اخبار العالم / اخبار لبنان

لبنان | عودة: مدعوون لأن نكون رسلاً لوطننا وعاملين على الحفاظ على أرضه وحريته ووحدته

لبنان | عودة: مدعوون لأن نكون رسلاً لوطننا وعاملين على الحفاظ على أرضه وحريته ووحدته

كتبت أسماء لمنور في الأحد 30 نوفمبر 2025 03:52 مساءً - منذ ساعتين
المطران الياس عودة

المطران الياس عودة

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد الإنجيل ألقى عظة قال فيها: “عندما سمع تلاميذ يوحنا المعمدان ما قاله عن الرب يسوع: «هوذا حمل الله»، إنفتح أمامهم طريق جديد لم يعرفوه من قبل، هو طريق اللقاء الشخصي بالمسيح؛ وإذ تبع أندراوس الذي نعيد له اليوم، ويوحنا الإنجيلي، المعلم، إلتفت إليهما وسألهما: «ماذا تطلبان؟». لم يكن سؤاله استيضاحا، بل كان كشفا لعمق الدعوة. فاتباع المسيح يبدأ من رغبة القلب، من بحث داخلي عن الحق والنور والحياة. قالا له: «يا معلم، أين تمكث؟». جاء الجواب الإلهي الذي بقي يتردد عبر الأجيال: «تعاليا وانظرا». هذا النداء هو صلب الحياة المسيحية، حيث الإيمان لا يبنى على أفكار مجردة ونظريات عقيمة بل على لقاء شخصي حي مع الرب القائم من بين الأموات”.

أضاف: “هذا اللقاء الأول، الذي بدل حياة التلاميذ، هو المفتاح الذي يساعدنا على فهم ما قاله الرسول بولس في رسالة اليوم: «صرنا مشهدا للعالم والملائكة والبشر». التلميذ الذي يقترب من المسيح ويعاين نوره، يصبح هو نفسه شهادة حية لهذا النور، حتى ولو حمل في سبيل ذلك صليب الإضطهاد أو الإزدراء والألم . المسيح، في إنجيل اليوم، يدعو الإنسان ألى الدخول في سر المعرفة الحقيقية، أي أن يمكث معه. والرسول بولس يبين ما يعنيه المكوث مع المسيح، أي أن نكون صورة حية للمسيح في العالم، وأن نعمل على أن يظهر مجده في ضعفنا، وقوته في جهادنا، وحكمته في اتضاعنا”.

وتابع: “دعا الرب أندراوس، كما دعا سمعان وسماه صفا. يدل تغيير الإسم على تغيير الكيان. من يلتقي المسيح لا يبقى على ما هو عليه بل يحصل في داخله تغيير جذري. هذا ما شدد عليه القديس يوحنا الذهبي الفم حين قال إن المسيح «لا يغير الأسماء فقط، بل يغير الطبيعة الداخلية للإنسان، فيجعله حجرا حيا في هيكل نعمته». دعوة المسيح أذا ليست إلى اعتناق عقيدة، بل إلى إعادة تشكيل الوجود كله. عمل الله في الإنسان يتطلب مسيرة مستمرة من التواضع والإحتمال والصبر، وجهادا ضد التجارب الكثيرة، لأن التلميذ الحقيقي لا يبحث عن مجد شخصي بل عن مجد الله. في لقاء الرب مع فيلبس ونثنائيل، نسمع كلمة جديدة تكشف أن المسيح يعرف خفايا القلب: «قبل أن يدعوك فيلبس، وأنت تحت التينة رأيتك». ما رآه المسيح لم يكن منظرا خارجيا، بل كان قلبا صادقا يبحث عن الله. قال القديس كيرلس الإسكندري إن الرب «لا يدعو الإنسان لأنه أهل للدعوة بحسب الجسد، بل لأن عينيه تريان الإستعداد الخفي في القلب، والشوق إلى الحق». يؤكد الإنجيل أن نظرة المسيح تسبق خطواتنا، وأن دعوته إيانا نعمة منه قبل أن تكون استجابة منا. لكن هذه النعمة تنتظر جوابا حرا، وإيمانا نابعا من خبرة شخصية مع الرب. لذا، المطلوب من المسيحي اليوم إيمان حي لا يعتمد على العادة أو الوراثة، بل على اللقاء الحقيقي بالمسيح في الصلاة والأسرار والعمل اليومي”.

وقال: “بولس الرسول يذكر الناس بأن طريق التلمذة ليس طريق راحة، بل طريق صليب. يقول: «نحن جهال من أجل المسيح أما أنتم فحكماء في المسيح، نحن ضعفاء وأنتم أقوياء، أنتم مكرمون ونحن مهانون، وإلى هذه الساعة نجوع ونعرى ونلطم». هم افتخروا بمعرفة ومواهب، لكن بولس يضع أمامهم النموذج الرسولي الحقيقي قائلا: «صرنا كأقذار العالم». هذا الكلام يجب أن يفهم في ضوء الإنجيل حيث يظهر لنا المسيح أن من يتبعه يقبل المشاركة في تواضعه. فإذا كان الرب الذي بلا خطيئة قبل أن يرفض وأن يهان ويصلب، فكم بالحري نحن الذين نفتخر بنعمته؟ المسيح يدعو التلميذ إلى رؤية حقائق أعمق من المجد الأرضي، إلى رؤية السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان، أي إلى معاينة مجده الإلهي الذي لا يظهر إلا في الإتضاع. حين يقول بولس: «أعظكم كأولادي الأحباء»، يكشف أن الرسالة المسيحية مبنية على علاقة أبوة روحية، لا على سلطة أو تسلط. والرب دعا التلاميذ واحدا فواحدا، لأن دعوته نداء شخصي يتحول إلى علاقة وطيدة. الإيمان علاقة، وليس تعليما مجردا. يقول القديس إغناطيوس الأنطاكي إن «من التصق بالأسقف والتزم بجماعة الكنيسة، إنما يلتصق بالمسيح نفسه». فالتلميذ لا يتبع المسيح وحسب، بل يدخل في حياة شركة مع جماعة المؤمنين، وفي طاعة الروح القدس العامل في المؤمنين، جسد الكنيسة”.

أضاف: “الرب دعا فيلبس، وفيلبس دعا نثنائيل. هذا يذكرنا بأن البشارة تبدأ من الشهادة الشخصية. المسيحي لا يفرض الإيمان فرضا، بل يشهد لما رآه وسمعه وآمن به. بولس الرسول يكشف أن الشهادة حياة تقدم. لذا، مسيحي اليوم مدعو إلى تقديم شهادة صادقة في عالم يتطلب شجاعة روحية في مجابهة التجارب، في الأمانة في العمل، في النزاهة والصدق والصبر على التجارب، وغفران الإساءة، ومحبة من تصعب محبتهم، وصون اللسان عن الدينونة. المسيح يعرف من ثماره الظاهرة في حياتنا. إنسان اليوم، وفي لبنان بشكل خاص، مجرب في كل لحظة من حياته، مجرب بالإنقياد إلى التسلط، أو استغلال النفوذ، أو مخالفة القوانين، أو اغتياب البشر وتشويه سمعتهم في وسائل التواصل، أو الإستيلاء على المال العام، أو توسل الأحزاب أو التلطي خلف الجماعات، كما أنه مجرب بجمع المال واستعماله لغايات غير محمودة. كل هذه التجارب لا تقاوم إن لم يكن هيكل الإنسان مبنيا على أساس صلب هو الإيمان الذي يؤدي إلى النقاوة والنزاهة والتواضع والمحبة والرحمة ورفعة الأخلاق. «تعال وانظر» دعوة لكل منا إلى حركة خروج من الذات. نحن نعيش في عالم يميل إلى الإنغلاق، وبناء أسوار من الخوف والقلق والأفكار المسبقة. لكن المسيح يجتذب الإنسان إلى فسحة أوسع، ورؤية جديدة. قد يعيش إنسان اليوم في حيرة أمام ما يحدث في العالم، أو أمام تجارب شخصية، أو شكوك داخلية، لكن المسيح يكشف له الحقيقة من خلال اللقاء به في عمق الصلاة. الرسول بولس يحث أبناءه الروحيين على الإقتداء به كما يقتدي هو بالمسيح. هذا ليس كلام كبرياء، بل إعلان أن المسيح يرى في حياة المبشرين به، وأن القداسة تنقل من حياة إلى حياة. كنيستنا تحيا بهذا التقليد الحي، فالآباء هم شهود المسيح في زمانهم، ونحن نقتدي بسيرهم لنتعلم كيف نعيش الإنجيل. القداسة ليست للماضي، إنما دعوة حاضرة لكل مسيحي كي يكون إنجيلا مقروءا حيث يعيش”.

وختم: “لقد أرسل الرب أندراوس والرسل رفقته لتبشير العالم، وكان معظمهم اميين، فانطلقوا إلى أصقاع الأرض حاملين الدعوة، فانتشرت البشارة بفضل أمانتهم وصدقهم واندفاعهم، رغم الضيقات والإضطهادات والمخاطر التي قاسوها. لذا نحن مدعوون اليوم أن نقترب من الرب بصدق نثنائيل، ونشهد له بشجاعة الرسل، ونعيش معه دائما في الصلاة والأسرار، لكي نعاين السماء مفتوحة في حياتنا، ونصير نورا للعالم يشهد لمجد الله. كما أننا مدعوون أن نكون رسلا لوطننا، أمناء له، وأمناء على رسالته ودوره، صادقين في ولائنا له وحده، عاملين على الحفاظ على أرضه وتراثه وديمقراطيته وحريته ووحدته، وعلى احترام إنسانه وصون كرامته”.

Advertisements

قد تقرأ أيضا