مع تطور التقنيات الرقمية، تتطور بمحاذاتها أنواع المعلومات التي يطلع عليها الجمهور. وفي ضوء الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي التوليدي، كيف يعاد تشكيل بيئة إعلامية مزدحمة في الأصل؟ في المقال الحالي، يتناول أوداغاوا أتسوكي –مؤلف أحد أكثر الكتب مبيعا– الآمال المعقودة على الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي وحدوده.
معركة جذب الانتباه
أدى انتشار الإنترنت والهواتف الذكية، وتغلغل المنصات الرقمية في حياتنا اليومية، إلى خلق عالم يستطيع فيه أي شخص نشر أي شيء في أي وقت. وكانت النتيجة انفجارا في المعلومات، ما أدى إلى ظهور بيئة تنافسية مميزة، تشكلها متطلبات ”اقتصاد الانتباه“. وعلى الرغم من عيوب هذا الوضع الكثيرة، فهو لا يزال مستمرا منذ فترة طويلة.
في حقبة سابقة حين كانت المعلومات نادرة، كانت القيمة تكمن في امتلاكها أو القدرة على نشرها. أما اليوم، ففي مجتمع تغمره المعلومات أصبح انتباه الناس (أي قدرتهم على استقبال المعلومات ومعالجتها) هو المورد النادر، وأصبح الحصول على هذا الانتباه مصدرا للقيمة.
والآن مع تزايد المحتوى بشكل متسارع، بات التحدي يتمثل في القدرة على استيعاب المعرفة. فلدى الإنسان عدد محدود من الساعات في اليوم، ولا يمكن تخصيص سوى جزء ضئيل منها لاستيعاب ما يتداول على الإنترنت.
لا شك أن المنافسة قد تحولت نحو السعي لاقتناص شريحة ضئيلة من انتباه الناس، بدلا من إظهار دقة المعلومات أو جودتها. وهذا التوجه يفسر انتشار العناوين المثيرة والصور المعدلة بشكل مفرط، بالإضافة إلى الادعاءات المثيرة أو المبالغ فيها والإعلانات التي تثير القلق. كما أن احتدام المنافسة على جذب الانتباه قد خلق بيئة خصبة لانتشار المعلومات المضللة، بما في ذلك مقاطع الفيديو المزيفة والمحتوى المضلل والأكاذيب الصريحة.
وفي هذا السياق، ترسخ نمط تفكير معين يتمثل في التركيز على كفاءة استهلاك المعلومات. يُشار في اليابان إلى هذا النمط غالبا بمصطلحي ”كوسوبا (الكفاءة في التكلفة)“ و ”تايبا (الكفاءة في الوقت)“. وهذا الدافع مفهوم. ففي مواجهة سيل جارف من المعلومات، يسعى الناس إلى تقليل الوقت الذي يقضونه في قراءة أي معلومة حتى يتمكنوا من الانتقال بسرعة إلى المعلومة التالية. وعلى الرغم من أن هذا السلوك غالبا ما يصور على أنه سمة جيلية سائدة بين المستخدمين الأصغر سنا، إلا أنه قد يكون من الأدق اعتباره استجابة بنيوية لبيئة إعلامية مشوهة، وهي استجابة تظهر بوضوح أكبر بين مستخدمي الهواتف الذكية بكثرة.
هل نحن على أعتاب إنترنت بدون نقرات؟
يبدو للوهلة الأولى أن ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، وما يرافقه من ميزات مثل
”AI Overview“ و ”AI Mode“ في بحث جوجل، يُقدم حلا تقنيا لعقلية الكفاءة هذه. فإذا كان بإمكان نظام الذكاء الاصطناعي تقديم إجابة مباشرة، فلماذا إضاعة الوقت في تصفح مواقع ويب متعددة؟ من الناحية النظرية يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي أن يوفر طريقة أكثر كفاءة للحصول على المعلومات.
هذا هو المنطق الكامن وراء ما يوصف بسلوك ”صفر نقرات“. فبدلا من اتباع المستخدمين للروابط للعثور على ما يبحثون عنه، يُمكنهم ببساطة قراءة الملخص المولد بواسطة الذكاء الاصطناعي والمضي قدما. ونتيجة لذلك يشعر بعض الناشرين على الإنترنت الذين يعتمدون على زيارات محركات البحث بالقلق من احتمال انخفاض عدد النقرات.
غير أن الواقع أكثر تعقيدا. فلو كانت الإجابات التي تقدمها أدوات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT مرضية حقا، ولو كانت تحسن الكفاءة فعلا، لكان من المتوقع انخفاض استخدام محركات البحث. ولكن دراسة أجرتها شركة التسويق البرمجي الأمريكية سباركتورو عام 2025 تشير إلى عكس ذلك، إذ تبين أنه مع تجربة الناس للذكاء الاصطناعي، لم يتراجع استخدامهم لمحركات البحث. بل في كثير من الحالات، ينتهي الأمر بمن يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى استخدام محركات البحث بشكل أكبر، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي بديلا عن البحث، بل أصبح تمهيدا له او مكملا.
ويشير هذا النمط إلى أن الإجابات التي يقدمها ChatGPT أو ”AI Overview“ لا تلبي احتياجات المستخدمين بشكل مباشر. فإذا لم يثق المستخدمون تماما بالإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي، فقد لا تحسّن هذه الأدوات الكفاءة بالقدر المتوقع.
كما أظهر استطلاع رأي أجرته شركة الإعلانات الإلكترونية Out of the Box عام 2025 استهدف مستخدمي الذكاء الاصطناعي اليابانيين في العشرينات من عمرهم، أن نسبة ضئيلة فقط تعتبر الذكاء الاصطناعي موثوقا به باستمرار. بينما قال 92% منهم إنهم لا يثقون تماما في ردود الذكاء الاصطناعي. فعندما يشعرون بأن الإجابة غير مكتملة، يلجأ أكثر من 70% إلى بحث جوجل للتحقق، ويزور أكثر من نصفهم المواقع الإلكترونية الرسمية للشركات.
وتشير دراسات أخرى إلى أن ”AI Overview“ تؤثر فقط على شريحة محدودة من الاستفسارات، حيث تبقى عمليات البحث الخاصة بالعلامات التجارية والاستفسارات المتعلقة بالمنتجات دون تغيير يذكر. ومن هذا المنظور يبدو سلوك صفر نقرات أقرب إلى تغيير سطحي يقتصر على سياقات محددة منه إلى تحول جذري. ولعل السؤال الأهم هو كيف يمكن لمزودي المعلومات تقديم محتوى يحتاجه الناس فعلا. إن التركيز المفرط على عدد مشاهدات الصفحات، الذي شكّل الإعلام الإلكتروني لسنوات، هو في حد ذاته نتاج لعقلية اقتصاد الانتباه.
فلماذا يستمر إذن هذا التباعد بين الوعود والتطبيق؟ قد يكون أحد التفسيرات هو أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يزال غير ناضج تقنيا. لكن السبب الأكثر جوهرية يكمن على الأرجح في القيود البنيوية للتقنيات التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي التوليدي، أي التعلم العميق ونماذج اللغة الضخمة والتي تُنتج مخرجات احتمالية بحكم تصميمها.
الذكاء الاصطناعي في مواجهة الخوارزميات
إن التعلم العميق الذي يشكل أساس الذكاء الاصطناعي التوليدي الحديث، يستمد بنيته من الدوائر العصبية في الدماغ البشري فهو يكدس الشبكات العصبية في هياكل عميقة متعددة الطبقات ويدربها على كميات هائلة من البيانات. وما تتعلمه هذه الأنظمة ليس مجموعة من القواعد، بل اتجاهات إحصائية: مع مدخل ما، ما هو المخرج المرجح الذي يجب أن يظهر؟
تطبق نماذج اللغة الضخمة هذا المنطق على النصوص. فبعد تدريبها على الكتب والمواقع الإلكترونية والأبحاث الأكاديمية ونصوص المحادثات، تولد هذه النماذج الجمل من خلال التنبؤ بالكلمة الأكثر احتمالا أن تأتي تاليا.
النتيجة هي نظام يتسم بمرونة وتنوع كبيرين، ولكنه غير مستقر من الناحية البنيوية. فإذا طرحت السؤال نفسه مرارا، فمن المرجح أن تكون الإجابة مختلفة بشكل طفيف في كل مرة. وقد تحتوي أحيانا على ادعاءات خاطئة أو مضللة. وهذه الظاهرة، التي تُسمى ”الهلوسة (أي التفسيرات التي تبدو معقولة ولكنها لا تستند إلى حقائق)“ هي نتيجة للنموذج الاحتمالي ذاته.
وقد بدأ المستخدمون يدركون مخاطر هذه الهلوسات، ويتعامل الكثيرون الآن مع الإجابات التي يُولدها الذكاء الاصطناعي بتحفظ، مدركين ضرورة التحقق منها. ونتيجة لذلك، ازداد استخدام محركات البحث ومصادر التأكيد الأخرى بالتوازي مع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لا على حسابه.
ويختلف هذا عن الخوارزميات القائمة على القواعد، التي تنتج نفس المخرجات في كل مرة طالما أن المدخلات والشروط الأولية متطابقة. وإذا ظهرت نتيجة غير متوقعة، يمكن للمهندسين تعديلها بتعديل القواعد. وقد شكل هذا القدر من الموثوقية أساس ثقة الناس في المنصات الرقمية، وحولها إلى أدوات عالية الكفاءة في التعامل مع اقتصاد الانتباه. وبغض النظر عن الأحكام المتعلقة بالعواقب الاجتماعية، فقد أصبح من الممكن إيجاد مسار أكثر كفاءة عبر غابة المعلومات من خلال تحسين القواعد.
أما النموذج الاحتمالي الذي يستخدمه الذكاء الاصطناعي التوليدي فلا يستطيع ضمان مخرجات متطابقة، حتى عند استخدام نفس المدخلات. وإذا احتوت الإجابة على خطأ، فلا توجد طريقة واضحة لتعديل المدخلات لتجنب تكرار الخطأ نفسه. فقد تنجح صياغة معينة مرة ولا تنجح في المرة التالية. وهكذا فإن ما يبدو اختصارا فعالا هو في الواقع نظام تحكمه الضبابية وعدم الاتساق ولا يمكن الوثوق به لاتخاذ الحكم الصحيح.
إن الحاجة إلى تكرار التعليمات والتحقق المتقاطع من الإجابات ليست مجرد عائق سيزول مع تطور التكنولوجيا، بل تنبع هذه المشكلات من التصميم الجوهري للنماذج الاحتمالية. قد تضيق الفجوة، لكنها لن تختفي. فمقارنة بالأنظمة الخوارزمية القائمة على القواعد، تكون المخاطر أعلى، والعبء المعرفي على المستخدمين أثقل.
عودة إلى التحكم البشري؟
بما أن الذكاء الاصطناعي الاحتمالي ينتج مخرجات غير مستقرة بطبيعتها، فإن المسؤولية تعود في نهاية المطاف إلى المستخدم البشري، إذ يصبح التحقق ضروريا، وكذلك إعادة النظر والتدقيق. وفي مقابل سرعة الإجابة التي يولدها الذكاء الاصطناعي، نتحمل نوعا مختلفا من التكلفة المعرفية.
ومن ثم تكمن المفارقة في أنه على الرغم من وعوده بالكفاءة، قد يكون الذكاء الاصطناعي التوليدي أقل كفاءة عند النظر إليه من منظور أوسع يشمل مفهومي ”كوسوبا“ و ”تايبا“. فالحاجة إلى التحقق من الإجابات تستلزم موارد معرفية أكبر، وهو ما يتعارض مع متطلبات اقتصاد الانتباه.
وقد يؤدي عدم موثوقية الذكاء الاصطناعي التوليدي على نحو مفارق إلى تحول دقيق في بيئة إعلامية لطالما توجهت نحو الكفاءة وانقادت بمنطق اقتصاد الانتباه: أي عودة إلى دور الإنسان في تحديد أي المعلومات تستحق وقتنا. ويتعين على المستخدمين تقييم مدى موثوقية الادعاءات التي يولدها الذكاء الاصطناعي، ويصبح الانتباه شيئا نوظفه بوعي، بدلا من أن يكون سلبيا.
أدت الخوارزميات القائمة على القواعد، والمحسّنة لجذب الانتباه، إلى ظهور تشوهات وتفاقمها. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يعمل وفق منطق مختلف، فيعطل هذا التحسين. والفجوة الناتجة ليست تقنية فحسب، بل لها بعد اجتماعي أيضا. فهي تدعونا إلى التساؤل عن نوع البيئة الإعلامية التي نرغب بها، والقيم التي نأمل في إعطائها الأولوية. وعند تصور بيئة إعلامية تتجاوز اقتصاد الانتباه، لا يقتصر السؤال على مدى سهولة استخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يتعداه إلى كيفية اختيارنا لتنظيم التفاعل بين الذكاء الاصطناعي والخوارزميات والحكم البشري. وسوف يعتمد المستقبل بدرجة أقل على قدرات التكنولوجيا، وبدرجة أكبر على الخيارات التي نتخذها بشأن كيفية استخدامها.
(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية بتاريخ 16 يناير/كانون الثاني عام 2026. الترجمة من الإنجليزية. صورة العنوان: سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، يتحدث في مؤتمر الذكاء الاصطناعي الذي عقد في يونيو/حزيران عام 2025 في سان فرانسيسكو. © جيجي برس)
كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | اقتصاد الانتباه والذكاء الاصطناعي… شراكة مربكة أم صراع خفي؟ لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
