اخبار العالم / اخبار اليابان

اليابان | «الإشارة والتأكيد اللفظي»… السر الياباني وراء سلامة السكك الحديدية

  • اليابان | «الإشارة والتأكيد اللفظي»… السر الياباني وراء سلامة السكك الحديدية 1/5
  • اليابان | «الإشارة والتأكيد اللفظي»… السر الياباني وراء سلامة السكك الحديدية 2/5
  • اليابان | «الإشارة والتأكيد اللفظي»… السر الياباني وراء سلامة السكك الحديدية 3/5
  • اليابان | «الإشارة والتأكيد اللفظي»… السر الياباني وراء سلامة السكك الحديدية 4/5
  • اليابان | «الإشارة والتأكيد اللفظي»… السر الياباني وراء سلامة السكك الحديدية 5/5

قبل لحظات من انطلاق القطارات في اليابان، يُلاحظ الموظفون وهم يشيرون بأيديهم، مرتدين قفازات بيضاء، نحو اتجاه السير، ثم يعلنون بصوت واضح أن الانطلاق آمن. قد يبدو هذا المشهد لافتًا أو غير مألوف للزوار الأجانب، لكنه في الواقع جزء من نظام دقيق يُعرف باسم «الإشارة والتأكيد اللفظي». تستخدم هذه الطريقة على نطاق واسع في السكك الحديدية ومجالات عمل أخرى تتطلب دقة عالية، إذ تعتمد على الجمع بين الحركة الجسدية والتأكيد اللفظي لتعزيز التركيز وتقليل احتمالات السهو. ومن خلال هذا الأسلوب البسيط والفعال.

أكثر من قرن من التاريخ

إذا نظرنا داخل مقصورة القيادة في أي قطار في اليابان، فقد نلاحظ أن السائقين يتحدثون وهم يشيرون بإصبع السبابة في اتجاهات مختلفة وإلى أدوات التحكم. تُعرف هذه الممارسة باسم ”شيسا كانكو“ (الإشارة والتأكيد اللفظي)، وهي تقنية للسلامة المهنية يشير فيها أفراد الطاقم إلى الأمور التي تتطلب الانتباه، ويذكرون أسماءها، ويصفون حالتها، وبذلك يعيدون التأكد من التفاصيل بصريًا وسمعيًا في محاولة لمنع الحوادث.

لا يقتصر استخدام تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ على السكك الحديدية، بل تُستخدم أيضًا في المصانع ومواقع البناء وأماكن العمل الأخرى. وفي السنوات الأخيرة، بدأت تحظى بالاهتمام خارج اليابان، حيث اعتمدها بعض مشغلي السكك الحديدية. وقد جرى التحقق علميًا من فعالية هذه التقنية، وأصبحت معترفًا بها على نطاق واسع كوسيلة لتعزيز السلامة.

أحد موظفي المحطة يستخدم تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ للتأكد من الأوضاع على رصيف قطار الشينكانسن. (© شركة سكك حديد شرق اليابان)
أحد موظفي المحطة يستخدم تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ للتأكد من الأوضاع على رصيف قطار الشينكانسن. (© شركة سكك حديد شرق اليابان)

يعود تاريخ هذه التقنية إلى أكثر من قرن مضى، عندما كانت السكك الحديدية في اليابان لا تزال في بداياتها. ففي البداية، كانت الإجراءات المستخدمة أقل تعقيدًا مما هي عليه اليوم، إذ كان أفراد الطاقم ينادون بالمعلومات أثناء تنفيذهم العمليات المطلوبة. وكان المهندسون الذين يشغّلون القاطرات البخارية ومساعدوهم يذكرون أسماء معدات الإشارات ووضعها الحالي بصوت عالٍ لمنع سوء الفهم والحوادث. وانتشرت هذه الطريقة المعروفة باسم ”النداء والاستجابة“ على نطاق واسع، وتم إدراجها في كتيبات تعليمات أطقم القطارات منذ العقد الأول من القرن العشرين.

وتمت إضافة الإشارة باليد ابتداءً من أواخر عشرينيات القرن العشرين. فعندما بدأ أفراد أطقم القطارات يشيرون إلى الشيء الذي يتحدثون عنه أثناء النداء، تبيّن أن ذلك يزيد من مستوى التركيز ويقلّل من حالات السهو. واكتسبت التقنية اعترافًا أوسع، وفي عام 1970 نصّت اللوائح لأول مرة لدى الهيئة الوطنية اليابانية السابقة للسكك الحديدية على إلزام الموظفين بالإشارة عند مناداة الإشارات. وهكذا ترسّخت رسميًا طريقة ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ المعتمدة اليوم، والتي تجمع بين التأكيد البصري والسمعي مع الحركات الجسدية، وأدّى ذلك إلى اعتماد حركات موحّدة من قبل شركات السكك الحديدية في جميع أنحاء اليابان.

تقنيات لتعزيز الانتباه

لا تعتمد سلامة السكك الحديدية على الأنظمة والمعدات وحدها، بل إن قدرة السائقين والمراقبين وغيرهم من الموظفين على اتخاذ القرار تُعد أمرًا بالغ الأهمية. إذ يتعين عليهم معالجة كميات هائلة من المعلومات، بما في ذلك الإشارات، ومقياس السرعة، وحالة السكة، والوضع داخل العربات، وغالبًا في أجزاء من الثانية، لاتخاذ قرارات حاسمة تؤثر في السلامة. كما تشمل المهمة جوانب حسية يصعب قياسها كميًا، مثل حاسة الشم. ووفقًا للسيد ميزوما تاكيشي الأستاذ السابق في جامعة طوكيو، فإن ”التقييم النسبي“ يُعد سمة من سمات تقييمات السلامة في السكك الحديدية اليابانية. فعند تقييم سلامة تشغيل القطار، ينصبّ التركيز على تحقيق مستوى من السلامة يعادل أو يفوق معايير الحكم التي اكتسبها أفراد الطاقم من خلال خبرتهم العملية.

تُعدّ تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ إحدى الآليات التي تضمن الاتساق في الاعتماد على قدرات الأفراد في اتخاذ القرار. إذ ينظر المستخدم إلى الشيء، ويشير إليه، وينطق باسمه، ثم يؤكد المعلومات عبر سماع صوته هو نفسه. وهذا التسلسل من الأفعال يركّز الانتباه على أمر واحد، مما يضمن مستوى عالٍ من التحقق. وعندما يعتاد الناس أداء المهام المتكررة، قد يصابون بالتراخي ويصبحون أكثر عرضة للتشتت. وتُعد طريقة ”الإشارة والتأكيد اللفظي“، التي طُوّرت في أماكن العمل على مدى سنوات طويلة، وسيلة عملية لمنع ذلك.

وأودّ هنا أن أشارك حادثة تؤكد أهمية تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ من الفترة التي عملتُ فيها كأحد أفراد طاقم القطار. ففي هذا المجال، يكتسب الموظفون الجدد العديد من مهاراتهم أثناء العمل، من خلال مرافقة السائقين أو المراقبين ذوي الخبرة. وهم يقفون في موقع السائق، ويؤدّون بحماس النداءات المطلوبة مثل ”نظام الإيقاف التلقائي للقطار (ATS) سليم، جهاز اللاسلكي سليم...“ وغير ذلك.

كاتب المقال وهو يشير بإصبعه ويؤدي تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ في موقع السائق على خط سكة حديد تشوشي الكهربائية في محافظة تشيبا عام 2024. (© نيشيؤي إيتسوكي)
كاتب المقال وهو يشير بإصبعه ويؤدي تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ في موقع السائق على خط سكة حديد تشوشي الكهربائية في محافظة تشيبا عام 2024. (© نيشيؤي إيتسوكي)

وفي البداية، عندما كنتُ أتدرّب لأصبح مراقبًا، كنت أظن أن تلك الحركات مجرد استعراض شكلي، فكنت أقلّد ما يُطلب مني دون تفكير عميق. لكن في أحد الأيام، بعد فترة قصيرة من بدء عملي كمراقب بشكل مستقل، أعطيتُ إشارة الانطلاق قبل دقيقة واحدة من الموعد المحدد، من دون أن أنادي بوقت المغادرة للتأكيد. ولحسن الحظ، لاحظ السائق خطئي ولم ينطلق قبل الجدول المحدد، لكن عندما فكّرتُ في العواقب المحتملة لخطأ لا يتجاوز دقيقة واحدة، شعرتُ بالصدمة.

ولو كان ذلك القطار قطارًا سريعًا محدود التوقف، لا يغادر سوى مرتين في الساعة، لكنتُ قد تسببتُ في تأخير كبير للركاب الذين كانوا سيفوّتون القطار. ولو كان المسار خطًا أحاديًا، لكان من الممكن أن يؤدي ذلك إلى تصادم مع قطار قادم في الاتجاه المعاكس. ومن خلال هذه التجربة المؤلمة، تعلّمتُ أهمية القاعدة الصارمة التي لا يجوز انتهاكها والمتعلقة بالالتزام الدقيق بالمواعيد في تشغيل القطارات، وكذلك الدور الذي تؤديه تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ في منع الحوادث.

انخفاض الأخطاء بشكل ملحوظ

لقد جرى التحقق علميًا من فعالية تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“. فقد أظهرت تجارب أجراها معهد أبحاث تقنيات السكك الحديدية في اليابان أنه عند تطبيق هذه التقنية، ينخفض معدل الأخطاء في عمليات التأكيد إلى السُّدس.

أحد مراقبي القطارات يستخدم تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ للتأكد من فتح الأبواب وإغلاقها. (© شركة سكك حديد شرق اليابان)
أحد مراقبي القطارات يستخدم تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ للتأكد من فتح الأبواب وإغلاقها. (© شركة سكك حديد شرق اليابان)

تُنتِج الحركات الجسدية للإشارة والمناداة أثناء أداء المهام إيقاعًا يساعد على الحفاظ على التركيز خلال ساعات العمل الطويلة. وقد دعمت مبادئ علم بيئة العمل (الأرغونوميا) هذا التأثير القوي، مما أدى إلى اعتماد هذه الممارسة في مجموعة واسعة من أماكن العمل والقطاعات في أنحاء اليابان، بما في ذلك المصانع، ومواقع البناء، وقطاع الطاقة، والخدمات اللوجستية—وهي جميعها مجالات قد تترتب فيها على الخطأ البشري عواقب خطيرة. ومن الأسباب الأخرى لانتشارها في صناعات مختلفة انخفاض تكلفة تطبيق هذه الحركات البسيطة نسبيًا.

التطبيق خارج اليابان

لقد حظيت تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ باهتمام دولي بوصفها أسلوبًا يابانيًا للسلامة. فعلى سبيل المثال، أدخل نظام مترو أنفاق نيويورك ممارسة يقوم فيها الموظفون بفحص الشاشات، والإشارة إليها، والتلفظ للتأكد من الأوضاع على الأرصفة، وقد حققت هذه الطريقة نجاحًا ملحوظًا في تقليل الأخطاء. كما أدرجت شركة السكك الحديدية الحكومية في فرنسا، وكذلك شبكات السكك الحديدية فائقة السرعة في الصين، أسلوب الإشارة ضمن برامج التدريب لديها، استنادًا إلى الطريقة اليابانية.

كما يعمل مشغّلو السكك الحديدية اليابانيون بنشاط على نشر ثقافة السلامة هذه في الخارج. ففي إطار مشروعها لتصدير العربات، توفّر شركة سكك حديد شرق اليابان دعمًا تدريبيًا لمشغّلي السكك الحديدية في إندونيسيا ودول أخرى في جنوب شرق آسيا، يشمل إدخال أسلوب الإشارة والتحقق على الطريقة اليابانية. وتشير التقارير إلى أنه قد جرى توحيد إجراءات التأكيد، وأن الموظفين المحليين يطبّقونها بوصفها ممارسة أساسية في العمل.

ويرجع الاهتمام الواسع الذي حظيت به تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ إلى اختلاف نظرة اليابان إلى مفهوم السلامة. فهناك اعتقاد راسخ بأن السلامة تتحقق من خلال تعاون الإنسان مع الأنظمة، ويجري التركيز على تطوير آليات تعزّز قدرات الأفراد على اتخاذ القرار. ويرتبط ذلك بمفهوم ”التقييم النسبي“ الذي جرى الحديث عنه سابقًا.

في المقابل، تعتمد أوروبا على مستويات سلامة تعتمد على معايير دولية، ويُعدّ التقييم المطلق، أي التقييم العددي لموثوقية المعدات المادية، هو النهج السائد. ويؤثر هذا الاختلاف في التصوّر على أساليب تأكيد السلامة. فالتأكيد المصحوب بحركات جسدية، مثل الإشارة والتأكيد اللفظي، ليس شائعًا خارج اليابان. ومع ذلك، فإن الانتشار الأخير لهذه التقنية في الخارج يعود جزئيًا إلى وجود حدود مادية للسعي نحو تحقيق أقصى درجات السلامة، وكذلك لأنها تقنية عقلانية لتعزيز الحذر يمكن تكييفها مع بيئات عمل مختلفة.

أحد عمال الصيانة يستخدم تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ لفحص المعدات. (© شركة سكك حديد شرق اليابان)
أحد عمال الصيانة يستخدم تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ لفحص المعدات. (© شركة سكك حديد شرق اليابان)

في حين ستواصل التكنولوجيا تطوّرها إلى مستويات متزايدة من التعقيد، فمن غير المرجّح أن تُلغي دور الإنسان في التحقق النهائي من الأوضاع، واتخاذ القرارات، واختيار الإجراءات المناسبة. بل على العكس، فإن تقدّم الأتمتة سيزيد بلا شك من أهمية عمليات التأكيد الأساسية التي يقوم بها البشر. وإن توسيع نطاق ممارسة ”الإشارة والتأكيد اللفظي“ في أنحاء العالم سيسهم في تعزيز سلامتنا جميعًا.

(النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان الرئيسي: سائق قطار يتفقد الوضع أمامه باستخدام تقنية ”الإشارة والتأكيد اللفظي“. © شركة سكك حديد شرق اليابان)

كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | «الإشارة والتأكيد اللفظي»… السر الياباني وراء سلامة السكك الحديدية لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

Advertisements

قد تقرأ أيضا