لطالما اشتهرت منطقة تاجيما في شمال محافظة هيوغو بتربية الماشية، ولا سيما لحم البقر الذي اكتسب شهرة واسعة. واليوم، يواصل المزارعون الحرفيون في المنطقة الابتكار، إذ أتقنوا زراعة الفلفل الحار المحلي واستخدامه في إعداد صلصات لذيذة تُكمّل نكهة لحم البقر وتثري المطبخ المحلي، إلى جانب استخدامات أخرى تعكس تنوّع المنتجات الزراعية في المنطقة.
جيانغ ياباني
عندما تذوقت المعجون البني الذي قُدِّم لي، كان أول ما خطر ببالي: ”إنه جيانغ الياباني“.
يشير مصطلح ”جيانغ“ هنا إلى فئة من معاجين التوابل المخمرة التي نشأت في الصين القديمة وانتشرت الآن في جميع أنحاء شرق آسيا، بما في ذلك دوبانجيانغ، وتيانميانجيانغ، ودوتشيجيانغ. تُستخدم هذه التوابل على نطاق واسع كمنكهات أساسية، لدرجة أنه يمكن تسمية الجيانغ بـ”مذاق آسيا“.
كان المعجون الذي تذوقته مزيجًا أساسيًا لكارازو، وهو توابل فلفل حار مخمر يُصنع في جبال شمال محافظة هيوغو. يُخلط الفلفل الأحمر الحار مع الأرز الملقح بالكوجي - وهو نوع من العفن يحول النشا إلى سكر للتخمير - وصلصة الصويا، ثم يُخمر ويُترك لينضج لينتج نكهات وروائح معقدة، ونكهة أومامي لذيذة تُكمل حدة التوابل. هذه الصلصة مثالية ليس فقط لأطباق اللحوم والأسماك، بل أيضًا للخضراوات المطهوة على البخار، وحتى الأرز الأبيض المطبوخ حديثًا. بعدها... ينطلق الخيال بلا حدود.

أنواع مختلفة من صلصة كارازو. من الأسفل إلى اليسار: كارازو تانكارا، وهي مزيج من خل الكاكي وفاكهة البرقوق الياباني (أومى) لنكهة منعشة وحيوية. كارازو موتشوساي جينئيكي هي المزيج الأساسي غير المعالج. كارازو دايكاراكوتشي تزيد من حدة التوابل بإضافة كمية أكبر من الفلفل الحار. أما البرطمان العلوي فهو كارازو أوتوغاراشي، المصنوع من الفلفل الأخضر المحصود مبكرًا لرائحة أخف. (© أوكيتا ياسويوكي)
نكهة الحياة
تتميز الثقافة الغذائية اليابانية بتنوعها الغني، وتضم العديد من التوابل والأعشاب التي تضيف حرارة لاذعة، مثل الواسابي والزنجبيل وفلفل السانشو، والخردل الحار (كاراشي)، والفجل الحار (دايكون الكارامي)، والفلفل الأخضر، وغيرها. وبالمقارنة مع كوريا الجنوبية المجاورة، يظل استخدام الفلفل الأحمر الحار في اليابان محدودًا نسبيًا. ومع ذلك، يُزرع على نطاق واسع في اليابان، وتوجد منه أشكال متعددة من التوابل المخمرة.
لعلّ أشهر هذه المنتجات المتاحة تجاريًا هو كانزوري، المصنوع في مدينة ميُوكو ضمن محافظة نيغاتا. إذ تُترك حبات الفلفل الحار لتلين تحت الثلوج في عملية تُعرف باسم يوكيساراشي ثم تُخلط مع اليوزو وتُخمَّر باستخدام أرز الكوجي، قبل أن تُعتّق لمدّة ثلاث سنوات. ويُقال إن هذه الطريقة تعود إلى ما قبل القرن السابع عشر. أما في منطقة توهوكو في أقصى شمال اليابان، فتسود تقاليد راسخة في إعداد صلصات الفلفل الحار المُخمّرة منزليًا، وتُعرف باسم سانشو. وتُحضَّر هذه الصلصات بمزج 1.8 لتر من كلٍّ من الفلفل الأخضر وأرز الكوجي وصلصة الصويا لبدء التخمير. وغالبًا لا تُعتّق في معظم المنازل، بل تُستخدم بمجرد أن تأخذ وقتها الكافي للتخمّر.
على النقيض من ذلك، لا يُعدّ الكارازو تقليدًا محليًا عريقًا. وقد تحدّثتُ مع هيراي سيئيتشي، الملقب ”بـأبو النكهات“، في الورشة الواقعة بقرية أوجيرو شمال محافظة هيوغو—وهي جزء من منطقة تاجيما التي كانت في الماضي مركزًا مهمًا لصناعة الساكي—حول نشأته.
يقع المصنع المجهز بغرفة كوجيمورو المخصصة لإنتاج أرز الكوجي، على ضفاف نهر يادا. وقد زرت المكان في الخريف، حين كانت أوراق الأشجار تتغير ألوانها، وكانت الإطلالة على النهر خلابة. أوجيرو مدرجة في قائمة ”القرى الأجمل في اليابان“ التابعة لمنظمة إن بي أو.

مصنع كارازو، المجهز ببراميل التعتيق والتخمير، في جبال تاجيما. (© أوكيتا ياسويوكي)
يقول هيراي سيئيتشي: ”أردتُ أن أُبرز إمكانات تاجيما، وأن أبتكر علامةً تحمل اسمها وتكون متميّزة بحق“.
وُلد هيراي سيئيتشي في عائلة عريقة تعمل في تجارة المشروبات الكحولية في هيميجي. وبعد تخرّجه من الجامعة، التحق بأعمال العائلة وكرّس نفسه للعمل في هذا المجال. وكغيره من قطاعات صناعة الغذاء، كان هذا المجال محكومًا بالاتجاهات المتغيّرة، فكان يستلهم دائمًا من قصص تطوير المنتجات الجديدة، غير أنه بدأ في الوقت نفسه يشعر بشيء من العبث أو الفراغ.
جنّة الطعام البطيء
ثم، في عام 2000، بدأ مسار جديد في حياته. فقد وصلت حركة الطعام البطيء، التي انطلقت في إيطاليا أواخر ثمانينيات القرن العشرين، إلى اليابان في أواخر التسعينيات. وجاءت هذه الحركة ردًّا على الانتشار العالمي للوجبات السريعة، إذ أعادت التركيز على خصوصية المناطق ومكوّناتها المحلية، والالتزام بالأساليب التقليدية، والإنتاج على نطاق صغير، إلى جانب الحفاظ على تنوّع المنتجات الزراعية.
كان هيراي سيئيتشي من أوائل من تفاعلوا مع هذه الحركة، فأسّس فرع سلو فود هاريما ضمن حركة الطعام البطيء في اليابان. ومن خلال نشاطه هناك، لفتت نظره منطقة تاجيما القريبة نسبيًا. وسرعان ما اقتنع بأن تاجيما يمكن أن تكون جنّة حقيقية لـلطعام البطيء، بما تمتاز به من طبيعة خلّابة وإن كانت قاسية وبما تجود به من خيرات الجبال والبحر.

هيراي سئييتشي محاط ببراميل التخمير في ورشة أوجيرو (© أوكيتا ياسويوكي)
في يوم من أيام عام 2010، لاحظ هيراي حقلًا من الفلفل الحار الأحمر يملكه المزارع إيناؤ مينورو من أوجيرو، الذي كان يجري تجارب زراعية على نوع من الفلفل مستورد من كوريا الجنوبية.
تقع أوجيرو على هضبة ترتفع نحو 500 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتمتّع بوفرة من أشعة الشمس وتصريف ممتاز للمياه، فضلًا عن فارق كبير بين درجات الحرارة ليلًا ونهارًا. وهذا العامل الأخير يساهم في زيادة مستوى الكابسيسين—المادة التي تمنح الفلفل حرارته، كما يعزز من قوة رائحته. ومن هنا، بدأ هيراي سيئيتشي يفكّر في تطوير منتج يعتمد على هذه الحبات من الفلفل.
الزراعة بجوار أبقار اللحم الشهيرة
تشتهر أوجيرو بتربية أبقار تاجيما، وهي السلالة نفسها التي تُنتج لحم كوبى الشهير ولحم ماتسوساكا، كما تقع ضمن منطقة تاجيما التي أنجبت أجيالاً من أمهر صانعي الساكى من خلال نقابة تاجيما توجي (سادة تخميير الساكى). ومع تراكم الثلوج في فصل الشتاء لأكثر من متر، اضطر المزارعون منذ زمن طويل إلى البحث عن أعمال أخرى خارج موسم الزراعة، وكان ذلك يعني بالنسبة للكثيرين منهم العمل في صناعة الساكى.
قبل أن يخوض تجربة صناعة الفلفل الحار، كان إيناؤ نفسه صانع ساكى، وأول توجي في مصنع أوزيكي في هوليستر، كاليفورنيا. وبالنظر إلى خبرته الطويلة في التخمير، إذ أمضى سنوات في صناعة المشروبات الكحولية، رأى هيراي أن إنتاج توابل الفلفل الحار المخمرة خطوة طبيعية لكليهما. وفي عام 2013، أسس قسمًا ضمن شركة بيع المشروبات الكحولية الخاصة به” إردبرغ هيراي“ لهذا الغرض، قبل أن يفصله عام 2017 كشركة مستقلة تحت اسم أوكوتاجيما.

على اليسار: مجموعة متنوعة من معجون الفلفل الحار المجمد. على اليمين شعار مكتوب بخط يد هيراي: إيتّيكي مانباي، أو ”من قطرة واحدة، عوائد وفيرة“ (© أوكيتا ياسويوكي)
في التجارب الأولى للإنتاج في هيميجي، جرى تجميد الفلفل الحار الذي يُحصد من الصيف إلى الخريف، ثم معالجته في الشتاء، حيث يخلق الطقس البارد بيئة تخمير صحية لا تتكاثر فيها البكتيريا الضارة. وقد زرع الكوجي على الأرز، فيما جلب هيراي صلصة الصويا مصنوعة من حبوب كاملة وخالية من الإضافات من مدينة يابو المجاورة.
بعد عامٍ أو عامين، استقرّت عملية التخمير، ومع نضج المزيج داخل خزّانات الراتنج، تطورت النكهة والرائحة بشكل ملحوظ. أصبحت الرائحة غنية ومعقدة، تجمع بين الحلاوة والحرارة والحموضة والقَبَض في توازن لطيف. كما أصبح الملمس في الفم ألطف وأنعم. وأخيرًا، بعد ثلاث سنوات من التخزين والنضج، أصبح المزيج جاهزًا للاستخدام والبيع.
افتتحوا مصنع متخصص في إنتاج فلفل أوجيرو عام 2016، وبدأوا الإنتاج على نطاق واسع. أطلقوا على فلفل أوجيرو اسم ”تينكو نو توغاراشي“، أي ”فلفل السماء“، وسمّوا منتجهم ”كارازو“. يجمع هذا الاسم بين الحرف الأول من كلمة فلفل الحار باليابانية والحرف الذي يرمز إلى الرقم ”ثلاثة“ نسبةً إلى المكونات الثلاثة. المنتج الحالي عبارة عن مزيج يعتمد على معجون مُعتّق لمدة خمس سنوات. بعد تقاعد إيناؤ، تولى مزارع محلي آخر ذو خبرة في صناعة الساكى، وهو إيماي شيرو، منصب كبير المزارعين ومسؤول التخمير.

إيماي شيرو يقف في حقل تينكو نو توغاراشي (© أوكيتا ياسويوكي)
أُتيحت لي فرصة تذوّق المزيج في منتصف مرحلة التخمير. كان في بداياته بلونٍ برتقالي، تفوح منه رائحة الفلفل الحار الجافة المميزة، وكانت حدّته لاذعة وقاسية على اللسان. ومع حلول العام الثالث من التخمير، يبدأ اللون بالتحوّل إلى البني، وتزداد نكهته تعقيدًا، بينما تخفّ حدّة الطعم وتصبح أكثر سلاسة. وبعد خمس سنوات، تمتزج جميع العناصر لتشكل مزيجًا متجانسًا ونكهة أعمق.
بل أُتيحت لي أيضًا فرصة إلقاء نظرة على برميل «سرّي» خضع لمدّة تعتيق أطول. ويصنع هذا النوع تحديدًا على غرار خلّ البلسميك الشهير في مودينا، والذي يُخمَّر من عصير العنب، وقد يُعتَّق أحيانًا لمدد تصل إلى 30، بل وحتى 50 عامًا، ليُطرح بأسعار أعلى. وقد قدّم هذا البرميل تجربة نكهة غنية، تتجاوز مجرد كونه «بهارًا» عاديًا.

حتى المظهر يصبح أكثر نعومة مع تقدم عملية التخمير (© أوكيتا ياسويوكي)
المسار النهائي للفلفل
تمتد حقول الفلفل الخاصة بإيماي على طول منحدر تلة يبعد حوالي 15 دقيقة بالسيارة من مصنع أوجيرو. وتحت شمس الظهيرة، تتوهج ثمار توت الروان بلون قرمزي، فيما تتلألأ سيقان الحشائش الفضية. تُعلق ثمار الفجل الأبيض لتجف تحت سقف الكوخ القريب. وعندما زرت المكان، كان الهواء البارد النقي يلف المنطقة بأكملها؛ فقد انتهى موسم الحصاد بالفعل، ولم يتبقَّ سوى بعض حبات الفلفل الخضراء الصغيرة معلقة هنا وهناك. يقول إيماي: ”هذا العام، لم يتحول بعض الفلفل إلى الأحمر بالكامل، ربما بسبب شدة حرارة الصيف“. ولعل التعبير عن نكهة المكان يعني، ببساطة، إظهار تأثير المناخ والطقس.
تحت سماء خالية من ضجيج السيارات أو صخب المدينة، كان الصمت لا يُكسره أحيانًا سوى صوت خافت، عميق وبعيد. صعدتُ المنحدر لبضع دقائق، فوجدت مصدره في مرجٍ تحيط به أسلاك شائكة. هناك، كانت قطيعٌ صغير من الأبقار السوداء يلمع تحت أشعة الشمس، يمضغ طعامه ببطء، وينظر إليّ بعيون هادئة.

أوجيرو منطقة معروفة بتربية أبقار تاجيما (© أوكيتا ياسويوكي)

فلفل حار طازج، نوع تم استقدامه من كوريا الجنوبية (© أوكيتا ياسويوكي)
تُعدّ حقول الفلفل هذه والمناظر الطبيعية المحيطة بها أمثلة ملموسة على ما يسميه هيراي ”إمكانات تاجيما“.
يقول هيراي ضاحكًا: «رحلة الفلفل الحار، منذ نشأته في أمريكا الوسطى والجنوبية وانتشاره حول العالم، وصلت إلى وجهتها الأخيرة في أوجيرو”. ومن يدري؟ لعل هذا الفلفل يصبح يومًا ما متجذرًا هنا إلى حد ينظر إليه كنبات محلي أصيل في تاجيما، تمامًا كما تحمل أصناف العنب المستخدمة في صناعة النبيذ أسماءً محلية حول العالم.

طلبتُ بعض لحم الواغيو في حانة النبيذ ”فينيا“ في هيميجي، وجرّبته مع صلصة ”كارازو موتشوساي جينئيكي“. امتزجت حلاوة دهن اللحم مع نكهة ”كارازو“ اللذيذة، مما أضفى بُعدًا جديدًا على مذاق اللحم (© أوكيتا ياسويوكي)
(النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان الرئيسي: فوكوي سيئيتشي، أحد العاملين ومستشار لدى هيراي سيئيتشي، والذي عمل سابقًا كطاه فرنسي، يقوم بتحريك المزيج الظاهر إلى اليمين باستخدام مجداف، لتعزيز عملية التخمير والنضج © أوكيتا ياسويوكي)
كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | كارازو… كيف يضيف التخمير لمسة يابانية فريدة إلى الفلفل الحار؟ لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
