتها، لا إقامة علاقة عاطفية معه. وفي ”آباء طوكيو الروحيون“ (2003)، وإلى جانب التصوير الكاريكاتيري لإحدى الشخصيات المتحولة جنسيا، يعرض الفيلم أيضا معاناة الأزواج من جنسين مختلفين وأسرهم.

أما الجانب الثالث، فيتمثل في الكيفية التي تؤدي بها وسائل الإعلام والتكنولوجيا إلى طمس الحدود الفاصلة بين الواقع والعالم الخيالي. ففي ”بابريكا“، يؤدي جهاز ”دي سي ميني“ إلى محو الحدود بين الواقع والأحلام التي يستخدم لمشاهدتها، بينما تظهر شبيهة لميما في ”بيرفكت بلو“ داخل المرايا وشاشات الحاسوب ومتصفحات الإنترنت. وفي ”الممثلة الألفية“، تتداخل الأدوار التمثيلية التي تؤديها تشييوكو مع حياتها الواقعية. أما في مسلسل الأنيمي ”بارانويا إيجنت“ (2004) للمخرج كون، فتتحول الشائعات إلى واقع بفعل وسائل الإعلام الجماهيرية والشخصيات نفسها، التي تعد في حد ذاتها نوعا من السلع الإعلامية.

خلال أحد مشاهد ”بابريكا“، عندما يذهب كوناكاوا إلى دار السينما، تظهر ملصقات لأفلام كون الأخرى معروضة في المكان. وتظهر في هذه اللقطة ملصقي فيلمي ”الممثلة الألفية“ و ”بيرفكت بلو“ (© 2006 مادهاوس/سوني بيكتشرز إنترتينمنت اليابان المحدودة).
خلال أحد مشاهد ”بابريكا“، عندما يذهب كوناكاوا إلى دار السينما، تظهر ملصقات لأفلام كون الأخرى معروضة في المكان. وتظهر في هذه اللقطة ملصقي فيلمي ”الممثلة الألفية“ و ”بيرفكت بلو“. (© 2006 مادهاوس/سوني بيكتشرز إنترتينمنت اليابان المحدودة).

مغامرة روبوتات؟

على الرغم من أن الموضوعات المتكررة تظهر بوضوح في أعمال كون، فإن فيلم ”آلة الأحلام“، الذي ظل غير مكتمل بسبب وفاته المفاجئة إثر إصابته بالسرطان، يكشف عن مؤشرات توحي بتحول كبير في مساره. وفي مرحلة ما، تم الإعلان أن مخرجا آخر سيتولى إكمال الفيلم، إلا أن المنتج تراجع لاحقا عن هذا الإعلان، مؤكدا أنه لا يوجد مخرج قادر على تجسيد الرؤية التي أرادها كون.

واستنادا إلى المواد المتبقية، يبدو أن الفيلم كان سيتجه ليكون قصة مغامرة وحركة تدور حول روبوتات تسعى إلى جمع الكهرباء الثمينة في عالم ينتمي إلى مستقبل قريب، بعد انقراض البشر. وكانت أحداث ”بابريكا“ أيضا تدور في مستقبل قريب، إلا أن ”آلة الأحلام“ يتضمن مشاهد حضرية ذات طابع مستقبلي أكثر وضوحا. كما أن شخصياته الرئيسة هي روبوتات صغيرة ذات تصميم كرتوني، على خلاف الشخصيات البشرية طويلة القامة نسبيا التي ظهرت في أفلام كون الأخرى. ومع أن الفيلم بدا متجها نحو تقديم تجربة مختلفة من حيث المضمون والأسلوب البصري، يبقى السؤال: هل كان سيصبح بالفعل مجرد فيلم مغامرة تقليدي يخلو من أي مفاجآت؟

وقد ذكر كون أن من بين أبرز من أثروا فيه رسام المانغا موروهوشي دايجيرو. ففي عمل قصير نشره موروهوشي عام 1974 ويحمل أيضا عنوان ”آلة الأحلام (يومي ميرو كيكاي)“، تعيش الروبوتات حياتها اليومية نيابة عن البشر، الذين يواصلون الحلم وهم في حالة سبات عميق. كما تناولت مانغا كون غير المنشورة ”توريكو“، التي أنجزها عام 1984، فكرة مشابهة. فهل يمكن أن يكون مجرد مصادفة أن يحمل عمله غير المكتمل العنوان نفسه الذي حملته مانغا موروهوشي؟

وربما كان كون يخطط في ”آلة الأحلام“، خلف ما يبدو على السطح مجرد مغامرة روبوتات مليئة بالحركة، لتصوير عالم يعيش فيه البشر مجمدين بالتبريد العميق وهم غارقون في الأحلام. أو ربما كان ينوي أن تكون الروبوتات خاضعة لسيطرة البشر، سواء على نحو واع أو غير واع. ولا يعدو هذا كونه مجرد تخمين، لكن يصعب عليّ تجاهل احتمال أن كون كان ينوي مواصلة استكشاف موضوعه المفضل، المتمثل في الكيفية التي تجعل بها التكنولوجيا الحدود الفاصلة بين الأحلام –أو الخيال– والواقع أكثر ضبابية.

وقد يرى بعضهم أنه من العبث تخيل الأعمال التي كان من الممكن أن ينجزها كون، إلا أن هذا الخيال نفسه يسهم في إبقاء رؤيته حية وممتدة. ويمكن العثور على تأثيره المباشر وغير المباشر في أفلام مثل ”مرثية لحلم“ (2000) للمخرج دارين أرونوفسكي، و ”البجعة السوداء“ (2010)، و ”استهلال“ (2010) للمخرج كريستوفر نولان، و ”الليلة الأخيرة في سوهو“ (2021) للمخرج إدغار رايت. ورغم أننا لن نشاهد فيلما جديدا لكون ساتوشي، فإن رؤيته لا تزال حية.

(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية بتاريخ 10 يوليو/تموز عام 2026. الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان الرئيسي من فيلم ”بابريكا“، © 2006 مادهاوس/سوني بيكتشرز إنترتينمنت اليابان المحدودة)

كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | بعد سنوات من صدوره.. لماذا لا يزال «بابريكا» حيًا في ذاكرة السينما؟ لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

Advertisements

قد تقرأ أيضا