اخبار العالم / اخبار اليابان

اليابان | التصعيد بين طوكيو وبكين (الجزء الثاني): هل حان وقت تحديث الغموض الاستراتيجي؟

اليابان | التصعيد بين طوكيو وبكين (الجزء الثاني): هل حان وقت تحديث الغموض الاستراتيجي؟

يواصل جيمبو كين تحليله لفجوة الإدراك الكامنة وراء أحدث تصعيد للتوترات بين اليابان والصين، ويؤكد على ضرورة تحسين سياسة الغموض اليابانية وربطها بحوار مثمر.

الفجوة بين المنظورين الياباني والصيني

أثارت رئيسة الوزراء اليابانية، تاكايتشي ساناي، استنكارًا شديدًا من بكين في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عندما أشارت خلال جلسة استجواب في البرلمان إلى أن الحكومة اليابانية قد تنظر إلى أزمة مضيق تايوان على أنها تهديد لبقاء اليابان. ووصف مسؤول في وزارة الخارجية الصينية تصريح رئيسة الوزراء بأنه تدخل ”صارخ“ في قضية داخلية تقع ”في صميم مصالح الصين الجوهرية“.

قد يميل البعض إلى تجاهل ردود الفعل الغاضبة باعتبارها مجرد نوبة غضب عابرة أو مسرحية سياسية موجهة للاستهلاك المحلي. إلا أن هذا الجدل، في جوهره، يعكس فجوة معرفية عميقة بين تصور اليابان لبيئتها الأمنية وتصور بكين للعلاقات اليابانية الصينية، وهي فجوة اتسعت إلى درجة لم يعد بالإمكان إخفاؤها خلف اللغة الدبلوماسية التي تحمل أكثر من معنى.

من منظور طوكيو، يُوفّر مفهوم «الوضع الذي يهدد البقاء»، المدرج ضمن قوانين الأمن اليابانية، مجموعة من المعايير العامة لاتخاذ القرارات الداخلية فيما يتعلق بعمليات تحالف اليابان والولايات المتحدة. وبالنسبة لأولئك المشاركين في هذه العمليات على المستوى العملي، كان من الواضح منذ فترة طويلة، في ضوء المشهد الجيوسياسي والعسكري، أن أزمة في مضيق تايوان قد تُقوّض عمليات القوات الأمريكية في اليابان وأمن المياه الإقليمية والمجال الجوي الياباني. ومن هذا المنظور، يصعب فهم سبب اعتبار أي تصريح يساوي أزمة تايوان الافتراضية بوضع يهدد البقاء، بحد ذاته، انحرافًا كبيرًا عن سياسة اليابان الراسخة تجاه الصين أو رفضًا للاتفاقيات الدبلوماسية السابقة.

بالطبع، يختلف منظور بكين للمسألة اختلافًا جوهريًا. فبحسب بكين، ترتبط قضية تايوان ارتباطًا وثيقًا بـ”مصالح الصين الأساسية“ المتمثلة في السيادة والأراضي والوحدة. وبالتالي، فإن مجرد التلميح إلى أي تدخل أو مشاركة أجنبية يحمل تداعيات سياسية وأيديولوجية واستراتيجية تتجاوز بكثير أي عواقب عملية.

لا يهم كثيرًا أن التصريح قُدّم بغرض توضيح مفهوم قانوني ياباني راسخ. ففي اللحظة التي ذُكر فيها هذا المفهوم بالاقتران مع تايوان، كان من الممكن اعتباره إعادة تعريف لموقف اليابان تجاه الصين، أو إنكارًا للإطار الأساسي للعلاقات اليابانية-الصينية كما تحدده الوثائق السياسية التي تعود لعقود. والمسألة هنا ليست مدى توافق تصريح تاكايتشي مع القانون الياباني، بل مدى تعارضه مع السردية المحورية لسيادة الصين.

العيش في الماضي

لقد تفاقمت فجوة الإدراك بين اليابان والصين بسبب مضمون وأسلوب الوثائق السياسية التي حدّدت العلاقات اليابانية-الصينية خلال نصف القرن الماضي تقريبًا. فمنذ البيان المشترك الصادر عام 1972 عن حكومتي اليابان وجمهورية الصين الشعبية، ارتكزت العلاقة الثنائية على لغة تتجنب عمدًا أي حسم لوضع تايوان السياسي. وقد سهّلت البيانات المشتركة والمذكرات الصادرة عن الحكومتين على مر السنين التعايش السياسي، ليس من خلال تعميق الفهم المتبادل، بل من خلال استخدام لغة تتغاضى عن الاختلافات عبر نقل رسالة إلى جانب، ورسالة أخرى مختلفة إلى الجانب الآخر. بعبارة أخرى، تم الحفاظ على استقرار العلاقة الثنائية ليس من خلال شرح مواقف كل طرف للآخر، بل من خلال تجنّب الخوض في مثل هذه التوضيحات.

خلال هذه الفترة، عززت اليابان قدراتها الدفاعية ضمن إطار تحالف اليابان-الولايات المتحدة، مستندة إلى فرضيات عدة تتعلق بسيناريوهات واقعية، بما في ذلك، وقوع حالة طارئة في مضيق تايوان. ومع ذلك، فإن اللغة التي تستخدمها لتوضيح موقفها للآخرين لا تزال تعتمد على مفردات الوثائق الدبلوماسية التي أُعدّت في السبعينيات. وبينما تطورت الأوضاع الداخلية، بقيت الواجهة الخارجية شبه ثابتة، ونتيجة لذلك، توسّعت الأجزاء غير المفسرة من سياسة الأمن اليابانية عامًا بعد عام. وعلى الجانب الصيني، فقد تصاعد الخطاب السياسي المحيط بتايوان بشكل مستمر. واليوم، مع تعريف قضية تايوان على أنها مسألة «في صميم المصالح الجوهرية للصين»، يُنظر إلى أي مؤشر على تدخل دولة أخرى على أنه اعتداء على سيادة الصين. ونتيجة لهذين الاتجاهين، اقتربت فجوة الإدراك بين البلدين من نقطة حرجة.

شبح الحروب الماضية

وسيلة أخرى تزيد من اتساع فجوة الإدراك هي الخطاب التاريخي، الذي تميل بكين بشكل متزايد إلى استخدامه لأغراض سياسية. نادرًا ما يقتصر انتقاد الصين لليابان على جوهر السياسات الفردية. بدلاً من ذلك، تقوم الصين بصياغة مظالمها في سياق قضايا تاريخية أكبر، مثل العسكرة. وأي ذكر لتايوان يستدعي فورًا خطابًا حول «المصالح الجوهرية» للصين، وتُدرج المناقشات حول عمل تحالف اليابان-الولايات المتحدة ضمن سردية أوسع تتعلق بأصول النظام العالمي بعد الحرب وما تعاني منه اليابان من «فهم قاصر للتاريخ». وهكذا، يُنظر إلى تصريح تعتبره اليابان مجرد توضيح لنقطة تقنية على أنه استفزاز سياسي.

انفجرت فجوة الإدراك هذه فجأة إلى العلن بسبب تصريح واحد خارج النص لم يكن معداً للاستهلاك الخارجي. فمن وجهة نظر الصين، تجاوزت اليابان بهذا التصريح، فجأة ودون أي تفسير أو إشعار مسبق، خطًا كانت تحترمه ضمنيًا لعقود. أما من منظور اليابان، فكان من الصعب فهم كيف يمكن لتصريح يكتفي بتوضيح حقائق وأنظمة راسخة أن يثير مثل هذا الرد. هذا التباين يمثل بالفعل صورة حية للفجوة الإدراكية.

ليست هذه المرة الأولى التي تظهر فيها هذه الفجوة، كما أن هذا التناقض لا يقتصر على تايوان. فعلى مدار سنوات، نجحت اليابان والصين في الحفاظ على علاقاتهما الثنائية وتطويرها من خلال التغاضي عن الافتراضات المتضاربة بشأن طيف واسع من القضايا الأمنية. وقد نجح هذا التوازن طالما كانت الأمور مستقرة، لكن هشاشته ظهرت بوضوح كلما تصاعدت التوترات الأمنية لأي سبب من الأسباب.

وقد ألقى البعض باللوم على تاكايتشي لإطلاقها مثل هذا التصريح غير اللائق. لكن جوهر المسألة يكمن في أننا وصلنا إلى مرحلة يكاد يكون من المستحيل فيها المضي قدمًا دون التطرق إلى هذه القضايا الحساسة. لقد أدت التغيرات في البيئة الأمنية في تايوان إلى تآكل الفهم الضمني الذي لطالما اعتمدت عليه العلاقات اليابانية الصينية، وكشفت حدود هذا الفهم.

توضيح الغموض الاستراتيجي

لقد خلُص البعض إلى أن غموض موقف اليابان بشأن تايوان هو السبب الجذري للخلاف الأخير، لكن هذا ليس دقيقًا تمامًا. فالمشكلة لا تكمن في الغموض بحد ذاته، بل في فشلنا في تحديد الافتراضات التشغيلية للاستراتيجية بوضوح، بما في ذلك المبادئ التصميمية الأساسية وتبادل المعلومات السياسية وفقًا لتلك المبادئ.

الغموض الاستراتيجي ليس تجنبًا سلبيًا للالتزامات الواضحة. بل هو أسلوب إدارة يقوم على التخصيص المتعمد للمعلومات وعدم اليقين. فبالنسبة لمن يجب أن تظل الأمور غامضة، ومع من ينبغي أن نشارك افتراضاتنا؟ فقط عندما تُرسم هذه الخطوط بوضوح يمكن أن يعمل الغموض بفعالية كرادع. ذلك أن المشكلة ليست الغموض ذاته، بل إن مصدر عدم الاستقرار يكمن في غياب الفهم المشترك بشأن نطاق وأهمية هذا الغموض.

لقد شكلت هذه المبادئ الخاصة بالغموض الاستراتيجي أساسًا للمفهوم القانوني لـ ”الوضع المهدد للبقاء“ كما صيغ في الأصل. وبدون الالتزام بالتدخل في مواقف محددة، أتاح هذا المفهوم المجال لاتخاذ إجراءات عسكرية حسب ما يراه صانعو القرار السياسي في البلاد ضروريًا. كان بمثابة أداة سمحت لليابان بالحفاظ على مرونة اتخاذ القرار فيما يتعلق بعمليات التحالف والسياسة الداخلية على حد سواء. وبذلك، يمثل هذا نسخة يابانية من الغموض الاستراتيجي.

مع ذلك، ورغم أن هذا المفهوم التصميمي كان مُشتركًا داخل التحالف الياباني الأمريكي، إلا أنه لم يُشرح بشكل كافٍ للآخرين. وهذا ما أتاح اتخاذ موقف عملي تعتبره طوكيو أمرًا مفروغًا منه، بينما رأته بكين تدخلًا صارخاً في مصالحها الجوهرية. وما أدى إلى الأزمة لم يكن تغييرًا في السياسة، بل تباين في التفسير.

أهمية إبقاء قنوات الحوار مفتوحة

مع أخذ كل هذا في الاعتبار، ينبغي علينا تجنب اختزال مصدر النزاع الحالي في حادثة واحدة من الكلام الطائش أو سوء إدارة الرسائل. بل يجب أن نفهمه كنتيجة لوضع كان فيه توازن دقيق، تم الحفاظ عليه بصعوبة بالغة من خلال تجنب الموضوع، وقد وصل هذا التوازن إلى أقصى حدوده ولم يعد قابلاً للاستمرار. إن إخفاقنا في تحديث لغة الدبلوماسية لتعكس التغيرات في بيئة الأمن جعل مثل هذا الصدام أمرًا لا مفر منه.

مهمة اليابان الآن ليست الإعلان بوضوح عن نيتها للتدخل في حالة طارئة في تايوان، ولا وضع حدود رسمية لما قد يُعتبر وضعًا يُهدد البقاء. ما نحتاجه الآن هو فهم داخلي أوضح لأنواع المواقف التي يُمكن اعتبارها مُهددة للبقاء، إلى جانب إيجاد لغة جديدة لتوضيح وجود هذا المفهوم ومعناه للدول الأخرى. هذا لا يعني أتمتة عملية صنع القرار، بل يعني توضيح شروط مثل هذا القرار السياسي وتحديد حيّز المسؤولية.

في الوقت نفسه، لكي يُؤدي الغموض دوره كرادع، من الضروري إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع الصين، فخطر سوء الفهم يزداد عندما ينفصل الغموض عن الحوار. وبدون فهم مشترك أساسي بشأن نوايا اليابان الحسنة والظروف التي قد تُؤدي إلى رد فعل جاد، قد يُصبح الغموض مرتعًا لسوء التقدير بدلًا من أن يكون أداة ردع. ما نتحدث عنه هنا ليس تنازلًا، بل إدارة للمخاطر.

لا يُعدّ الجدل الدائر حاليًا فشلًا للدبلوماسية اليابانية، بل هو حادثة كشفت عن الفجوة بين الحقائق الأمنية التي يعتبرها التحالف الياباني الأمريكي أمرًا مفروغًا منه، والتفاهمات الدبلوماسية التي تُحيط بتلك الحقائق. والأهم الآن هو الإصغاء إلى هذا التحذير واغتنام الفرصة لتطوير مفهوم اليابان للغموض الاستراتيجي وتحويله إلى أسلوبٍ للإدارة، بدلًا من تجاهل الأزمة باعتبارها مجرد عاصفة عابرة.

في ظلّ تصاعد حالة عدم اليقين المحيطة بتايوان، لا ينبغي للحكومة اليابانية التسرّع في الالتزام بمسار عمل مُحدّد. بل عليها بذل قصارى جهدها لتقليل سوء الفهم وبناء الثقة، مع ترك مجال لاتخاذ قرارات مرنة. ويجب الإبقاء على مفهوم المواقف التي تُهدّد البقاء كأداة قيّمة لهذا الغرض. والسؤال الآن هو: ما هي أفضل السبل لتحسين تصميمه وتطبيقه بأفضل شكل.

(نُشر النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: سكان مدينة كاوهسيونغ في تايوان يستقبلون العام الجديد بحفل تقليدي يتم خلاله رفع العلم عند الفجر في الأول من يناير/كانون الثاني 2026. تشنغ-تشيا هوانغ/ وكالة زوما برس/ وكالة أخبار كيودو).

كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | التصعيد بين طوكيو وبكين (الجزء الثاني): هل حان وقت تحديث الغموض الاستراتيجي؟ لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

Advertisements

قد تقرأ أيضا